انطلاقاً من الوقفة التحليلية مع قوله تعالى: {إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]، وبعد بيان أبعاد الكنود التعبدي في انقطاع الإنسان عن شكر ربه، ينتقل التحليل إلى البُعد الآخر المرتبط بنظرة الإنسان إلى الحياة والواقع؛ وهو ما يترجم اصطلاحاً وسلوكياً بـ«الشخصية السلبية».

فالإنسان السلبي الذي يوجّه كامل تركيزه نحو الجزء الفارغ من الكأس متجاهلاً الجزء الملآن هو في حقيقته إنسان كنود؛ إذ المفترض عقلانياً وفطرياً ألا يقصر نظره على السلبيات وحدها، بل يوازنها بالنظر إلى الإيجابيات. لكنه بانقطاعه عن هذا التوازن وسلوكه بصورة مباينة للمنطق، يقع في جوهر الكنود. وتتجسد أبرز ملامح هذه الشخصية السلبية في سمات محددة:

1. دوام القلق واستدعاء المظلومية:

يعاني هذا الفرد من غياب دائم للطمأنينة وراحة البال، حيث يظل أسير حلقة مفرغة من التوقعات السوداوية والخوف المستمر من المستقبل، عامداً إلى تضخيم الصور السلبية، ومُكثِراً من التذمر والتشكي الدائم: «كل شيء صار باهظاً»، «أنا مريض دائماً»، «لا حظ لي في الحياة»، «كل الأمور تعاندني».

يغفل هذا الشخص تماماً عما بين يديه من نعمة المال، وينسى أنه ينعم في أغلب أوقاته بالعافية والصحة، كما يتناسى نعم السلامة والأمن والزوجة والأبناء والمسكن والوظيفة وغيرها الكثير؛ فيهمل كل تلك النعم القائمة ويركز على عوارض سلبية طارئة فيضخمها ويملأ بها المشهد حتى تختفي خلفها أفضال الحياة. ويجر هذا النمط تبعات بالغة على المستويات النفسية والعقلية والجسدية والسلوكية، وقد يدفع صاحبه إلى الإصابة بالاكتئاب الحاد وما شابهه من اضطرابات.

2. مقاومة التغيير وتعطيل التطوير:

ينطلق رفض التغيير لديه من التركيز الحصري على السلبيات وتضخم المخاوف؛ ففي علم الاقتصاد والمالية يوجد اختصاص أساسي يُعرف بـ«دراسة المخاطر»، حيث يقدم المستثمر على مشروع ما أو يسعى لتطوير منتج معين عبر دراسة المخاطر المحتملة ومقارنتها بالإيجابيات والعوائد لاتخاذ القرار المتزن.

ولو وُضع هذا الإنسان السلبي في مثل هذا المنصب لقيادته، لدمّر المشروع تدميراً شاملاً؛ لعجزه البنيوي عن رؤية أي أفق سوى المخاطر وتضخيمها، مما يجعله دائم الرفض لأي خطوة نحو التطوير والتجديد.

3. العجز عن التكيف مع المحيط:

يمثل التغيير والمستجدات سنة من سنن الحياة الكونية الثابتة، وبما أن الشخصية السلبية تجنح دوماً لمقاومة هذا المسار الحتمي، فإن النتيجة الحتمية تتمثل في استمرار التذمر من المتغيرات و«لعن الزمان»، يليه تقوقع ذاتي متدرج يقود غالباً إلى اعتزال المحيط الاجتماعي والانزواء عنه قدر المستطاع.

4. غياب المبادرة والارتهان لدور الضحية:

يتسم الإنسان السلبي بالعجز عن المبادرة الذاتية، مفضلاً انتظار حلول جاهزة تهبط عليه دون سعي منه؛ إذ يتبنى سردية الضحية ويتوقع من العالم بأسره أن يغير مساراته ومجرياته لصالحه دون أن يبذل جهداً.

5. الخضوع لسلطة المشاعر والانفعالات:

تتحكم فيه العواطف الجياشة والأحاسيس القلقة وتقوده في مواقفه، متقدماً بذلك على تحكيم العقل والمنطق الموضوعي.

6. العنف في ردود الأفعال والحدة الصدامية:

يعيش صاحب هذه الشخصية تحت وطأة ضغوط نفسية هائلة ناجمة عن تراكم تلك السمات، مما يولد انفجارات عنيفة في ردود أفعاله. ويشكل هذا الاحتقان أحد أبرز الأسباب الكامنة وراء المواقف العنيفة التي تطفو على سطح الأوساط الفكرية والثقافية، سواء كانت دينية أو غير دينية، حين تواجه رأياً مغايراً أو طرحاً جديداً:

  • يظهر بعض المفكرين ذوي التوجه العلماني ضيقاً حاداً وعدم قدرة على احتمال سماع فكرة تنطلق من رؤية دينية، رغم أن صفتهم كمفكرين تفرض عليهم نظرياً الانفتاح على كافة التيارات، فيتحول سلوكهم إلى نمط صدامي عنيف.
  • في المقابل، يعجز بعض علماء الدين عن استيعاب النقد أو تقبل الآراء المستجدة، فتأتي مواقفهم متشنجة وحادة، بل إن بعضهم لا يقبل التعامل مع الناس إلا بمنطق التبعية المطلقة ومصادرة حق التفكير.ولا يعني هذا حصر جميع المواقف الصدامية في الشخصية السلبية، لكنها بلا شك تمثل واحداً من أهم محركاتها وأسبابها العميقة.

مآلات التحذير القرآني ومسؤولية الوعي

يحذر النص الإلهي في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ} من الوقوع في فخ السلوك المباين لما تفرضه الفطرة السليمة؛ فمقابلة النعم الربانية العظيمة والمستدامة لا تكون إلا بالشكر المستمر.

إلا أن مساعي المشروع الإبليسي الهادف إلى تجريد بني آدم من الشكر وجعلهم في عداد الكفور تضع الإنسان دوماً في دائرة الاستهداف، مما يفرض على المؤمن يقظة دائمة، وحذراً واعياً، وملازمة لذكر الله والاعتراف بآلائه.

ويتسع هذا الوعي ليشمل الحذر من ممارسة «الكَنْد» تجاه الحياة والناس من حولنا بالتحول إلى شخصيات سلبية تستغرق في النقائص وتهمل المحاسن؛ تفادياً للوقوع في شباك التبعات النفسية والعقلية والجسدية التي تقوض جودة الحياة الإنسانية وفاعليتها.

بلاغة التوكيد في مستهل سورة العاديات يقف المتأمل في النص القرآني أمام حمولة بيانية مكثفة تتجلى في قوله تعالى: {إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ} [العاديات: 6]، حيث تتلاحق أساليب التوكيد اللغوي لإثبات هذه السمة البشرية وترسيخها في وعي المتلقي. لا تقتصر قوة الإقرار على أداة واحدة، بل جاءت مبنية على ثلاث طبقات من التوكيد البياني:

  • التصدير بأداة التحقيق والتوكيد «إنَّ» في مستهل الجملة الاسمية.
  • تقديم الجار والمجرور «لربّه» بما يفيد الاختصاص ولفت الانتباه إلى عظمة المُنْعَم عليه في مقابل جحود المنكِر.
  • توظيف اللام المزحلقة في «لَكَنُودٌ»، وهي لام الابتداء التي زُحلقت إلى خبر «إنَّ» لتثبيت الصفة وقطع أي شك في تحققها.

ولم تأتِ هذه الصياغة المؤكدة منفصلة، بل سبقتها ذروة تصويرية بدأت بقسم إلهي مهيب في فواتح السورة: {وَٱلۡعَٰدِيَٰتِ ضَبۡحٗا * فَٱلۡمُورِيَٰتِ قَدۡحٗا * فَٱلۡمُغِيرَٰتِ صُبۡحٗا * فَأَثَرۡنَ بِهِۦ نَقۡعٗا * فَوَسَطۡنَ بِهِۦ جَمۡعًا} [العاديات: 1-5]. هذا المشهد الحركي المتدفق لخيول المعركة وعدوها الحثيث وصوت أنفاسها وإثارتها للغبار واقتحامها لصفوف العدو، إنما يمهد للنتيجة المركزية التي يتناولها النص: مواجهة الإنسان لربه بخصلة «الكنود».

الجذر اللغوي ودلالة «قطع المأمول» لتفكيك ماهية هذا الوصف، يوضح ابن فارس في معجم «مقاييس اللغة» أن مادة (كَنَدَ) تعود إلى أصل دلالي واحد صحيح يدل على معنى «القطع». وتظهر العرب هذا المعنى في قولهم «أرضٌ كَنود»، وهي الأرض الجدباء التي لا تنبت زرعاً؛ أي أن المتوقع والطبيعي منها أن تخرج ثمارها ونباتها—أو أنها اعتادت الإثمار سابقاً—إلا أنها قطعت تلك العادة وأخلفت المرجو منها.

ومن هذا الجذر اللغوي اشتُق وصف «الكنود» للإنسان كفور النعمة؛ فالمنعم عليه يُفترض فيه بحكم العقل والفطرة أن يقابل الإحسان بالشكر، لكنه «يكنُد الشكر»؛ أي يقطعه فجأة ويمتنع عن إبدائه. فالكنود في جوهره ليس مجرد غفلة، بل هو انقطاع واعٍ ومفاجئ عن السلوك الفطري المتوقع.

مكيدة الشيطان وتكريس ثقافة عدم الشكر يمثل انقطاع الشكر الثمرة المباشرة للمشروع الإبليسي الذي أعلنه الشيطان في خصومته الوجودية مع بني آدم، كما وثقته سورة الأعراف: {ثُمَّ لَأٓتِيَنَّهُم مِّنۢ بَيۡنِ أَيۡدِيهِمۡ وَمِنۡ خَلۡفِهِمۡ وَعَنۡ أَيۡمَٰنِهِمۡ وَعَن شَمَآئِلِهِمۡۖ وَلَا تَجِدُ أَكۡثَرَهُمۡ شَٰكِرِينَ} [الأعراف: 17]. فالغاية الاستراتيجية لإبليس تتجسد في تحويل الإنسان من الكينونة الشاكرة إلى الكينونة الجاحدة المنقطعة عن الفضل الإلهي.

وتعكس سورة الأعراف نموذجاً حياً لسلوك الكَنْد في الواقع البشري، حيث يتصرف الإنسان بخلاف ما عاهد عليه ربه: {هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفۡسٖ وَٰحِدَةٖ وَجَعَلَ مِنۡهَا زَوۡجَهَا لِيَسۡكُنَ إِلَيۡهَاۖ فَلَمَّا تَغَشَّىٰهَا حَمَلَتۡ حَمۡلًا خَفِيفٗا فَمَرَّتۡ بِهِۦۖ فَلَمَّآ أَثۡقَلَت دَّعَوَا ٱللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنۡ ءَاتَيۡتَنَا صَٰلِحٗا لَّنَكُونَنَّ مِنَ ٱلشَّٰكِرِينَ * فَلَمَّآ ءَاتَىٰهُمَا صَٰلِحٗا جَعَلَا لَهُۥ شُرَكَآءَ فِيمَآ ءَاتَىٰهُمَاۚ فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ عَمَّا يُشۡرِكُونَ} [الأعراف: 189-190].

فبينما ينتظر المنطق أن يُقابل العطاء بالوفاء، ينقلب السلوك البشري إلى نكوص وشرك، متجاهلاً الأمر الإلهي الواضح: {بَلِ ٱللَّهَ فَٱعۡبُدۡ وَكُن مِّنَ ٱلشَّٰكِرِينَ} [الزمر: 66]؛ إذ تمثل العبادة المسلك الطبيعي الوحيد المتناغم مع نعم الخالق الدائمة.

من «الكنود» إلى «الكفور»: التدرج في مسار الجحود يتنقل البيان القرآني في توصيف هذا المآل الإنساني بين لفظتي «الكنود» و«الكفور»؛ فكما خُتم التوكيد في العاديات بـ {إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لِرَبِّهِۦ لَكَنُودٌ}، جاء في سورة الزخرف: {وَجَعَلُواْ لَهُۥ مِنۡ عِبَادِهِۦ جُزۡءًاۚ إِنَّ ٱلۡإِنسَٰنَ لَكَفُورٞ مُّبِينٌ} [الزخرف: 15].

إن العلاقة بين المفهومين علاقة أثر بمؤثر؛ فالإنسان المفترض به الإيمان ينكث عهده ويقطع شكره، وبدلاً من التوحيد يجعل لله شركاء وأنداداً، ممارساً الكفر مرة بعد أخرى حتى يطبع قلبه بالجحود فيغدو «كفوراً» بصيغة المبالغة.

هذا المسار يكشف جانباً عقدياً وروحياً في تعامل الإنسان مع ربه، لكن ظاهرة «الكنود» لا تتوقف عند حدود البعد التعبدي؛ إذ تمتد لتصوغ نظرة الإنسان العامة تجاه الحياة والمجتمع ونفسه، مشكّلة شخصية تتسم بالسلبية والانغلاق على النقائص، وهو ما يشكل المحور والمدخل التفصيلي للمرحلة اللاحقة من هذا الطرح.

الشيخ علي حسن

View all posts