سادساً: المواجهة العسكرية والتحالف مع المشركين

تطورت أساليب تقويض المشروع النبوي من التشكيك والحرب النفسية إلى المواجهة العسكرية المباشرة وعقد التحالفات مع قوى الشرك:

1. بنو النضير ونقض العهد (4 هـ):

عقب هزيمة المسلمين في معركة أُحد، بادر كعب بن الأشرف—سيد بني النضير—بالخروج في أربعين راكباً إلى مكة المكرمة، حيث حالفوا قريشاً عند الكعبة المشرفة على قتال المسلمين واستئصالهم. إثر هذا الغدر الصريح، سار إليهم النبي (ص) في السنة الرابعة للهجرة وأمرهم بالجلاء ومغادرة قريتهم. تنادوا للحرب ورفضوا الخروج بعد أن دس إليهم عبد الله بن أُبيّ بن سلول ألا يستجيبوا، واعداً إياهم بألفين من قومه وإسناد بني قريظة وحلفائهم من غطفان.

حاصر النبي (ص) حصونهم، فتخاذل الحلفاء وقذف الله في قلوبهم الرعب. وعندما أدركوا عجزهم، طلبوا الصلح، غير أن النبي (ص) أبى إلا جلاءهم الكامل عن ديارهم. وقد وثق القرآن الكريم هذا الحدث في سورة الحشر:

{هُوَ ٱلَّذِيٓ أَخۡرَجَ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن دِيَٰرِهِمۡ لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِۚ مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْۖ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم مِّنَ ٱللَّهِ فَأَتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِنۡ حَيۡثُ لَمۡ يَحۡتَسِبُواْۖ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَۚ يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ} [الحشر: 2].

تتجلى الدلالات التفسيرية للآية في المعاني التالية:

  • وُصفوا بـ«الَّذِينَ كَفَرُواْ» لكفرهم بنبوة محمد (ص) بعد معرفتهم السابقة به، كما في قوله تعالى: {وَلَمَّا جَآءَهُمۡ كِتَٰبٌ مِّنۡ عِندِ ٱللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمۡ وَكَانُواْ مِن قَبۡلُ يَسۡتَفۡتِحُونَ عَلَى ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَآءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِۦ فَلَعۡنَةُ ٱللَّهِ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ} [البقرة: 89].
  • معنى «لِأَوَّلِ ٱلۡحَشۡرِ»: حشر يهود جزيرة العرب وإجلاؤهم الأول إلى خارج أراضيهم، وكلمة «أَوَّلِ» تشير إعجازياً إلى إجلاء وحشر لاحق سيعقبه.
  • دلالة «مَا ظَنَنتُمۡ أَن يَخۡرُجُواْ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُم مَّانِعَتُهُمۡ حُصُونُهُم»: التنبيه على تفكيرهم المادي الذي عوّل على مناعة الحصون وقلاعهم الحصينة متناسين قدرة الله، فباغتهم الأمر الإلهي من حيث لم يحتسبوا.
  • معنى «يُخۡرِبُونَ بُيُوتَهُم بِأَيۡدِيهِمۡ وَأَيۡدِي ٱلۡمُؤۡمِنِينَ»: إفساد منازلهم إما اضطراراً تحت ضغط الحصار والمواجهة، أو تعمداً لمنع المؤمنين من الانتفاع بها بعد رحيلهم.

2. بنو قريظة وخيانة الخندق (5 هـ):

خلال أحداث غزوة الأحزاب (الخندق)، ارتكب بنو قريظة خيانة عظمى بنقض ميثاق المدينة والتحالف مع جيوش المشركين من قريش وغطفان لمهاجمة بيوت المسلمين من الخلف. بلغ الخبر النبي (ص) فعظم الكرب، وغدا الخوف على الذراري والنساء أشد من الخوف من الحصار عند الخندق، فبادر النبي (ص) بإرسال فرقتين (إحداهما تضم 300 مقاتل والأخرى 200 مقاتل) لحراسة أحياء المدينة الداخلية وإظهار التكبير لردع المتسللين.

وعقب انهزام الأحزاب وانسحابهم، توجه الجيش الإسلامي مباشرة إلى حصون قريظة، وفرض عليهم حصاراً محكماً استمر قرابة عشرين ليلة تخلله تبادل للنبال. ولما اشتد عليهم الحصار وبلغ منهم الرعب مبلغه خوفاً من الاستئصال، نزلوا على حكم التحكيم في صيغة الاستسلام، كما سجّل القرآن في سورة الأحزاب:

{وَأَنزَلَ ٱلَّذِينَ ظَٰهَرُوهُم مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ مِن صَيَاصِيهِمۡ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ ٱلرُّعۡبَ فَرِيقٗا تَقۡتُلُونَ وَتَأۡسِرُونَ فَرِيقٗا} [الأحزاب: 26]، وكان هذا إجلاءً وحشراً آخر لهم.

3. معركة خيبر وتفكيك التحالف الإقليمي (7 هـ):

تجمع شتات المطرودين من بني النضير وقريظة في واحة خيبر الحصينة، وقادوا مخططاً لاستنفار يهود تيماء وفدك ووادي القرى للزحف نحو المدينة لمقاتلة النبي (ص) على «وِتْرٍ حديث وقديم»، واستجلبوا قبائل غطفان كقوة ضاربة.

تحرك النبي (ص) باستراتيجية حاسمة وفاجأهم في معاقلهم بخيبر، ونجح في عزل غطفان وفك التحالف، ثم حاصر قلاعهم المنيعة قيد الفتح حتى سقطت معظم الحصون وانتهت المعركة بالصلح وإقرارهم على العمل في الأرض.

محاولة الاغتيال بالسم في خيبر: الرواية والتفاصيل

أوردت المصادر الحديثية—ومنها كتاب «فتح المنعم شرح صحيح مسلم»—ملابسات محاولة الاغتيال التي دُبرت للنبي (ص) في خيبر:

«…وبينما كان رسول الله (ص) والمسلمون يجمعون أمورهم للعودة إلى المدينة وهم ما زالوا في منازل جيوشهم، إذ أرسلت امرأة يهودية إلى رسول الله (ص) بشاة مشوية، دسّت فيها سماً قاتلاً، وزادت من كمية السم في الكتف والذراع، بعد أن علمت أن النبي (ص) يحب الكتف والذراع، ووضعت المائدة بالشاة بين يدي رسول الله (ص) ومن قرب منه من صحابته، وما كانوا يمدون أيديهم إلى طعام قبل أن يمد يده إليه (ص)، فأمسك (ص) بالذراع، ونهش منها نهشة بأسنانه، ونهش بشر بن البراء نهشة من قطعة لحم، وأسرع في مضغها وبلعها، لكن الرسول (ص) بعد أن مضغها مضغة وقبل ابتلاعها نطقت الذراع في يده، تقول: أنا مسمومة! فألقى ما في فمه، فقال لأصحابه: أمسكوا. لا تأكلوا. الشاة مسمومة. لكن بشر بن البراء كان قد ابتلع القطعة فاصفر لونه في الحال، فحاولوا إنقاذه وإسعافه.

وجمع الرسول (ص) اليهود، فقال لهم: إني سائلكم عن شيء، فهل أنتم صادقون عنه؟ قالوا: نعم يا أبا القاسم. فقال: هل جعلتم في هذه الشاة سماً؟ فقالوا: نعم. فقال: ما حملكم على ذلك؟ فقالوا أردنا إن كنت كاذباً نستريح منك، وإن كنت نبياً لم يضرك، قال: من التي باشرت وضع السم؟ قالوا: زينب بنت الحارث، فجيء بها، فقيل لها: لم فَعلتِ ما فَعلتِ؟ قالت: أردتُ أن أقتلك، قتلتَ أبي وعمي وزوجي وأخي، ونلتَ مِن قومي ما نلت، قال: إن الله تعالى لم يكن ليمكّنك من قتلي. قالت: قلت: إن كان نبياً فسيخبره الذراع، وإن كان ملكاً استرحنا منه، وقد استبان لي الآن أنك صادق، وأنا أشهد: وأُشهد الحاضرين أني على دينك. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً رسول الله.

قال الصحابة: اقتلها يا رسول الله. قال: لا، ما قَتلت، وأسلَمَت، وأنا لا أنتقم لنفسي، وكوى رسول الله (ص) نفسه على عرق يعرف العرب أنه يقي من السم، يعرف بالأبهر، ليبطل مفعول ما عساه دخل إلى الجسم بواسطة اللعاب، وجاءه الخبر أن بشر بن البراء مات من السم، فسلم رسول الله (ص) المرأة إلى أولياء بشر، ليقتلوها قصاصاً فقتلوها، وظل (ص) بعد هذه الحادثة ثلاث سنين، كلما جاء موعدها من كل سنة، وجد ألماً حتى كان مرض موته (ص) فأحس الألم، واستمر معه حتى مات (ص)».

موقف الفقه وعلم الكلام الإمامي من شهادة النبي (ص) بالسم

أثارت هذه الواقعة نقاشاً كلامياً وتاريخياً واسعاً بين كبار علماء الشيعة الإمامية، تمحور حول مسألة استشهاده (ص) بالسم مقابل وفاته الطبيعية:

1. مسلك الإثبات العقدي (الشيخ الصدوق):

عدّ الشيخ الصدوق رحيل النبي بالسم جزءاً من الاعتقاد الديني، قائلاً: «اعتقادنا في النبي (ص) أنه سُم في غزاة خيبر، فما زالت هذه الأكلة، تعاوده حتى قطعت أبهره فمات منها… وقد أخبر النبي والأئمة أنهم مقتولون ومن قال: إنهم لم يُقتلوا فقد كذَّبهم…» (اعتقادات الصدوق: ص 109-110).

2. مسلك النقد السندي والتحفظ (الشيخ المفيد):

رد الشيخ المفيد على إطلاق الصدوق مؤكداً أن أخبار السم في حق النبي (ص) هي روايات آحاد لا تفيد القطع، موضحاً: «وأما ما ذكره الشيخ أبوجعفر رحمه‌ الله من مضيّ نبينا والائمة عليهم‌ السلام بالسم والقتل، فمنه ما ثبت، ومنه ما لم يثبت، والمقطوع به أنّ أمير المؤمنين والحسن والحسين صلوات الله عليهم خرجوا من الدنيا بالقتل، ولم يمت أحدهم حتف أنفه، ومِن بعدهم مسموما موسى بن جعفر عليه‌ السلام، ويقوى في النفس أمر الرضا عليه‌ السلام، وإنْ كان فيه شك، فلا طريق إلى الحكم فيمن عداهم بأنهم سُمّوا واغتيلوا أو قُتلوا صبرا، فالخبر بذلك يجري مجرى الارجاف، وليس إلى تيقّنه سبيل».

3. مسلك التوفيق وجمع القرائن (العلامة المجلسي):

دافع العلامة المجلسي (في بحار الأنوار، ج 27 ص 216) عن فكرة شهادة المعصومين مستنداً إلى عدة ركائز:

  • وجود أخبار عامة مستفيضة تفيد بأنهم لا يخرجون من الدنيا إلا بالشهادة أو السم.
  • توفر أخبار خاصة دالة على استشهاد أكثرهم وبيان كيفياته.
  • ثبوت التواتر القطعي في واقعة استشهاد النبي، وأمير المؤمنين، وفاطمة الزهراء، والحسن، والحسين، والكاظم، والرضا (عليهم السلام).
  • قيام الظن القوي وقرائن الأحوال السياسية والتاريخية المحيطة بالمتبقين منهم، مع انعدام الدليل القاطع على نفي القتل.

ويستدل أصحاب هذا المسلك أيضاً بإشارة قرآنية من سورة آل عمران: {وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِ ٱلرُّسُلُۚ أَفَإِيْن مَّاتَ أَوۡ قُتِلَ ٱنقَلَبۡتُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ} [آل عمران: 144]، معتبرين أن ورود لفظ «قُتِلَ» يفتح الباب لاحتمال الاستشهاد الفعلي.

المناقشات النقدية والإشكالات العلمية المطروحة

أفرزت مرويات التسميم في خيبر مجموعة من التساؤلات التاريخية والطبية:

الإشكال الأول: قبول طعام المهزومين:

كيف اطمأن النبي (ص) لتناول طعام أعده أهل خيبر عقب معركة دامية قُتل فيها قادتهم؟ خاصة وأن صانعة الطعام زينب بنت الحارث (زوجة سلام بن مشكم وأخت أو ابنة أخي مرحب) صرحت بدوافعها الانتقامية: «قتلت أبي وعمي وزوجي وأخي، ونلت من قومي ما نلت».

الإشكال الثاني: امتداد أثر السم ثلاث سنوات:

من الناحية السمية، لا يُعرف سم تقليدي يؤدي للموت بعد ثلاث سنوات بجرعة واحدة إلا في حالات التسمم التراكمي المستمر. وقد طرح العلماء والباحثون عدة إجابات توجيهية:

  • التوجيه الغيبي: أن الله تعالى عطّل التأثير الفوري القاتل للسم إعجازاً لتمكينه (ص) من إتمام تبليغ الرسالة واستكمال البناء المؤسسي للإسلام، ثم أذن للأثر الكامن بالتحرك عند انقضاء الأجل ليجمع له شرفي النبوة والشهادة.
  • التوجيه الطبي: إن تناول النبي لقضمة يسيرة لم تكن كافية للإهلاك الفوري، ولكنها أحدثت أضراراً عضوية ومضاعفات في الأنسجة الداخلية أضعفت المناعة وعاودته نوباتها حتى مرض الوفاة.
  • الشواهد العلمية المقارنة: أظهرت دراسات طبية حديثة أن بعض حالات التسمم الحاد—مثل التسمم بغاز أول أكسيد الكربون الأكثر شيوعاً في الولايات المتحدة—تترك تلفاً مستديماً في عضلة القلب يعرض الناجين لخطر الوفاة بعد سنوات من الحادثة؛ مما يفتح الباب لإمكانية وجود مركبات سمية قديمة تترك آثاراً عضوية مزمنة تؤدي للموت المؤجل.

الإشكال الثالث: معجزة نطق الذراع:

تتساءل القراءة التحليلية: لماذا لم تنطق الذراع قبل أن يقضم منها النبي (ص) وتقتصر على التنبيه بعد المضغ؟ وكيف نطقت دون أن يسمعها الصحابة الحاضرون كالصحابي بشر بن البراء الذي ابتلع لقمته وقضى نحبه؟ وهي أسئلة تضع الرواية التفصيلية في ميزان البحث الحديثي والكلامي الدقيق.

الشيخ علي حسن

View all posts