عن أمير المؤمنين علي عليه السلام قال: “إنَّ الرجل ليُعجبُه مِن شراك نَعله أن يكون أجودَ مِن شِراك نَعلِ صاحبِه، فيدخل في قوله تعالى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} [القصص: 83]”.

خطورة الكبر والاستعلاء في المنظور الإسلامي

يمثل الكبر والتفاخر والاستعلاء على الآخرين مسألة ذات طابع حساس وبالغ الخطورة في المنظور الإسلامي؛ ولهذا نجد نصوصاً قرآنية وأحاديث شريفة عديدة ومتنوعة تُحذّر بشدة من مغبة الوقوع في هذا الشرك الخطير، من أبرزها تقديم قصة إبليس وطرده الأبدي من رحمة الله بسبب استكباره، ووصف الخصائص السلوكية لِعباد الرحمن وغير ذلك من الشواهد. وتأتي هذه الرواية المروية عن أمير المؤمنين عليه السلام من بين النصوص الأساسية التي تصب في هذا السياق، سياق التحذير الدقيق من عوامل ومظاهر الكبر والتفاخر والاستعلاء على الآخرين في تفاصيل الحياة اليومية.

رمزية شراك النعل ودلالات التنافس الهامشي

شراك النعل بمثابة الرباط أو السير الذي يُربط به الحذاء في زماننا هذا، وهو شيء قليل القيمة، وليست له أي أهمية ذاتية، بل هو في اصل وضعه وسيلة بحتة لحفظ الملبوس في القدم وتثبيته.

ولكن الاعتناء الاستثنائي بهذا الشيء التافه، والحرص على أن يكون أجود من نعال الآخرين، قد يكون مؤشراً واضحاً على وجود خلل عميق في نفسية مالكه؛ وذلك حين يعيش حالة من التنافس المرضي مع شخص آخر على أفضلية رباط الحذاء، لا لشيء إلا لأنه يريد أن يستعلي من خلاله على الآخرين ويشعر بالتميز الزائف عليهم.

الفرق بين التجمل المشروع والاستعلاء المذموم

نحن لا نتحدث هنا بحال عن أصل التجمل وتحسين الهيئة، فقد ورد أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وآله فقال: يا رسول الله، إني أحب أن يكون ردائي حسناً ونعلي حسنة، أفمن الكبر ذلك؟ فقال صلى الله عليه وآله: “لا، إن الله جميل يحب الجمال”.

إنما نتحدث عن تحوّل شيء تافه وهامشي إلى مدخل خبيث للاستعلاء من خلال المقارنة في الماديات، وفي ما لا قيمة له بالمرة في الحساب الأخروي، مصداقاً لقوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [طه: 131].

الآثار المدمرة لمدّ العين والتنافس المادي

كم من شخص كتب شيكات بلا رصيد ودخل السجن بسبب مدّ العين ومقارنة أوضاعه المادية بوضع جاره أو ابن عمه! وكم من أسرة تفكّكت وتصدعت أركانها بسبب ضغط الزوجة لتملُك مثل أو أفضل مما يتملّكه الآخرون بسبب هذا الهوس! وكم من سرقات واختلاسات وغش ونصب واحتيال تمت نتيجة الانسياق خلف هذه المظاهر!

وكم من رجل نسي المسجد، ونسي الصلاة، ونسي الآخرة، ونسي الموت، ونسي ربه بسبب مد العين والتطاول في الأمور الدنيوية! وكم من امرأة لجأت إلى عرض جسدها وزينتها على وسائل التواصل الاجتماعي بسبب مدّ العين والتنافس المحموم مع أخريات على الشهرة والظهور! وكم من زوج قبل من زوجته ذلك الدناءة من أجل التكسّب السريع على حساب شرفه وكرامته!

إن أمير المؤمنين عليه السلام يوجه إلينا نداء واشداً للوعي قائلاً: انتبهوا ولا تخسروا آخرتكم، لأن الله تعالى يقول محذراً ومقرراً القاعدة الكبرى: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ}.

الشيخ علي حسن

View all posts