عن الإمام الباقر (ع) أنه قال: (إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبيلُ الأنبياء، ومنهاجُ الصلحاء، فريضةٌ عظيمةٌ بها تُقام الفرائض، وتأمَن المذاهب، وتَحِلُّ المكاسب، وتُردُّ المظالم، وتُعمَّرُ الأرض، ويُنتصَفُ مِن الأعداء، ويَستقيمُ الأمر). إن الأصل في تكوين هوية الإنسان المؤمن أن يكون شخصية مسئولة، تجاه خالقه، وتجاه نفسه، وتجاه الآخرين، وتجاه كل ما يحيط به. وحتى عندما يراد من المؤمن أن يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، فإن الأمر لا ينطلق من بُعد عبادي محض، بل له علاقة بالناس وبحياتهم الدنيا أيضاً.

القرآن الكريم يربّي الإنسان المؤمن بهذه الصورة المشرقة، كما في قوله تعالى: (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُوْلَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [التوبة:71]. وكذلك في قوله: (وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) [آل عمران:104]. ويؤكد ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) [الحجرات:10]. وفي سورة البلد نقرأ: (فَكُّ رَقَبَةٍ، أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ، يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ، أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ، ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ) [البلد:13-17]. وهناك آيات أخرى كلها تصبّ في اتجاه صياغة المؤمن ليكون إنساناً مسئولاً في ما له علاقة بنشأته الأولى، وبالنشأة الآخرة، ومن هذه المسئوليات ما له علاقة بالمعروف والمنكر.

تحمل المسؤولية: توفيق إلهي ومصدر للسعادة

والإمام زين العابدين (ع) في الدعاء السادس من الصحيفة السجادية يعتبر أنّ تحمّل المسئولية توفيقٌ من الله سبحانه، وليس عبئاً على الإنسان، حيث يقول: (وَوَفِّقْنَا فِي يَوْمِنَا هذا ولَيْلَتِنَا هذِهِ وَفِي جَمِيعِ أيّامِنَا لاسْتِعْمَالِ الْخَيْرِ، وَهِجْرَانِ الشَرِّ، وَشُكْرِ النِّعَمِ، وَاتّبَاعِ السُّنَن، وَمُجَانَبَةِ البِدَعِ، وَالأمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَحِياطَةِ الإسْلاَمِ، وَانْتِقَاصِ الْبَاطِلِ وَإذْلالِهِ، وَنُصْرَةِ الْحَقِّ وَإعْزَازِهِ، وَإرْشَادِ الضَّالِّ، وَمُعَاوَنَةِ الضَّعِيفِ، وَإدْرَاكِ اللَّهِيْفِ).

ومِن حسِّ المسئولية هذه نجد أن الله تعالى يصف رسوله (ص) كالتالي: (فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَى آثَارِهِمْ إِن لَّمْ يُؤْمِنُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ أَسَفًا) [الكهف:6]، والبخوع يعني الإهلاك. ويوصيه إشفاقاً: (فَلا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عَلَيْهِمْ حَسَرَاتٍ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِمَا يَصْنَعُونَ) [فاطر:8]. ونجده يحذّر ضمناً من مغبّة الوقوع في الخطأ الذي وقعت فيه جماعة من بني إسرائيل: (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوا وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ، كَانُواْ لاَ يَتَنَاهَوْنَ عَن مُّنكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَفْعَلُونَ)[المائدة:78-79]. وقصة أصحاب السبت الذين انقسموا إلى الفئة التي أصرت على المعصية، والفئة التي لم تبالِ ودَعت إلى اللامبالاة، والفئة التي تحمّلت مسئوليتها خير مثال لذلك: (فَلَمَّا نَسُواْ مَا ذُكِّرُواْ بِهِ) من الذي نسى مسئوليته؟ إنهم أصحاب الفئتين الأولى والثانية، وأما الثالثة فيقول تعالى عنهم: (أَنجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ)، وماذا عن الفئتين الأولى والثانية؟ (وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُواْ بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ) [الأعراف:163-165].

من الواضح أن لتحمّل المسئولية ضريبة، وأحياناً تكون الضريبة كبيرة، وكبيرة جداً: تعب، وتفكير، وبذل، وتضحيات. ولكنها جزء مما يحقِّق للمؤمن السعادة في هذه الدار قبل الآخرة، من خلال الإحساس بالراحة النفسية أنَّ حياتَه في مرضاة الله تعالى، وأنه يحقق إنسانيتَه بها. ولذا، فإن المدارس المادية حين تغفل عن هذا البُعد في معالجتها لموضوع السعادة وكيفية تحقيقها في الحياة، إنما تغفل عن ركن أساسي ومهم جداً في إدراك حقيقة السعادة. فعندما يلبي الإنسان رغبات البُعد المادي في وجوده، فإنه قد يحصل على اللذة، ولكنه لا ينال السعادة بذلك، ما لم يلبِّ للبُعد الروحي حاجاتِه. وجزء منها يتحقق من خلال تحمّله المسئولية، ولا سيما إذا كان ذلك في طريق مرضاة الله، وبما يتوافق مع الفطرة الإنسانية.

اللامبالاة مقابل الإعراض القرآني: فهم دقيق

اليوم، هناك دعوات متعدّدة للاتجاه نحو اللامبالاة، وبتعبيرهم: (طنّش، تعش، تنتعش)، و(ارفع الجام واستريح)، حتى صارت اللامبالاة -عند البعض- فناً ومهارة. ولا أعتقد أن الإنسان الذي يحترم إنسانيته -فضلاً عن طاعته لله- يمكن أن يقبل باللامبالاة المطلقة. حتى كتاب (فن اللامبالاة) لمارك مانسون، الذي كان من الأكثر مبيعاً سنة 2017 في عدة مكتبات عالمية ومنصات إلكترونية (ضمن الكتب غير الروائية)، وبيعت أكثر من 20 مليون نسخة باللغة الإنجليزية منذ صدور الكتاب إلى شهر يوليو الماضي، هذا الكتاب لا يدعو -عند قراءته بتمعّن- إلى اللامبالاة المطلقة كما يبدو للوهلة الأولى من عنوانه، ولكنه يدعو إلى اللامبالاة في بعض الأمور وفي بعض الظروف.

قد يقال إن في القرآن الكريم موارد تتحدث عن الإعراض، أليس هذا من اللامبالاة؟ للإجابة على ذلك، نستعرض بعض الآيات:

أولاً: قال تعالى: (وَإِذَا رَأَيۡتَ ٱلَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيٓ ءَايَٰتِنَا فَأَعۡرِضۡ عَنۡهُمۡ حَتَّىٰ يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيۡرِهِۦۚ وَإِمَّا يُنسِيَنَّكَ ٱلشَّيۡطَٰنُ فَلَا تَقۡعُدۡ بَعۡدَ ٱلذِّكۡرَىٰ مَعَ ٱلۡقَوۡمِ ٱلظَّٰلِمِينَ) [الأنعام:٦8]. ففي خضم ممارسة الإنسان المؤمن دوره في الدعوة إلى الخير -سواء في ما له علاقة بالدين أو الدنيا- قد يصطدم أحياناً مع نموذج من الناس لا يتعاملون مع كلماته بجدّية، مما يدفعهم إلى السخرية والاستهزاء من كل شيء، ويحوّلون القضايا الجادة وحتى المصيرية إلى قضايا للتفكّه والتندّر، لا بالنقاش والحوار ومواجهة الفكرة بالفكرة والحجة بالحجة. والآية الشريفة تدعونا للتنزّه من الاستمرار في حضور هكذا مجالس ما دامت تعيش هذا الجو العبثي. فما دامت كذلك، فإنه لن يُرجى منها خير، وقد يتعرّض فيها المؤمن إلى الإهانة والتحقير. ولذا فالأفضل الانسحاب منها، ليعلن -بهذه الطّريقة- رفضه لذلك كلِّه واحتجاجه عليه. فإذا استطاع التّأثير بهذا الأسلوب، أو انتهى كلامهم في هذا الجوِّ وانتقل إلى جوٍّ آخر، فيمكنه الرُّجوع إلى المجلس؛ لأنّ المطلوب ليس مقاطعة هؤلاء، بل إعلان الموقف الرّافض لمثل هذه الأجواء والمواقف المضادّة. فالآية إذن لا تدعو إلى اللامبالاة، بل لتحمل المسئولية.

ثانياً: قال تعالى: (وَإِذَا سَمِعُواْ ٱللَّغۡوَ أَعۡرَضُواْ عَنۡهُ وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ) [القصص:55]. الجو العام لهذه الآية قريب من الآية السابقة، وإن كان يعالج المسألة في دائرة أوسع، حيث يشمل كل ما هو لغو في الإطار الديني والدنيوي. واللغو هو الكلام الباطل الذي لا يُحقِّق شيئاً للكمال الإنسانيِّ فكرياً وعملياً، أو الإثارات المليئة بالثرثرة والفحش وخشونة القول والتعيير والاستهزاء. ولكل هذا آثاره السلبية على مستوى الأخلاق وروحية الإنسان وتقواه، والمطلوب هو الإعراض بأسلوب حكيم يتجلى في ثلاث نقاط:

أ) وَقَالُواْ لَنَآ أَعۡمَٰلُنَا وَلَكُمۡ أَعۡمَٰلُكُمۡ: إن هذا الجو وهذه التصرفات وهذه الكلمات وهذه الروحية العبثية ليست من شأننا ولا تناسبنا، وكلٌّ منّا محاسب على عمله، ولذا لا نريد أن تكون في صحائف أعمالنا ما يحاسبنا الله عليه، ولا نريد أن نتحمّل وزر أقوالكم وسلوكياتهم الباطلة.

ب) سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡ: إن موقفنا هذا ليس موقفاً عدائياً تجاهكم، ولا نريد أن نخلق مشكلةً بيننا وبينكم، ولن يمسّكم منّا السوء، ولكنه الموقف المسئول الذي نحاول من خلاله أن نغيّر واقع حياتنا جميعاً إلى الأفضل. فالمقاطعة المؤقتة مقاطعة تستهدف الإصلاح، لا العداء.

ج) لَا نَبۡتَغِي ٱلۡجَٰهِلِينَ: فالإنسان المحترَم، صاحب الشخصية المتزنة، لا يتصرّف بهذه الصورة، ومتى ما ارتفع المحذور، عادت العلاقة فيما بيننا إلى طبيعتها.

ثالثاً: (وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلامًا) [الفرقان:63]. وهذه دعوة صريحة إلى الإعراض عن سخافات الجاهلين الذي لا يحترمون الناس لأنهم -ذاتاً- غير محترَمين. إنهم يعيشون عقدة ما، وينفّسون عنها بمثل هذه السلوكيات. ثم لماذا ترفع ضغطَك، وتعكّر مزاجِك، وتسمح لهم بأن يُفسدوا عليك يومَك؟ عليك بضبط النفس، والتحكّم في ردود أفعالك، والتجاوز عن الأمر وكأنه لم يكن، وإرسال رسالة إلى الطرف الآخر مفادها أنك تحتقر فعله، ولا تريد أن تهبط إلى مستواه المتدنّي.

كل ما سبق من صور الإعراض يمثّل مواقف ناتجة عن تحمّل المسئولية لا من اللامبالاة، وبهذا يتضح الفارق بين اللامبالاة وبين الإعراض. والأصل في تكوين هوية الإنسان المؤمن أن يكون شخصيةً مسئولة، تجاه خالقه وتجاه نفسه وتجاه الآخرين وتجاه كل ما يحيط به. ومن هذه المسئوليات ما له علاقة بالدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إذ لا يتحمّل المؤمن الحقيقي أن يكون سلبياً تجاه ذلك كله. ولتحمّل المسئولية ضريبة قد تكون كبيرة، ولكنها جزءٌ مما يحقِّق للمؤمن السعادة في الحياتين، السعادة التي تتحقق من خلال الإحساس بالراحة النفسية أنَّ حياتَه في مرضاة الله تعالى، وأنه يحقق ما يتناغم وفطرتَه. وأما الإعراض فهو حالة طارئة قد تستدعيها بعض الظروف، كالإعراض عن المجالس العبَثية واللغْوية وإساءات الجاهلين، وهي تنطلق من حسّ المسئولية تجاه الله والنفس والمجتمع.

الشيخ علي حسن

View all posts