جاء في الخطبة رقم مائة وستة من نهج البلاغة، في النص المنسوب لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام، والموسوم بعنوان يبيّن فيه فضل الإسلام ويذكر الرسول الكريم ثم يلوم أصحابه، حيث استهل عليه السلام بيانه بحمد الله تعالى والثناء عليه لنعمة الهداية الكبرى قائلاً: “الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي شَرَعَ الْإِسْلَامَ”.

مقومات الشريعة في المنظور العلوي: بين السعة الذاتية والمنعة الحصينة

يصف أمير المؤمنين عليه السلام هذا الدين الإلهي بركيزتين أساسيتين تضمنان بقاءه وهدايته للخلق؛ الأولى قوله: “فَسَهَّلَ شَرَائِعَهُ لِمَنْ وَرَدَهُ”، إذ جعل معالمه ومساراته ميسرة واضحة لكل من أقبل عليه بقلب سليم باحثاً عن الفهم والعمل، وإن كنا نخفق أحياناً في تجسيد هذه السهولة عند عرض الإسلام على الناس.

والركيزة الثانية تتجلى في قوله: “وَأَعَزَّ أَرْكَانَهُ عَلَى مَنْ غَالَبَهُ”، انطلاقاً من حقيقة الصراعات التاريخية المستمرة بين التيارات الفكرية والأديان، سواء أكانت في مضمار المحاججة النظرية أم في ميادين المواجهات العملية والحروب. ويبرز الإمام في هذا السياق مقومات المنعة والظفر التي أودعها الله في الإسلام:

العزة الاجتماعية وتوطيد السلم الداخلي: “فَجَعَلَهُ أَمْناً لِمَنْ عَلِقَهُ، وَسِلْماً لِمَنْ دَخَلَهُ”، حيث يكسب الالتزام بأحكامه حصانة متكاملة للفرد في دمه، وماله، وعرضه، وحقوقه المصونة.

القوة البرهانية والحصانة الفكرية: “وَبُرْهَاناً لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ، وَشَاهِداً لِمَنْ خَاصَمَ عَنْهُ، وَنُوراً لِمَنِ اسْتَضَاءَ بِهِ”، بما يشتمل عليه التنزيل من حجج دامغة وبراهين بينة تقطع الشك في معترك التدافع الفكري.

الجاذبية الذاتية وموافقة الفطرة: “وَفَهْماً لِمَنْ عَقَلَ، وَلُبّاً لِمَنْ تَدَبَّرَ، وَآيَةً لِمَنْ تَوَسَّمَ، وَتَبْصِرَةً لِمَنْ عَزَمَ”، إذ يتطابق الإسلام في جوهره مع موازين العقل الرصين والفطرة الإنسانية السليمة، مما يجعله آسراً لكل منصف يبتغي الحقيقة المجردة.

الثمار المعجلة والمؤجلة: “وَعِبْرَةً لِمَنِ اتَّعَظَ، وَنَجَاةً لِمَنْ صَدَّقَ، وَثِقَةً لِمَنْ تَوَكَّلَ، وَرَاحَةً لِمَنْ فَوَّضَ، وَجُنَّةً لِمَنْ صَبَرَ”، وهي معانٍ تبني البنية النفسية للمسلم وتستقيم بها سلوكياته في عاجل دنياه وآجل آخرته.

ثم يفيض الإمام بالثناء الصادق والدعاء لرسول الله صلى الله عليه وآله، صاحب البلاغ الذي أدى الأمانة وبدد الظلمات، قائلاً: “حَتَّى أَوْرَى قَبَساً لِقَابِسٍ، وَأَنَارَ عَلَماً لِحَابِسٍ، فَهُوَ أَمِينُكَ الْمَأْمُونُ، وَشَهِيدُكَ يَوْمَ الدِّينِ، وَبَعِيثُكَ نِعْمَةً، وَرَسُولُكَ بِالْحَقِّ رَحْمَةً، اللَّهُمَّ اقْسِمْ لَهُ مَقْسَماً مِنْ عَدْلِكَ، وَاجْزِهِ مُضَعَّفَاتِ الْخَيْرِ مِنْ فَضْلِكَ، اللَّهُمَّ أَعْلِ عَلَى بِنَاءِ الْبَانِينَ بِنَاءَهُ، وَأَكْرِمْ لَدَيْكَ نُزُلَهُ، وَشَرِّفْ عِنْدَكَ مَنْزِلَهُ، وَآتِهِ الْوَسِيلَةَ، وَأَعْطِهِ السَّنَاءَ وَالْفَضِيلَةَ، وَاحْشُرْنَا فِي زُمْرَتِهِ، غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَادِمِينَ، وَلَا نَاكِبِينَ، وَلَا نَاكِثِينَ، وَلَا ضَالِّينَ، وَلَا مُضِلِّينَ، وَلَا مَفْتُونِين”.

أزمة التقديم المعاصر والغرق في الشكليات الهامشية

قال الله تبارك وتعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2].

على الرغم من عظمة الإسلام وما يزخر به القرآن الكريم وسيرة الرسول الأكرم من أبعاد إنسانية رفيعة وحكمة أخلاقية تلامس الفطرة، إلا أن الواقع المعاصر يشهد عجزاً واضحاً في تقديم الدين بروحانيته وسماحته، لا إلى المجتمعات الأخرى فحسب، بل وإلى المسلمين في بيئاتهم الداخلية.

يتجلى هذا القصور حين يقبل فرد على اعتناق الإسلام، فبدلاً من تعميقه في أصول الإيمان ومقاصد الشريعة، يُحاصر بسيل من الفروع الدقيقة والتفاصيل الجزئية التي تستنزف طاقته وتحوله إلى أسير للوساوس القهرية في مسائل الطهارة وإقامة الفرائض. حتى إذا صام استبد به القلق المفرط من مفطرات طارئة، وإن قصد بيت الله الحرام لم ينل من نسكه سوى الانهماك في أدعية المطالب الدنيوية أو الرغبة في تكرار السفر لا لتجديد العهد الروحي، بل للتخلص من شكوك منهكة حامت حول محاذاة كتفه للكعبة أثناء الطواف أو دقة رمي الجمرات.

تنقل إحدى المهتديات في الغرب هذه المفارقة المؤلمة بعبارة صادقة حين قالت: عندما اهتديت إلى الإسلام كنت أعيش روحانية خاصة في علاقتي مع الله في صلاتي ودعائي، وكانت صلاتي في أرقى صورها المعنوية أكلم الله فيها بكل عفوية، أما عندما انتقلت للعيش هنا صارت صلاتي قالباً جامداً بلا معنى، وغدا كل همي محصوراً في الخوف من أن تصيب ثيابي نقطة نجاسة تبطلها.

ليف تولستوي وشهادة الإنصاف في كتاب حكم النبي محمد

تزامناً مع استحضار ذكرى رحيل الرسول الأعظم صلى الله عليه وآله، يبرز نموذج مشرق لكاتب ومفكر عالمي لم يدخل في عداد المسلمين، لكنه قدم الإسلام ورسوله بإنصاف موضوعي أملته غيرته على الحق ورغبته في رفع الظلامة التي بثتها الجمعيات التبشيرية المغرضة في بلاده.

يعد الكونت ليف تولستوي المتوفى عام 1910 من أركان الأدب الروسي والإنساني في القرن التاسع عشر، وعُرف بكونه مصلحاً اجتماعياً وفيلسوفاً أخلاقياً اتسم بإنصافه وولعه المبكر بالثقافة الشرقية والعربية. وقد ثار على مظاهر الترف في طبقته الإقطاعية واختار العيش بين الفلاحين، كما جهر بنقد الكنيسة الأرثوذكسية فواجه منها قرار الحرمان الكنسي، ووجه سهام نقده لسياسات القيصر دفاعاً عن المظلومين ومطالبة بالإصلاح الجذري.

وحين عاين تولستوي حملات التشويه المنظمة ضد الإسلام ورسول الله، بادر إلى تأليف كتيّبه الشهير “حِكَم النبي محمد”، جامعاً فيه طائفة من الأحاديث والمأثورات النبوية التي تبرز البعد الحضاري والعمق الأخلاقي للرسالة المحمدية، متوجاً العمل بمقدمة تحليلية متزنة.

أوضح تولستوي غايته في تلك المقدمة قائلاً: هذه تعاليم صاحب الشريعة الإسلامية، وهي عبارة عن حِكَم عالية، ومواعظ سامية، تقود الإنسان إلى سواء السبيل، ولا تقل في شيء عن تعاليم الديانة المسيحية، واعداً بتأليف مصنف أوسع يعالج مختلف القضايا المتصلة برسالة محمد.

محاور الرؤية التولستوية لشخصية الرسول وجوهر الدعوة

استعرض تولستوي في مدخله شخصية النبي صلى الله عليه وآله بإيجاز دقيق، مبيناً بواعث دعوته التوحيدية ورفضه لآلهة الشرك التي عبدها قومه، ومؤكداً أن نزوعه الذاتي وإخلاصه الروحي جعلاه مؤهلاً للاصطفاء الإلهي لتحطيم عبادة الأوثان وهداية قومه بنور الحقيقة، فانطلق ينادي باسم الإله الواحد الأحد امتثالاً للوحي واعتقاده الجازم.

ثم لخص تولستوي عقائد الإسلام حول التوحيد والعدل والمصير الإنساني ببراعة لافتة، مشيراً إلى أن الله رحيم عادل، وأن مآل الإنسان الأخروي مرتهن بمسؤوليته وكسب يده في دنياه، ومشدداً على أن كل ما في الكون زائل ولا يبقى إلا وجه الله ذو الجلال، وأنه لا سبيل إلى حياة حقيقية بغير الإيمان وتنفيذ الوصايا الإلهية.

وفي شأن الانعكاس السلوكي للإيمان، أوضح أن الإسلام يأمر الناس بحب الله وحب بني جنسهم؛ حيث يتجلى حب الله في الصلاة، ويتحقق حب القريب في مؤازرته في السراء والضراء، والعفو عن زلاته، مع تحريم المسكرات والمثيرات الروحية وإلزام الفرد بالعمل المثمر والاجتهاد.

كما أشاد بموقف الإسلام المتسامح من الرسالات الإلهية، لافتاً إلى أن محمداً لم يقدم نفسه نبياً وحيداً للعالم، بل صدق بنبوة موسى وعيسى، وقرر مبدأ عدم إكراه أهل الكتاب على ترك أديانهم مع حثهم على التمسك بوصايا أنبيائهم وشرائعهم الأصلية.

وتناول تاريخ الرعيل الأول، مبيناً أن دفاعهم وجهادهم لم يكن ابتغاء مغنم دنيوي أو سفكاً للدماء، وإنما كان رداً لعدوان المشركين وثباتاً في وجه الإبادة، مؤكداً أن انتشار الإسلام السريع في صدر الدعوة لم يرق لبعض الخصوم، لكنه كشف عن حقيقة ساطعة تمثلت في زهد المسلمين عن الباطل، وطهارة سيرتهم، وورعهم، ونزاهتهم، مما بهر المحيطين بهم بأخلاقهم العالية وسماحتهم ورقتهم.

وأكد تولستوي رعاية الإسلام لأهل الكتاب، لا سيما وصاياه بوجوب الإحسان إلى قساوسة النصارى وأحبار اليهود، وإباحته مصاهرتهم مع حفظ حريتهم الدينية.

واختتم مقدمته بتقدير تاريخي رفيع قال فيه: ومما لا ريب فيه أن النبي محمداً من عظام المصلحين الذين خدموا الهيئة الاجتماعية خدمة جليلة، ويكفيه فخراً أنه هدى أمة برمتها إلى نور الحق، وجعلها تجنح للسكينة والسلام، وتفضل عيشة الزهد، ومنعها عن سفك الدماء وتقديم الضحايا البشرية، وفتح لها طريق الرقي والمدنية، وهو عمل عظيم لا يقوم به إلا شخص أوتي قوة، ورجل مثل هذا جدير بالاحترام والإكرام.

أبعاد الخطاب التربوي واستعادة جوهر التزكية

لقد اختصر البيان الإلهي غايات البعثة النبوية في تلاوة الآيات، وتزكية النفوس، وتعليم الكتاب والحكمة. وإن حصر الخطاب الديني في الشكليات المتطرفة وإغفال الجوانب الروحية والأخلاقية يعد جناية على الإسلام، إذ يظهره بصورة قاصرة ومنفرة تصد الأجيال الصاعدة والباحثين عن الهدى.

إن استقراء شهادات المفكرين المنصفين، كالمصلح ليف تولستوي، يرشدنا إلى المكامن الحقيقية للجاذبية في هذا الدين الحنيف، ويعيدنا إلى منافذ العقل والوجدان في الرسالة المحمدية، حيث تتكامل مكارم الأخلاق مع صفاء التوحيد وسماحة الأحكام.

الشيخ علي حسن

View all posts