دوافع التحول العدائي في العهد المدني

ترصد السور المدنية في القرآن الكريم نماذج جلية من التحول السلبي والمواقف العدائية التي انتهجتها بعض التيارات اليهودية تجاه الرسول (ص) ورسالته والمجتمع الإسلامي الناشئ في المدينة المنورة. لم تكن هذه المواقف وليدة الصدفة، بل نبعت من تقاطع عوامل نفسية وسياسية ودينية مركبة:

  1. تنامي القوة السياسية والدينية للإسلام بعد الهجرة واستقراره في عقر دارهم ومركز نفوذهم التاريخي.
  • الاستعلاء الديني والتاريخي، المستند إلى الاعتقاد بأنهم حماة التوراة والشريعة، وممثلو الإرادة الإلهية، والوارثون الحصريون لتراث النبوة. وقد فضح القرآن هذا التناقض بين الخطاب والممارسة في سورة البقرة: {أَتَأۡمُرُونَ ٱلنَّاسَ بِٱلۡبِرِّ وَتَنسَوۡنَ أَنفُسَكُمۡ وَأَنتُمۡ تَتۡلُونَ ٱلۡكِتَٰبَۚ أَفَلَا تَعۡقِلُونَ} [البقرة: 44]، مبيناً أن تلاوة الكتاب والعقل يفرضان الالتزام بما يأمرون به الناس.
  • دافع الحسد والمفاضلة الجائرة، وهو ما جلاه قوله تعالى: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡجِبۡتِ وَٱلطَّٰغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَٰٓؤُلَآءِ أَهۡدَىٰ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ سَبِيلًا * … أَمۡ يَحۡسُدُونَ ٱلنَّاسَ عَلَىٰ مَآ ءَاتَىٰهُمُ ٱللَّهُ مِن فَضۡلِهِۦۖ فَقَدۡ ءَاتَيۡنَآ ءَالَ إِبۡرَٰهِيمَ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَءَاتَيۡنَٰهُم مُّلۡكًا عَظِيمٗا * فَمِنۡهُم مَّنۡ ءَامَنَ بِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن صَدَّ عَنۡهُۚ وَكَفَىٰ بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا} [النساء: 51-55].

استراتيجيات المواجهة ومحاولات تقويض المشروع النبوي

أولاً: التشكيك في مصداقية النبوة بحجج مفتعلة

سعى بعض المعاندين إلى وضع شروط تعجيزية لا أصل لها لإثبات النبوة، كالمطالبة بقربان تأكله النار، كما وثقت سورة آل عمران: {ٱلَّذِينَ قَالُوٓاْ إِنَّ ٱللَّهَ عَهِدَ إِلَيۡنَآ أَلَّا نُؤۡمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّىٰ يَأۡتِيَنَا بِقُرۡبَانٖ تَأۡكُلُهُ ٱلنَّارُۗ قُلۡ قَدۡ جَآءَكُمۡ رُسُلٌ مِّن قَبۡلِي بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَبِٱلَّذِي قُلۡتُمۡ فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ} [آل عمران: 183].

تتضح دلالات هذه الحجة وتفنيدها عبر النقاط التالية:

  1. انعدام الدليل التاريخي والنصي على وجود عهد إلهي عام يلزم كل نبي بتقديم قربان ناري حصراً.
  • وقوع هذه الآية النادرة لبعض الأنبياء فقط في سياقات خاصة وليس لجميعهم، ومن شواهدهم:

ـ موسى وهارون في خيمة الاجتماع كما ورد في سفر اللاويين 9: 23-24: «وَدَخَلَ مُوسَى وَهَارُونُ إِلَى خَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ… وَخَرَجَتْ نَارٌ مِنْ عِنْدِ الرَّبِّ وَأَحْرَقَتْ عَلَى الْمَذْبَحِ الْمُحْرَقَةَ وَالشَّحْمَ».

ـ إلياس في مباهلته ومواجهته كما في سفر الملوك الأول 18: 38: «فَسَقَطَتْ نَارُ الرَّبِّ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالْحَطَبَ وَالْحِجَارَةَ».

ـ سليمان عند افتتاح الهيكل كما في سفر أخبار الأيام الثاني 7: 1: «وَلَمَّا انْتَهَى سُلَيْمَانُ مِنَ الصَّلاَةِ، نَزَلَتِ النَّارُ مِنَ السَّمَاءِ وَأَكَلَتِ الْمُحْرَقَةَ وَالذَّبَائِحَ» (مع تنكر التراث اليهودي لنبوته).

  • إبطال الاحتجاج ببيان نقضهم المتكرر للعهود واعتدائهم على الأنبياء حتى مع تقديم تلك المعجزات؛ إذ يشهد النبي إلياس على قومه كما في نصوصهم: «لأَنَّ بَنِي إِسْرَائِيلَ قَدْ تَرَكُوا عَهْدَكَ، وَنَقَضُوا مَذَابِحَكَ، وَقَتَلُوا أَنْبِيَاءَكَ بِالسَّيْفِ، فَبَقِيتُ أَنَا وَحْدِي، وَهُمْ يَطْلُبُونَ نَفْسِي لِيَأْخُذُوهَا».
  • توجيه الخطاب المعاصر للنبي (ص) بقوله: {فَلِمَ قَتَلۡتُمُوهُمۡ}؛ لأن مسلكهم المعاصر من تكذيب، وخداع، وإخفاء للحقائق، وتدبير لمحاولات الاغتيال، وممالأة المشركين في الحروب يمثل امتداداً عضوياً ورضىً تاماً بمنهج الأسلاف القتلة.

ثانياً: السعي الممنهج لإضلال المسلمين وزعزعة المجتمع

بيّن القرآن الكريم حرص هؤلاء على استقطاب الضلال وبثه داخل المجتمع المسلم: {أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبٗا مِّنَ ٱلۡكِتَٰبِ يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ * وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡۚ وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ وَلِيّٗا وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا} [النساء: 44-45].

تتعدد مسارات هذا الإضلال وفق القراءة التحليلية للآيات:

  1. معنى “يَشۡتَرُونَ ٱلضَّلَٰلَةَ”: الإقبال عليها بالرغبة والطلب تماماً كالمشتري الذي يطلب السلعة لاقتنائها.
  • معنى “وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ ٱلسَّبِيلَ”: عبر التشكيك الفكري في الثوابت والنسخ وتحويل القبلة، وإشاعة الفواحش عملياً، والتحريض على التمرد وإذكاء النفاق.
  • معنى “وَٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِأَعۡدَآئِكُمۡ”: التأكيد على أن مواقفهم نابعة من عداوة متجذرة وليست عن خطأ في التقدير أو نية طيبة، وهي عداوة بالغة الشدة كما وصفتها سورة المائدة: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ ٱلنَّاسِ عَدَٰوَةٗ لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱلۡيَهُودَ وَٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ} [المائدة: 82].
  • دلالة “وَكَفَىٰ بِٱللَّهِ نَصِيرٗا”: توجيه وتحذير لبعض المؤمنين الذين مالت نفوسهم لطلب الحلف والدعم المادي أو العسكري من اليهود بدافع الخوف والحسابات السياسية الظرفية.

ثالثاً: التحريف اللفظي والمخاتلة اللغوية

رصد القرآن أسلوب التلاعب الدلالي واللفظي الموجه للنبي وللنصوص في سورة النساء: {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ ٱلۡكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِۦ وَيَقُولُونَ سَمِعۡنَا وَعَصَيۡنَا وَٱسۡمَعۡ غَيۡرَ مُسۡمَعٖ وَرَٰعِنَا لَيَّۢا بِأَلۡسِنَتِهِمۡ وَطَعۡنٗا فِي ٱلدِّينِۚ وَلَوۡ أَنَّهُمۡ قَالُواْ سَمِعۡنَا وَأَطَعۡنَا وَٱسۡمَعۡ وَٱنظُرۡنَا لَكَانَ خَيۡرٗا لَّهُمۡ وَأَقۡوَمَ وَلَٰكِن لَّعَنَهُمُ ٱللَّهُ بِكُفۡرِهِمۡ فَلَا يُؤۡمِنُونَ إِلَّا قَلِيلٗا} [النساء: 46].

يتجلى الإنصاف القرآني والتفكيك الدلالي لهذه الممارسات كالتالي:

  1. دقة التعبير بـ {مِّنَ ٱلَّذِينَ هَادُواْ} للتبعيض؛ إذ لا تعمم الآية الحكم على الجميع، وهو من موازين العدالة القرآنية.
  • التلاعب في نصوص كتبهم بإنكار البشارات وتأويل المعاني الدالة على بعثته.
  • التلاعب في مخاطبة النبي (ص) بأسلوب يضمر السخرية ويبطن الإساءة:

ـ إظهار حسن الاستماع بـ “سمعنا” وإبطان المخالفة بـ “عصينا”.

ـ قولهم “واسمع غير مُسْمَع” بظاهر يفيد الأدب (أي غير ملزم بسماعنا)، مع إضمار الدعاء عليه بالصمم أو عدم استجابة الدعاء.

ـ استخدام كلمة “راعنا” المألوفة عربياً لطلب الرفق والإمهال، مع ليّ اللسان لتقارب الكلمة العبرية “רַע” (رَع) التي تعني “الشرير” أو “السيئ”، بهدف الطعن في نبوته والادعاء أمام أتباعهم بأنه لو كان نبياً لكشف مقاصدهم الباطنة.

رابعاً: الطلبات التعجيزية وتكرار النكوص التاريخي

رد القرآن على مطالبتهم بإنزال كتاب محسوس من السماء في سورة النساء (الآية 153 وما بعدها)، مذكراً بسجل تاريخي طويل من النكوص عن العهود والتمرد:

  1. طلب الرؤية المباشرة لله جهراً من موسى، مما استوجب نزول الصاعقة عليهم بظلمهم.
  • عبادة العجل بعد معاينة البينات والمعجزات القاهرة.
  • نقض ميثاق الطور بعد رفعه فوقهم إعجازاً.
  • رفض الامتثال العسكري لدخول الأرض المقدسة ومخاطبة موسى باستعلاء: {فَٱذۡهَبۡ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَٰتِلَآ إِنَّا هَٰهُنَا قَٰعِدُونَ} [المائدة: 24].
  • الاعتداء في يوم السبت مراراً ونقض ميثاقه الغليظ.
  • نقض بنود الوصايا العشر ومواثيق الإيمان العامة.
  • الكفر المتكرر بآيات الله.
  • قتل الأنبياء بغير حق.
  • السخرية وإعلان إغلاق العقول بقولهم: {قُلُوبُنَا غُلۡفُ}.
  1. رمي السيدة مريم عليها السلام بالبهتان العظيم.
  1. الادعاء المتبجح بصلب وقتل المسيح عيسى بن مريم (ع).
  1. ارتكاب المظالم والصد عن سبيل الله الذي أفضى إلى تحريم طيبات أُحلت لهم سابقاً.
  1. التعامل بالربا مع النهي الصريح عنه في شريعتهم.
  1. أكل أموال الناس بالباطل والاحتيال.

خامساً: الحرب النفسية وحياكة مؤامرة التشكيك المنظم

استخدمت فئات منهم تكتيكات الحرب النفسية الموجهة لخلخلة الصف الداخلي للمسلمين:

  1. المحاولات العلنية الصريحة للإضلال وبث الشبهات: {وَدَّت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ لَوۡ يُضِلُّونَكُمۡ…} [آل عمران: 69].
  • خطة التشكيك المرحلي الممنهج عبر الإيمان الشكلي صباحاً والارتداد مساءً: {وَقَالَت طَّآئِفَةٞ مِّنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ ءَامِنُواْ بِٱلَّذِيٓ أُنزِلَ عَلَى ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَجۡهَ ٱلنَّهَارِ وَٱكۡفُرُوٓاْ ءَاخِرَهُۥ لَعَلَّهُمۡ يَرۡجِعُونَ} [آل عمران: 72]. والهدف من ذلك إيهام ضعاف الإيمان بأن أهل العلم والخبرة بالكتب السابقة قد اختبروا الإسلام عن قرب فاكتشفوا بطلانه، مما يزرع الشك في نفوس العامة ويدفعهم للتراجع.

الشيخ علي حسن

View all posts