في رحاب آية يحيى (ع) ودلالاتها
قال تعالى: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا} [مريم: ١٢]. وقد ولد النبي يحيى قبل ولادة النبي عيسى (ع) بفترة ليست طويلة، وكانت بينهما صلة قرابة، ونهض يحيى بمسئولياته الرسالية قبل النبي عيسى، وقام بدور الممهِّد أيضاً للرسالة العيسوية، واستشهد في طريق الرسالة شاباً. وقد اختلفت الأقوال في المراد من قوله: {وَآتَيْنَاهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا}… فقيل هي إشارة إلى إتيانه النبوة وهو صغير في السن، أو الحكمة والنظرة العميقة المتدبرة في الحياة، أو القدرة على الحُكم في القضايا وفصل الخصومات، أو الشخصية القيادية القوية ذات الكاريزما والتأثير على الجماهير، أو المزيج من كل ما سبق أو بعض منه. وأياً كان المراد مِن ذلك، فمما لا شك فيه أن هذه الشخصية امتازت على أقرانها منذ الصغر بما جعلها ممن اصطفاهم الله تعالى من خلقه، وخصّها بإفاضة السلام الإلهي عليه في مُفتَتح كل عالم من العوالم التي يمرّ عليها الإنسان، عند مولده، وفي عالم البرزخ، ويوم يبعث الله الناس إلى الحياة من جديد: {وَسَلامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّا} [مريم: 15] حيث سيعيش فيها إلى الأبد في رضوان الله، ورَوحٍ وريحانٍ وجنةِ نعيم.
معنى «الأخذ بقوة» وتحديات الرسالة
لقد سبقت معاناة شديدة في طريق الرسالة هذا المقام الإلهي الكبير لنبيٍّ وشهيد استجابةً للأمر الإلهي: {يَا يَحْيَى خُذِ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ}. وفي القرآن الكريم، تم استعمال عبارة الأخذ بقوة مكرراً؛ فجاءت في الآية 145 من سورة الأعراف خطاباً للنبي موسى (ع): {وَكَتَبنا لَهُ فِي الأَلواحِ مِن كُلِّ شَيءٍ مَوعِظَةً وَتَفصيلًا لِكُلِّ شَيءٍ فَخُذها بِقُوَّةٍ}، وخطاباً لبني إسرائيل مرتين في سورة البقرة بالآية 63 والآية 93، وفي الآية 171 من سورة الأعراف، وكلها ترتبط بالأخذ بالميثاق الإلهي ومنها قوله تعالى: {وَإِذ أَخَذنا ميثاقَكُم ورفَعنا فَوقَكُمُ الطّورَ خُذوا ما آتَيناكُم بِقُوَّةٍ وَاذكُروا ما فيهِ لَعَلَّكُم تَتَّقونَ}. واللافت أن كل ما سبق، وحتى ما يخص يحيى، يرتبط ببني إسرائيل والمبعوثين إليهم. والكتاب الذي أُمر يحيى بالتمسك به بقوة هو التوراة المنزلَة من عند الله تعالى، أو خصوص ما فيها من تعاليم ومواثيق ترتبط بالعقيدة والتّشريع والمنهج. ثم إن الأخذ بالشيء بقوة معناه التمسّك الجاد وعدم التهاون أو التراخي في حمل الأمانة وتنفيذ الرسالة، وهذا يدلّ على كثرة التحديات وقوة الشدائد وصعوبة الأمر، سواء على مستوى تحملات المسئوليات الفردية أو في إطار العمل الرسالي. وكل ذلك قد يكون بسبب أوضاع الأفراد أنفسهم كما في حالة بني إسرائيل لما عُرف عنهم من روحية التمرّد والصلافة والعناد والتعلّق بالماديات، أو لخصوصية المسئولية الملقاة على عاتق الرسول والتي تتطلّب صبراً عظيماً وجُهداً كبيراً ومواجهة جبهات متعدّدة في آن واحد مع قلّة الناصر وكثرة وقوة الأعداء والخصوم كما في حالة النبيين موسى ويحيى (ع).
الرسائل العملية للمؤمنين اليوم
وبالنسبة إلينا، تبرز عدة رسائل عملية يمكن استخلاصها مما سبق؛ فالأخذ بالدين بقوة يكون من خلال الثبات على الحق نظراً لكثرة الشبهات المتنوعة التي تهاجم المؤمنين في هذا العصر مما يتطلب جهداً إضافياً في استماع القول واتباع أحسنه وعدم الاستسلام لكل ما يُثار هناك وخلافه بل التريث والبحث والسؤال والتفكر المتدبر في الأمور. كما يكون الأخذ بالدين بقوة من خلال الإقبال على الله تعالى بشكل أكبر وأعمق وعدم الاكتفاء بالواجبات من العبادات بل والعناية ببعض النوافل والمستحبات، ومن خلال أن يعيش الإنسان معاناة إخوانه ويساهم في تخفيف ذلك عنهم امتثالاً للحديث النبوي المشهور: من بات ولم يهتم لأمور المسلمين فليس منهم. ويتحقق أيضاً بالعمل على الإصلاح في المجتمع والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى سبيل الله وإلى الخير بالحكمة والموعظة الحسنة، والصبر على المحن والابتلاءات؛ فطريق الإيمان ليس مفروشاً بالورود وتحمّل المسئولية الرسالية يحتاج إلى صبر وثبات.
الارتباط الوجداني بين يحيى (ع) والإمام الحسين (ع)
وليس بخافٍ أن في البين ارتباطاً وجدانياً بين النبي يحيى والإمام الحسين (ع)، فعن الإمام زين العابدين (ع) أنه قال: خرجنا مع الحسين (ع)، فما نزل منزلاً، ولا ارتحل منه، إلاّ وذكر يحيى بن زكريا (ع). وقال يوماً: مِن هوانِ الدنيا على اللهِ أنّ رأسَ يحيى بنِ زكريا أُهدي إلى بغيٍّ مِن بغايا بني إسرائيل. ولو أمعنّا النظر، لوجدنا أن النبي يحيى بن زكريا (ع) قد استجاب لأمر الله تعالى فأخذ الكتابَ بقوة وقام بكلِّ ما أَوكل إليه والدُه النبيُّ زكريا (ع) مِن مسئولياتٍ رساليةٍ مِن بعده حيث كان يحمل همَّ أمّته ويخافُ انحرافَها، ولذا قال من قبلُ: {وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِن وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا، يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا} [مريم: 5-6]، فاستجاب الله لدعائه: {يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيًّا} [مريم: 7]. ونهض يحيى (ع) في طريق الرسالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح في أمته ما كان إلى ذلك سبيلاً حتى قضى شهيداً في سبيل الله تعالى. كذلك أخذ الإمام الحسين (ع) كتابَ الله بقوة وقام بكلِّ ما أَوكلَ النبيُّ (ص) لعترتِه مِن مسئولياتٍ رساليةٍ مِن بعده حين ترك الثقلين في الأمة، ونهض (ع) في طريق الرسالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح في أمة جدِّه ما كان إلى ذلك سبيلاً حتى مضى شهيداً في سبيل الله تعالى.
الخاتمة وشهادات الزيارة
إنَّ مِن أسرارِ الرسالاتِ وحركةِ أصفياءِ اللهِ في التاريخ وجودُ ذلك الارتباط الوجداني بين النبي يحيى بن زكريا والإمام الحسين (ع)، حتى أننا نجد الحسين يذكره في كل منزل نزله في الطريق إلى كربلاء كما روي ذلك عن ابنه زين العابدين (ع). وقد حَمل يحيى أمانةَ أبيهِ زكريا (ع) كما أخبر بذلك القرآن الكريم فأخذ الكتاب بقوة ونهض في طريق الرسالة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والإصلاح في أمته ما كان إلى ذلك سبيلاً. وهكذا أخذ الحسين (ع) كتابَ الله بقوة وقام بكلِّ ما أَوكلَ النبيُّ (ص) لعترتِه مِن مسئولياتٍ رساليةٍ مِن بعده حين ترك الثقلين في الأمة حتى مضى شهيداً. ولذا نقول في بعض كلمات زيارة الحسين: أشهد أنك قد أقمت الصلاة وآتيت الزكاة وأمرت بالمعروف ونهيت عن المنكر ودعوت إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة. وفي زيارة أخرى: أشهد أنك عبد الله وأمينه، بلّغت ناصحاً وأدّيت أميناً وقلت صادقاً وقُتلت صدّيقاً ومضيت على يقين، لم تؤثر عمىً على هدىً ولم تَمِلْ مِن حق إلى باطل ولم تُجب إلا اللهَ وحده، ومضيت للذي كنتَ عليه شهيداً ومُستشهداً ومشهوداً، فصلى الله عليك وسلّم تسليماً. ونحن، إن كنا نبشّر أنفسَنا بأننا من أتباع الرسل ومن شيعة أهل بيت النبي وأننا على نهج الحسين، فعلينا أن نتذكر أن الخطاب الإلهي بالأخذ بالكتاب بقوة خطابٌ موجهٌ إلى المؤمنين في كل زمان ليتحملوا مسئولياتهم وليكون التزامُهم بالدين التزاماً لا يقبل الإهمالَ أو الهزْلَ أو التراخي، بل إقبالٌ بنيةٍ خالصة وعزيمةٍ صادقة وعملٍ دائب.

