البوصلة الأخلاقية في مناجاة السجاد

إن مما تتميز به أدعية الصحيفة السجادية المباركة عنايتها الفائقة بالجانب الأخلاقي، وهو جانب لطالما أغفله الكثيرون، إذ ينصبُّ جلُّ دعائنا واهتمامنا -غالباً- في اتجاه قضاء الحاجات الدنيوية المرتبطة بمعاشنا، أو الأخروية المتعلقة بمصيرنا ومآلنا. غير أن الإمام زين العابدين (ع) يعلمنا كيف نرتقي بالدعاء ليكون أداة لصياغة الروح وتهذيب النفس من شوائبها.

الاستعاذة من جذور الرذائل وسيء الخصال

تتجلَّى هذه العناية بوضوح في الدعاء الثامن المخصص لـ (الاستعاذة من المكاره وسيئ الأخلاق ومذام الأفعال). ولنا أن نتوقف عند مقطع بليغ من هذا الدعاء لنستكشف نماذج حية من هذه العناوين الدقيقة التي خصّص الإمام (ع) لها ابتهاله واستعاذته، لنقف على مداها في عمق النفس البشرية.

جحيم الطماعيّة وانفجار الطاقات

أولى هذه المحطات تتمثل في (هيجان الحرص)، حيث يناجي الإمام ربه قائلاً: (اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ هَيَجَانِ الْحِرْصِ). وهنا يصور الإمام حالة الحرص المفطورة في النفس وكأنها بركان يثور فيقذف حممه الملتهبة؛ فهو حرص أعمى على الدنيا حتى نجعله كل همنا ومبلغ علمنا في كسب الرزق وتلبية الشهوات الجامحة، غافلين عما ينتظرنا في دار القرار. وهو أيضاً حرص مريض على ما في أيدينا من حطامها فلا ننفقه فيما يرضي الخالق، بل يطغى علينا شح النفس فنبخل به حتى عن تلبية حاجاتنا الذاتية وحاجات من تحتم علينا مسؤوليتهم ورعايتهم. ومن هنا ينبجس الدعاء الخاشع: اللهم اجعل علاقتي بالدنيا متوازنة مع حركتي للآخرة، وليكن حرصي منصبّاً على الحصول على رضاك، وفي الأمور التي تحبها وتندبني إليها.

بركان الانفعال وسورة الغضب

ثم يقفنا الإمام عند الخُلّة الثانية وهي (وَسَوْرَةِ الغَضَبِ). وتلك حالة شعورية عارمة يفقد فيها الإنسان تمام توازنه، وحلمه، ورويته، حين ينفعل بعنف عند مواجهة أدنى مشكلة تعترض طريقه، أو عند فقدان ما يشتهيه أو يرغب فيه. ومن هنا يرتفع صوت المتوكل متضرعاً: يا رب إني ألجأ إليك لتمنحني الصبر والحلم في هذه المواقع الحرجة، لئلا أعتدي على أحد بلا وجه حق، ولئلا أثير فتنة عمياء بلا وعي أو تبصر، ولئلا أندم غداً على فعلة طائشة قد تكلفني الكثير الخسارة في الدنيا والآخرة.

آفة القلوب وغلبة الحسد

وتتواصل مسيرة التطهير النفسي عند المعلم الأعظم لتصطدم بالخُلّة الثالثة والمتمثلة في (وَغَلَبَةِ الْحَسَدِ). فالحسد ليس مجرد انحراف سلوكي، بل هو دليل قاطع على خلل عميق في إيمان الإنسان وثقته المطلقة بحكمة الله وعدله. ألسنا نؤمن يقيناً بأن الله حكيم في توزيع رزقه وعطاياه بين عباده؟ ألا نؤمن بأن الله على كل شيء قدير وبيده ملكوت كل شيء؟ فلماذا يتسلل الحسد إلى القلوب إذن؟ وهكذا تتوالى المفردات الأخلاقية العميقة في هذا الدعاء المبارك، لتتكاتف معاً راسمة في نهاية المطاف الملامح التكوينية والجمالية للبُعد الأخلاقي المتكامل في شخصية وسلوكيات الإنسان المؤمن الحق.

الشيخ علي حسن

View all posts