قراءة في جذور شبهة تاريخية وتفنيدها
مقدمة
قد يبدو التساؤل غريباً للوهلة الأولى: هل كان النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) مسيحياً قبل أن يُبعث؟ إلا أن هذا الموضوع، الذي يُعد قديماً متجدداً، عاد ليطفو على السطح مؤخراً عبر بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي. تتطلب هذه الإثارة الإعلامية وقفة تحليلية هادئة لتفكيك هذه الفرضية، وتتبع جذورها التاريخية، ومناقشة أبرز الأدلة التي يستند إليها مروجوها.
النوايا الخفية: ماذا يختبئ خلف هذا الافتراض؟
من الناحية العقدية المجردة، ما هي المشكلة لو افترضنا أن النبي (ص) كان موحداً يؤمن برسالة المسيح (ع) غير المحرفة، ولا يضع الصليب، ويتعبد وفق شريعة موسى (ع) وما أحدثه المسيح عليها من تغييرات بسيطة؟ أليس الإسلام يدعونا للإيمان بكافة الرسل والكتب السابقة كما جاء في سورة البقرة: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ}؟
في الواقع، هذا الفرض لا تعضده أدلة، ومن يطرحون هذه المقولة لا يقصدون هذا المعنى الإيماني السليم، بل يسعون لتحقيق أهداف أخرى أبرزها:
- اتهام النبي (ص) بأنه مجرد منشق عن الكنيسة القائمة آنذاك (مبتدع ومهرطق).
- التشكيك في صدق نبوته ورسالته ونزول الوحي عليه.
- الادعاء بأن القرآن الكريم هو من تأليفه وليس وحياً من الله.
وهذا التوجه هو ما صرّح به بعض المتبنين لهذا الطرح قديماً وحديثاً، ومن بينهم الكاتب المعاصر فراس السواح.
من يوحنا الدمشقي إلى أسطورة “الكاردينال الطامح”
تاريخياً، لم تكن هذه الفرضية وليدة اليوم. لعل أول من أسس لها هو يوحنا الدمشقي (ابن سرجون، مستشار يزيد بن معاوية) في القرن الثامن الميلادي. يُعتبر يوحنا في الثقافة المسيحية الشرقية قديساً وآخر الآباء الكبار للكنيسة، وهو من أوائل من كتبوا ضد الإسلام في كتابه “ينبوع المعرفة” (قسم الهرطقات)، حيث وسم النبي بـ “النبي الكاذب”. ورغم أنه لم يقل صراحة إن النبي كان مسيحياً، إلا أنه زعم التقاءه براهب “آريوسي” (نسبة لآريوس الرافض لألوهية المسيح) وتأثره بأفكاره، وهي النواة التي تطورت لاحقاً. (كما أثار يوحنا شبهة “خلق القرآن” التي أحدثت لاحقاً فتنة كبرى وانقساماً دموياً في العهد العباسي).
وفي القرن الثاني عشر، اعتبر بطرس الملقب بـ “المحترم” أن محمداً خليفة لآريوس ومُحضّر للمسيح الدجال. وتوالت الكتابات في القرون الوسطى (القرن الـ 13) عبر شخصيات مثل ريكولدو دي مونتي ورامون لول، لتصوير الإسلام كهرطقة مسيحية.
ومن أطرف ما أنتجه العقل الغربي آنذاك هي “أسطورة الكاردينال الطامح”، التي زعمت أن النبي كان كاردينالاً في روما ترشح لمنصب البابا، ولما فشل، غضب وتمرد ورحل للجزيرة العربية ليؤسس ديناً منافساً بدافع الانتقام! تكرر هذا الادعاء عام 1380م في ملحمة الشاعر الإنجليزي ويليام لانجلاند (Piers Plowman)، ووُظفت الفكرة في المسرحيات الإليزابيثية والأشعار الشعبية في القرنين 16 و17. كما برزت “أسطورة الراهب والساحر الهارب” التي دمجت قصة راهب منشق (بحيرا أو نيكولاس) هرب لبلاد العرب وعلم النبي السحر والأفكار المبتدعة.
أسفار الشام ولقاء بحيرا: تهويل بلا أدلة
يستند مروجو هذه الشبهة اليوم (ومنهم السواح) إلى أسفار النبي إلى الشام، زاعمين أنه عاش هناك فترة طويلة وتلقى تعاليم المسيحية من وعاظها.
لكن العودة إلى السيرة النبوية تكشف هشاشة هذا الطرح؛ فالسفر الأول كان مع عمه وهو في سن الثانية عشرة، ولقاء “بحيرا الراهب” لم يكن سوى محطة استراحة قصيرة للقافلة، حيث انبهر الراهب بعلامات النبوة وحذر عمه من اليهود، ولم تنص أي رواية على تلقين علمي. أما السفر الثاني فكان في سن الخامسة والعشرين في تجارة للسيدة خديجة برفقة غلامها ميسرة. وليس في كلا السفرتين أي دليل نصي يثبت تلقيه معارف لاهوتية تنعكس لاحقاً في القرآن الكريم.
ورقة بن نوفل: تخمينات المستشرقين في ميزان النقد
الركيزة الثانية للادعاء تتمحور حول ورقة بن نوفل، ابن عم السيدة خديجة، والذي يُنقل أنه تنصر وقرأ الكتب القديمة. المستشرق مونتجمري وات افترض أن النبي عقد صلات مستمرة مع ورقة وتعلم منه، وهو ما أثر على التعاليم الإسلامية.
إلا أن هذا الادعاء يصطدم بعدة حقائق؛ فالباحثون الشيعة، على سبيل المثال، يشككون أصلاً في رواية السيرة التي تفيد بذهاب السيدة خديجة والنبي إلى ورقة لطمأنته بشأن الوحي. وحتى على فرض صحتها، فإن الرواية تناقض مدعاهم؛ فهي تثبت أن النبي لم تكن له علاقة سابقة بورقة (وإلا لذهب إليه بنفسه دون اقتراح من خديجة)، ولا تشير إلى أي جلسات تعليمية متكررة، بل تنتهي باعتراف ورقة بنبوة محمد (ص). بالتالي، كلام المستشرقين هنا هو مجرد تخمين لا يرقى للدليل العلمي.
التشابه القصصي: وحدة المصدر لا الاستنساخ
أما النقطة الثالثة التي يُعول عليها فهي التشابه بين القصص في المصادر الكتابية والإسلامية. وهنا يجب التأكيد على أن البون شاسع بين صورة الأنبياء في التراث الكتابي وصورتهم المنزهة في القرآن الكريم. أما أصل التشابه فيعود إلى وحدة المصدر (إنباء السماء) وليس التعلم البشري.
وقد حسم القرآن الكريم هذه الشبهة في سورة النحل: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ ۗ لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ أَعْجَمِيٌّ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيٌّ مُّبِينٌ}. فلو كان القرآن مستلماً من مصادر أعجمية لتأثرت لغته، بينما نرى أن القرآن تحدى فصحاء العرب ببيانه وفشلوا في معارضته.
الحنيفية الإبراهيمية: الحلقة المفقودة
أخيراً، يزعم البعض أن البون الشاسع بين الوثنية الجاهلية والإسلام يحتم أن يكون النبي مسيحياً في الأصل كحلقة وصل. والرد المجمل على ذلك هو أن البون شاسع أيضاً بين المسيحية الكنسية آنذاك وبين الإسلام.
إن الحلقة الأقرب والأصح للإسلام هي “الحنيفية”، ملة إبراهيم الخليل، والتي نص عليها القرآن صراحة في مواضع عدة، منها:
- {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِّلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۚ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام].
- {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۖ وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [النحل].
- {وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا ۗ وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء].
خلاصة القول، إن فرضية “مسيحية النبي” ليست سوى اجترار لأساطير قروسطية وتخمينات استشراقية تفتقر إلى أي سند تاريخي أو منطقي متين.
يضاف إلى ما سبق أن القرآن الكريم يؤكد على أمية النبي (ص)، كما في قوله تعالى: {هُوَ ٱلَّذِي بَعَثَ فِي ٱلۡأُمِّيِّـۧنَ رَسُولٗا مِّنۡهُمۡ… 2} [الجمعة]. وقد بحثت دلالة مصطلح الأميين في إحدى محاضراتي في ليالي عاشوراء 1448، وبينت هناك أن هذا المصطلح يقابل عنوان أهل الكتاب والذين أوتوالكتاب، فمن لا يكون من أهل الكتاب أو الذين أوتوالكتاب، فهو أمّي، والقرآن يصرح أن النبي كان من الأميين، أي لم يكن من أهل الكتاب، أي لم يكن من أتباع رسالة موسى ولا رسالة عيسى (ع).

