تصل إلى البعض أحياناً رسائل تعرض ربحاً سريعاً من خلال ما يُعرف بعنوان غسل الأموال أو تبييضها، وسمعت أنّ البعض لا يمانعون في ذلك لو عُرض الأمر عليهم، بلحاظ عدم وجود نصوص تنهى أو تحرم ذلك، وادعاء عدم وجود موقف شرعي من هذه العملية. فهل الأمر كذلك فعلاً؟

قبل مائة سنة تقريباً، تم في الولايات المتحدة الأمريكية حظر إنتاج واستيراد ونقل وبيع المشروبات الكحولية، فنشطت عصابات المافيا ضد هذا الحظر، إنتاجاً وتجارةً، بصورة غير قانونية، وربحت أموالاً طائلة من وراء ذلك. وكانت ورطة هذه العصابات بعد ذلك تتمثل في كيفية إضفاء الشرعية على الأرباح المتحققة.

من هنا عمدت هذه العصابات إلى تأسيس مشاريع تجارية، ولا سيما محلات غسل الملابس، بهدف خداع السلطات بأن الأموال التي بأيديها قد تحققت من خلالها فحسب، لا من خلال التجارة بالمسكرات المحظورة أساساً. وهكذا، تم الربط بين هذه العملية الخاصة بخداع السلطات حول مصادر الدخل وبين الغسل والتنظيف، فقيل غسل الأموال Money laundering.

وفي سنة ألف وتسفعمائة وثلاث وسبعين، وقعت فضيحة ووترغيت بشقيها السياسي والمالي، واستُخدم مصطلح غسل الأموال إعلامياً بشكل واسع، انطلاقاً مما كانت تقوم به عصابات المافيا قبل نصف قرن من ذلك للدلالة على عملية إخفاء مصدر الأموال المكتسبة بشكل غير قانوني من خلال سلسلة من التحويلات والصفقات، حتى يصبح من الممكن في نهاية المطاف جعل هذه الأموال تبدو وكأنها دخل مشروع.

بحسب بعض المختصين، فإن لهذا النوع من التصرف جذوراً تاريخية أعمق؛ فمنذ أكثر من ألفي عام، قام التجار الصينيون الأثرياء بنفس العملية، تخلصاً من الحظر الذي فرضته الحكومات الإقليمية على مجموعة من أشكال التجارة التي كانوا يمارسونها. وحالياً، من أهم مصادر الأموال التي تخضع لهذه العملية تجارة المخدرات، والاتجار بالبشر في مجال البغاء، وجرائم تصدير التلوث حيث يتم دفن النفايات الخطرة وما شابه في الدول الفقيرة بمقابل مالي، والفساد الإداري والمالي عن طريق الاختلاسات من الأموال العامة والرشاوى والعمولات الضخمة ضمن تجارة الأسلحة وما شابه، والقمار، والتهريب، وتجارة السلاح.

يعتبر نشاط غسل الأموال ثالث أكبر نشاط اقتصادي على المستوى العالمي بعد تجارة العملات ومبيعات النفط، والأرقام تصل إلى التريليونات من الدولارات سنوياً. وتتحدث الدراسات الخاصة بغسل الأموال عن آثار سلبية متعددة تترتب على هذه العملية، على الصعيد الاقتصادي والاجتماعي والسياسي والأمني وحتى الأخلاقي. وقد تم تجريم هذا الفعل دولياً، وفي الكويت تم تشريع القانون برقم مائة وستة لسنة ألفين وثلاثة عشر لذلك.

لا شك أن في البين جهات تسيء استغلال تجريم هذا الفعل لتحقيق مآرب سياسية وأمنية تخدم مصالحها، وجهات أخرى تفرض حصاراً ظالماً تضطر معها الجهات المحاصرة ظالماً للبحث عن مخارج من هذا القبيل، ولذا فإن كلامي بالإجمال، ولست في وارد الحكم على كل الحالات أو المفردات الخارجية.

الموقف الشرعي من جريمة غسل الأموال

السؤال الجوهري يتمثل في معرفة الموقف الشرعي من غسل الأموال، وهل يجوز لي أن أكون ركناً من أركان العملية باستقبال هذه الأموال ثم إعادتها بعد خصم حصة منها لنفسي؟

طبعاً البعض عندما يريدون تبرير قيامهم بما هو محظور أو حرام، فإنهم يقدمون لأنفسهم وللآخرين الأعذار والمسوغات، وما يدعون أنها مخارج شرعية، أو آثار إيجابية تفوق حرمة الفعل. وهذا تماماً ما قام به إبليس مع آدم عليه السلام؛ نهاه الله تعالى عن الأكل من الشجرة، فجاءه إبليس بطريقة التفافية كما حكى القرآن: (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَى) [طه: 120]. فلم يقل له مثلاً يجوز لك فعل الحرام، أو افعل الحرام ثم تب إلى الله، وإنما أغراه بالنتائج الكبيرة الموهومة، فصغر في عينه الفعل نفسه وجرأه على ارتكابه.

إن الكلام عن عدم وجود نص تحريمي أو نهي خاص بعنوان غسل الأموال صحيح، وهذا مفهوم وبديهي، إذ لم يكن هذا الفعل ممارساً آنذاك في الوسط الإسلامي، ولكن هناك إطلاقات وقواعد ينبغي أن تؤخذ بعين الاعتبار، وهي تساعدنا في تقريب الموقف الشرعي بدقة.

الأدلة القرآنية على حرمة الأموال المغسولة

الدليل الأول يستند إلى قول الله تعالى في وصف فئة من المنافقين واليهود: (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) [المائدة: 42]. والسحت بحسب بعض التعريفات هو ما خبث من المكاسب وحرم، فلزم عنه العار وقبيح الذكر. وعندما تكون مصادر هذه الأموال التي يراد غسلها في الغالب ناتجة عن تجارة المخدرات والمسكرات والبغاء والقمار وأمثال ذلك، وتُعطى أنت من هذه الأموال في مقابل مساهمتك في غسلها، أليست هذه أموالاً خبيثة وسحتاً؟

الدليل الثاني يتمثل في قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ) [النساء: 29]. والآية تشتمل على قاعدة فقهية وقانون تشريعي عام لجميع أبواب الفقه الإسلامي في دائرة المعاملات المالية. والسؤال الموجه لكل مكلف: أليست المساهمة في غسل الأموال الناتجة عن تلك الأنشطة المحرمة أكلاً للممال بالباطل؟

الدليل الثالث يأتي من قول الله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) [المائدة: 2]. فهل تعَدّ المساهمة في غسل أموال المخدرات والمسكرات والقمار والبغاء والاختلاسات وأمثالها إلا تعاوناً صريحاً على الإثم والعدوان؟

الفتاوى الفقهية في حرمة مخالفة القوانين المنظمة للمجتمع

أما على مستوى الفتوى الشرعية، فقد صدرت عدة استفتاءات تنهى عن مخالفة القوانين المرعية. ومثال ذلك ما جاء في نهاية استفتاء خاص حول التزام الموظف بالقوانين، وهو موجه إلى سماحة المرجع الديني الأعلى السيد السيستاني مد ظله: ننصح جميع المؤمنين باحترام القوانين الجارية الضامنة لمصالح المجتمع، والوفاء بالتزاماتهم العقدية، والاجتناب عن الأعمال الموضوعية التي تسلب البركة في الدنيا، وتوجب الإثم في الآخرة، وعليهم أن يرسوا قواعد الخلق الإسلامي النبيل في المجتمع الذي يعيشون فيه، ليكونوا مثالاً يقتدي بهم، فكلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته، مصداقاً لقوله تعالى: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ).

الخلاصة النهائية في الموقف الشرعي

إن الموقف الشرعي من المساهمة في غسل أموال تجارة المخدرات والمسكرات والقمار والبغاء واختلاسات المال العام والتهريب وغير ذلك، عن طريق استقبالها وإعادتها وأخذ المكافأة على ذلك، موقف سلبي واضح لا لبس فيه.

وهو موقف ينطلق من مجموعة من النصوص المطلقة والقواعد الشرعية التي بينت حرمة المال السحت وأكل المال بالباطل، ونهت عن التعاون على الإثم والعدوان، علاوة على الفتاوى الصريحة التي نهت عن مخالفة القوانين الجارية الضامنة لمصالح المجتمع، وعن الأعمال التي تسلب البركة في الدنيا وتوجب الإثم في الآخرة.

لذا يجب الحذر كل الحذر من مغبة الالتفاف على كل ذلك بأعذار واهية وتسويلات باطلة، منطلقها الحقيقي هو الجشع، والرغبة في تحقيق الثراء السريع، وضعف التقوى.

الشيخ علي حسن

View all posts