تحفل ذكرى النهضة الحسينية الخالدة، سواء في أيام عاشوراء الفداء أو في مسيرة زيارة الأربعين المليونية، بصور إيجابية كبرى تشهد على حيوية هذه الأمة وعمق ولائها. وتتجلى أولى هذه المعالم في تلك الجاذبية العفوية والتلقائية المذهلة التي تدفع الجماهير للتفاعل مع الموسم؛ إذ يقبل الناس من تلقاء أنفسهم، ومن دون الحاجة إلى توجيه بطاقات دعوة أو حشد دعائي، باحثين بشغف عن المجالس والفعاليات ليشاركوا فيها بكل حماسة وإخلاص.

ويرافق هذا الإقبال تمكين وثيق للارتباط بمدرسة أهل البيت عليهم السلام بزخم روحي استثنائي، وعطاء إيماني وفكري وثقافي وشرعي وأخلاقي وتربوي واجتماعي مكثف يملأ الساحة وعياً وبصيرة. كما يبرز الدور الحيوي للعاطفة الجياشة التي يشهدها الموسم، بوصفها محركاً أساسياً يوجه طاقات الناس ويوثق صلتهم بالقيم الإلهية، فضلاً عن انفتاح المنبر الحسيني على قضايا الساعة ومعالجة شتى التحديات المعاصرة، سواء كانت فكرية، أو سلوكية، أو سياسية، أو اجتماعية.

إن هذه المكتسبات العظيمة جعلت أصحاب الفكر والرأي والمنصفين في العالم يغبطوننا على هذا الموسم الرسالي الملهم، ويتمنون لو حظيت مجتمعاتهم بمثله لاستنهاض الهمم وبناء الوعي الجماعي.

استهداف الإحياء واختزال المشهد في السلبيات

في مقابل هذا البحر المتلاطم من الإيجابيات والعطاءات الإنسانية، تنشط فئات تعمل بدقة وخبث على اقتطاع وتصيد بعض السلوكيات والمظاهر والخطابات السلبية الشاذة الصادرة هنا وهناك، وهي مظاهر معروفة للجميع، بهدف حرف البوصلة وتشويه المشهد برمته، للخروج بانطباعات سلبية تعمم على مجمل هذا الحراك الإيماني والثقافي والإنساني الرائد، وتصويره زوراً على أنه حراك متخلف أو غوغائي أو فاقد للجوهر الإنساني.

إن صدور بعض هذه الهنات والسلبيات أمر متوقع وطبيعي في أي تجمع تشارك فيه عامة الناس بمختلف مستوياتهم الثقافية والتربوية؛ فمخيلة البعض وسلوكياتهم قد لا تكون منضبطة بالموازين الشرعية الدقيقة، وحماستهم العاطفية غير المؤطرة بالوعي قد تقودهم إلى ابتداع تصرفات مسيئة تشوه جوهر هذا الحراك الحسيني العظيم.

مسؤولية العلماء في الإصلاح ومنهج الرفق في التغيير

هنا تحديداً يتعاظم دور العلماء والمبلغين وحملة الفكر الرسالي وأهل البصيرة من المؤمنين للنهوض بواجب التوجيه والإرشاد، وممارسة فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، التي شكلت الشعار المركزي لثورة كربلاء وأساس حركتها؛ إذ أعلن الإمام الحسين عليه السلام في وصيته التاريخية الخالدة لأخيه محمد بن الحنفية قبيل مغادرته المدينة المنورة: “وإني لم أخرج أشِراً ولا بَطِراً ولا مفسداً ولا ظالماً، وإنما خرجت لطلب الإصلاح في أمة جدي صلى الله عليه وآله، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي بن أبي طالب”.

وفي هذا المضمار، ينقل أحد علماء الشام من الأحناف درساً تربوياً بليغاً حين أقبل إليه رجل يشتكي بانفعال وغضب شديدين من جهل بعض الناس وربطهم للخيوط والتمائم على شباك أحد المساجد طلباً لمرادهم، متوقعاً أن يشاركه الشيخ غضبه ويسارع إلى إطلاق أحكام التكفير واللعن عليهم. فما كان من العالم إلا أن سأله بهدوء عما إذا كان هذا الفعل يحدث قديماً وما زال مستمراً، فلما أجاب الشاكي بالإيجاب، تبسم الشيخ وقال بوعي ومسؤولية: هذا حسن، فهنا يكمن دور العلماء ومهمتهم في تعليم الجاهل وتصحيح مفاهيم الناس وتوجيههم بالحكمة واللين.

إن واجب أهل العلم والدين هو مد جسور الإصلاح والرحمة وتثقيف المجتمع، لا الاصطدام بالناس أو صب اللعنات والشتائم والتقريع عليهم، لأن الدعوة إلى الله والمنهج الحسيني إنما يقومان على الموعظة الحسنة والاستيعاب التربوي.

أطماع الانتهازيين واستغلال القداسة

لا ينبغي أن نغفل عن خطورة فئة الانتهازيين الذين يوظفون اسم الحسين عليه السلام والرموز العاشورائية لمصالحهم الضيقة ومكاسبهم الشخصية. فالإمام الحسين شخص هذه الفئة قديماً حين رسم المعيار بقوله: “الناس عبيد الدنيا، والدين لعِقٌ على ألسنتهم، يحوطونه ما درَّت معايشُهم، فإذا مُحِّصوا بالبلاء قلَّ الدَّيَّانون”. وهذا الوصف لا ينحصر في العوام، بل قد يمتد ليشمل بعض المنتسبين إلى سلك الخطاب الديني؛ ففي شتى الشرائح من استعبدته الدنيا وحرّكته المصالح الذاتية.

إن لهؤلاء الانتهازيين يداً واضحة في تغذية بعض المظاهر الركيكة والخطابات النشاز الصادرة خلال الموسم لتكثير سوادهم أو حصد الشهرة، وهو أمر مألوف شهدته مختلف الرسالات الدينية وحركات الإصلاح عبر التاريخ البشري، ولا ينبغي أن يكون مدعاة للتراجع أو التشكيك في أصل القضية وقدسيتها.

بواعث تضخيم السلبيات ومسارات الاختراق

يعود تسليط الضوء الجائر والممنهج على تلك الهنات المحدودة إلى عدة عوامل متداخلة:

العامل الأول يتمثل في النزعة الاستهلاكية لجمهور المنصات، حيث يقبل كثير من الناس على تداول المواد المثيرة والغريبة بدافع الفضول والدهشة أكثر من اهتمامهم بالمضامين الفكرية الهادفة والبناءة.

العامل الثاني يتجلى في ردود الفعل المتسرعة من قِبل بعض المخلصين الذين يعيدون نشر تلك المشاهد النشاز بدافع نقدها والتحذير منها، فيسهمون من حيث لا يشعرون في توسيع دائرة انتشارها وإعطائها حجماً يفوق حقيقتها.

العامل الثالث يكمن في المساعي الحثيثة والمتربصة لبعض الخصوم الذين يتصيدون أي عثرة لتشويه مدرسة أهل البيت عليهم السلام والطعن في أتباعها ومتبنياتها.

العامل الرابع يرتبط بالمخططات المخابراتية الخبيثة التي تعمل في الخفاء على تأجيج الفتن المذهبية وإذكاء الصراعات بين المسلمين تحت سياسة “فرّق تَسُد”؛ فتارة ترتدي لبوس الدفاع عن التسنن، وتارة تتظاهر بالغيرة على التشيع، لتضرب أبناء الأمة بعضهم ببعض. ولا ريب في أن تلك السلوكيات الشاذة تمثل مادة خصبة تستثمرها هذه الدوائر عبر الشحن العاطفي والتأليب المتبادل.

الأربعين الحسيني: إخلاص الولاء ونصرة غزة والأقصى

إن وجود بعض السلبيات العارضة، سواء نشأت عن عفوية جاهلة، أو سوء استغلال نفعي، أو قصد وتدبير مشبوه، لا يبرر أبداً معارضة هذا المشروع الإلهي المبارك أو مقاطعة شعائره، بل يفرض ضرورة تهذيبه، ومواصلة العمل الجاد والدؤوب لتنقيته وتطهيره مما يعلق به من شوائب التشويه والتسطيح. وهذه هي المهمة الشرعية الملقاة على عاتق الواعين من أبناء الأمة، تجسيداً للشعار الحسيني الصادق في طلب الإصلاح في أمة المصطفى صلى الله عليه وآله.

وإننا لنتوجه بالدعاء الخالص إلى الله العلي القدير أن يتقبل من تلك الحشود المليونية المؤمنة الزاحفة نحو كربلاء في مسيرة الأربعين صالح الأعمال، وأن يخرج الزائرون من هذا الموسم الإيماني بأوفر حظ من البناء الروحي والفكري والأخلاقي والعملي المستمد من مدرسة التضحية والإيثار، وأن تحوطهم رعاية الله بالأمن والسلامة والحفظ من كل مكروه.

كما يجب على هذه الملايين المحتشدة ألا تغفل عن بوصلة الأمة وقضيتها المركزية اليوم، وهي نصرة إخواننا المستضعفين والمجاهدين في وجه العدوان الصهيوني الغاشم المستمر بضراوة؛ نصرة المقاومين الأبطال في ميادين المواجهة، والمدنيين الصامدين بصبرهم وثباتهم التاريخي. عسى أن تكون تلك الأكف المتضرعة في رحاب سيد الشهداء سبباً في فتح أبواب النصر والفرج القريب ودحر الظالمين.

وتحية إجلال وإكبار لموكب “نداء الأقصى” الدولي الذي ينطلق في كربلاء المقدسة في رحاب الأربعين الحسينية، بما يجسده من تلاحم أخوي مبارك بين علماء ومفكري الأمة الإسلامية، وما يعكسه من رسالة وحدة وتضامن حقيقي مع الشعب الفلسطيني ومقدساته السليبة.

الشيخ علي حسن

View all posts