قال تعالى في محكم كتابه العزيز: {وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ، الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ، أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} [البقرة: 155-157].
الدلالة اللغوية للابتلاء والخصوصية الاشتقاقية
إن الابتلاء، وإن فُسِّر في الاستعمال الشائع بمعنى الاختبار والامتحان، فإن الرجوع إلى الأصل والاشتقاق اللغوي للكلمة يكشف عن خصوصية دلالية فارقة تميزه عن مجرد الامتحان المجرد، ألا وهي الإخلاق. يقال في لسان العرب “ثوبٌ بالٍ”؛ أي خَلِقٌ مهترئ قد تقادم عهده وأنهكته العوامل، فكأن المبتلى من البشر هو الذي يؤول إلى حالة من الإخلاق والإنهاك الروحي أو الجسدي، إما نتيجة لتراكم الاختبارات وتتابعها، وإما لشدة المحنة وثقل وطأتها على النفس.
شبهة الجهل ونفي النقص عن العلم الإلهي المطلق
يظهر في بادئ النظر ومن خلال بعض الآيات القرآنية أن من غايات الابتلاء الإلهي حصول العلم لله تعالى بحقيقة حال الإنسان، ومعرفة ما إذا كان مؤمناً بالفعل واليقين أم لا، والوقوف على مستوى صبره، وما إذا كان يطابق عملُه قولَه في الميدان العملي.
من شواهد ذلك قوله سبحانه: {وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلَّا لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَىٰ عَقِبَيْهِ} [البقرة: 143]، فالمعنى الظاهر للآية يطرح تساؤلاً حول الجهة المريدة للعلم، والتي تبدو في ظاهر اللفظ أنها عائدة إلى الذات الإلهية المقدسة.
ويتكرر هذا المعنى الظاهري في قوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ، وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ، أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 140-142]، حيث يشي ظاهر العبارة بتوقف العلم الإلهي على وقوع الفعل، وكأن العلم بحال العبد لم يكن حاصلاً من قبل.
وقد دفع هذا الظاهر بعض الباحثين والمتكلمين إلى الذهاب نحو القول بأن الله تبارك وتعالى لا يعلم الأمور التي يملك فيها الإنسان حرية الاختيار والقرار مسبقاً، زاعمين أن هذا الطرح لا يتنافى مع صفاته العظمى بأنه العليم وعلام الغيوب. واحتج أصحاب هذا الرأي بالقياس على المحالات الذاتية، فقالوا إنه كما يصح القول بأن الله لا يُدخل الأرض في بيضة مع بقاء كل منهما على حجمه وحقيقته المادية دون تصغير لهذه أو تكبير لتلك، فكذلك لا يعلم سبحانه هل سيختار الإنسان الصبر عند المحنة أم سيجزع، بدعوى أن الامتناع هنا ناشئ من محدودية الشيء وقابليته، لا من قصور في القدرة الإلهية؛ فالنقص في مثال البيضة يعود إلى حجمها الذاتي المحدود لا إلى كمال الله المطلق، وبالمثل -حسب زعمهم- فإن خفاء خيارات الإنسان الحرة ناشئ عن طبيعة الاختيار الإنساني التي فطرها الله عليه، وليس نقصاً في الذات الإلهية.
التأويل البلاغي ومقاصد العلم الظاهر
إن التحقيق العلمي يقضي بأن ما ورد في هذه الآيات الكريمة محمول على المجاز والاستعارة البلاغية، فلا يؤخذ بالمعنى الحرفي الظاهر الذي يوهم تجدد العلم الإلهي أو سابقة الجهل، بل يتعين تأويله استناداً إلى براهين نقلية وقرائن عقلية قطعية تثبت إحاطة الله الأزلية بكل ما كان وما يكون وما هو كائن، مما يضيق المقام عن استقصائه وتفصيله.
وقد أوضح المحقق الراغب الأصفهاني في مصنفه المعتمد “المفردات في غريب القرآن” هذا المعنى بدقة بالغة، مشيراً إلى أن الغاية من ابتلاء الخلق واختبارهم تنقسم إلى وجهين؛ فالأول يكون بقصد التعرف على حال المبتلى والوقوف على ما كان مجهولاً من أمره، كالاختبارات التي يضعها المعلم لطلابه بهدف استكشاف مستواهم المعرفي وتقييم تحصيلهم.
أما الوجه الثاني، فيكون بهدف إظهار جودة المبتلى أو كشف رداءته وإبراز حقيقته للعيان، كشأن المريض الذي يجهل إصابته باعتلال في قلبه بينما يعلم الطبيب بوجوده سلفاً، فيخضعه لفحص جهدي عملي لا ليعلم الطبيب بل ليثبت للمريض نفسه حقيقة مرضه.
ثم عقب الراغب مقرراً القاعدة الأصولية في هذا الباب: فإذا قيل في الله تعالى بلاه بكذا وأبلاه، فليس المراد منه إلا ظهور جودته ورداءته، دون التعرف لحاله والوقوف على ما يجهل من أمره؛ إذ كان الله علام الغيوب. وبناءً على هذا التأصيل الرصين، تتجلى غايات الابتلاء الإلهي في كونها وسيلة لكشف حقيقة الإنسان أمام نفسه وأمام مجتمعه وإقامة الحجة عليه، لا لتنكشف الحقيقة للخالق العليم بكل خافية.
معيار التمييز بين حقيقة الابتلاء ومظاهر العذاب
من السنن الكونية الحاكمة للحياة تبدل الأحوال وتداول الأيام بين يسر وعسر، إذ لا يوجد إنسان بمنأى عن مواجهة الشدائد والنوائب واختبار تقلبات الزمان، سواء أكان مؤمناً أم كافراً، صالحاً أم فاسداً، تصديقاً لقوله تعالى: {إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ}.
وهنا ينبثق التساؤل الجوهري الذي يستوقف الأذهان: متى تُعدّ هذه الخسائر والمكاره الدنيوية ابتلاءً وامتحاناً رافعاً، ومتى تكون نقمة وعقوبة معجلة؟
يقتضي الأدب الشرعي التنبيه أولاً إلى أن من المجازفة بمكان الجزم القاطع بأن ما يصيب شخصاً أو مجتمعاً هو محض عقاب وعذاب إلهي مسلط، إذ ينطوي هذا الجزم على تخرص ورجم بالغيب ونسبة أحكام للذات الإلهية قد تجافي الحقيقة وموازين الحكمة الخفية.
إن حقيقة الأمر في معظم الموارد ترتهن بوعي الإنسان نفسه وبطبيعة تلقيه للنازلة ومنهجه في التعامل معها؛ فحين يتلقاها بوعي ويقين على أنها اختبار إلهي وفرصة للصقل الروحي، فإنه يحصد ثماراً إيجابية كبرى على الصعيدين الدنيوي والأخروي. والمفترض بالمسلم الصادق أن يجعل من الشدائد محطة لإعادة التقييم الذاتي، تحقيقاً لقوله تعالى: {وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا}، حيث يقود هذا التمحيص إلى استكشاف مكامن النفس ومعالجة الثغرات والسلبيات، وتنمية عناصر الخير الكامنة، للانطلاق في مسيرة الحياة بعزيمة أصلب وإيمان أعمق.
النموذج الأيوبي في الصبر والانعتاق من القنوط
يقدم القرآن الكريم سيرة نبي الله أيوب عليه السلام كأعظم أنموذج عملي لإدراك فلسفة البلاء؛ فقد واجه ألواناً قاسية من الآلام الجسدية والخسائر المادية دون أن يستسلم لليأس أو يتسرب القنوط إلى وجدانه، بل ازداد تبتلاً وقرباً من ربه وثقة برحمته، وهو ما سجله الوحي الشريف: {وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ، فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِن ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا وَذِكْرَىٰ لِلْعَابِدِينَ} [الأنبياء: 83-84]. لقد أثمر هذا الموقف الرشيد تبدلاً جذرياً في واقعه، فعُوِّض أضعاف ما افتقده جزاء يقينه وثباته.
وحتى في الحالات التي لا يُمهل فيها المبتلى ويقضي نحبه في غمار المحنة، فإنه ينال حسن العاقبة وعظيم الجزاء في النشأة الأخرى، ويخلد ذكره في صفحات المجد، كما هو شأن الشهداء المقربين الذين بذلوا أنفسهم في سبيل المبدأ والحق.
وعلى الضد من ذلك يقف أولئك الذين انقطعت صلتهم بالله واعتمدوا على الأسباب المادية المحضة، حيث تنعكس عليهم الشدائد بالوبال والمحق، وهو ما عبر عنه التنزيل بقوله: {وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ}، إذ يعني المحق هنا النقص والاستئصال التام.
إن مواجهة التحديات والصعاب قدر حتمي ومصير مقطوع به لكل إنسان كائناً ما كان معتقده وسلوكه؛ غير أن صاحب البصيرة المتوكل على ربه يحيل تلك المحن إلى درجات للترقي ومنصات لبناء الشخصية، في حين يتحول الحدث ذاته عند المنقطع عن هدي السماء إلى مصدر للاختناق النفسي الذي يودي بصاحبه إلى مهاوي الإحباط والضياع.
ما زلنا نشهد العدوان الصهيوني، ولا سيما العدوان الوحشي على غزة، بكل ما فيه من مصائب ومصاعب وشدائد مستمرة وقل نظيرها في التاريخ، ومن أواخرها مجزرة مدرسة التابعين التي جعلت جثامين الشهداء عبارة عن رؤوس مفصولة عن الأجساد التي تحولت إلى كتل من اللحم المحترق، توزن بحسب عمر الإنسان، لتوضع في أكياس وتدفَن.. ولكن مع كل ذلك، فإننا نتطلع إلى أن تكون خواتيم هذه الشدائد التي تفوق الوصف، ابتلاءاتٍ ذاتَ عواقبَ خيرٍ للصابرين وللمحتسبين وللذين استوعبوا الدرس القرآني جيداً حيث يقول تعالى: (وَبَشِّرِ ٱلصَّٰبِرِينَ، ٱلَّذِينَ إِذَآ أَصَٰبَتۡهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوٓاْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّآ إِلَيۡهِ رَٰجِعُونَ، أُوْلَٰٓئِكَ عَلَيۡهِمۡ صَلَوَٰتٌ مِّن رَّبِّهِمۡ وَرَحۡمَةٌ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُهۡتَدُونَ)، وأن تكون مَحقاً وعذاباً ودماراً وخزياً للمعتدين المجرمين، ولكلِّ مَن ساندهم وأيَّدهم ورضي بأفعالِهم.
