الأخلاق بين رخاء الدعة واختبار الأزمات

تكتسب الأخلاق في حركة الإنسان المسلم وهويته مكانة محورية بالغة الأهمية والحيوية؛ إذ لا ينحصر حضورها في مواطن الأمن والرخاء، بل يتأكد وزنها الحقيقي في ميادين التحدي، وساعات المواجهة، وأجواء الصراع الساخن، تحقيقاً للرسالة التي لخصها النبي الأكرم (ص) في قوله البليغ: «إنما بعثتُ لأتمم مكارم الأخلاق».

إن كثيراً من الناس يظهرون بلطف بالغ، وأدب رفيع، والتزام شكلي بالقيم الأخلاقية حينما تكون الظروف مواتية والحياة مستقرة؛ غير أن هذه المنظومة سرعان ما تتصدع، وتتبدل أحوال أصحابها بمجرد وقوعهم تحت وطأة الضغوط الهائلة وأزمنة الشدة.

وهنا يتجلى الأثر الروحي والتربوي للصلاة الحقيقية في البناء المعنوي والسلوكي للمؤمن، لترتفع به فوق الضعف البشري الموصوف في القرآن الكريم: {إِنَّ الْإِنْسانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلَّا الْمُصَلِّينَ} [المعارج: 19-22]؛ فالصلاة الصادقة هي التي تحفظ للمرء توازنه، وتمنعه من التفريط في مبادئه وثوابته وقيمه عند نزول الشدائد.

عاشوراء كنموذج استثنائي تحت الضغط المركب

قدم الإمام الحسين (ع) في ملحمة كربلاء التجلي الأكمل والأنموذج الحي للشخصية الإيمانية الراسخة التي لا تنحني ولا تساوم تحت وطأة أعتى الظروف القاسية؛ إذ تضافرت في تلك التجربة التاريخية ضغوط كبرى قلما تجتمع على قائد:

  • صدمة الأخبار المؤلمة والمحبطة: توالي الأنباء المفجعة عن استشهاد أركان حركته وثقاته؛ مسلم بن عقيل، وهانئ بن عروة، وعبد الله بن يقطر.
  • مرارة الخذلان وتبدل المواقف: انقلاب الموقف السياسي في الكوفة، وما تبعه من تساقط وانسحاب واسع للنفعيين الذين ركبوا الموجة ظناً منهم أنهم سائرون نحو نصر سريع وغنائم مضمونة في بلد سلَّم زمامه طواعية.
  • الخلل الشديد في ميزان القوى العسكرية: فرض معركة مكشوفة وغير متكافئة إطلاقاً من حيث العدد والعدة بين الطرفين.
  • الحصار المركب وألم العطش: فرض طوق محكم على معسكر الحسين (ع) وما يحتويه من نساء وأطفال؛ وإذا كان المقاتل الصنديد قد يستخف بحصاره الشخصي بل ويستقوي به، فإن بكاء الصبية من شدة الظمأ، وخوف النساء، والحرمان من قطرة الماء، وإحاطة الأوباش بالمخيمات، كفيل بكسر عزيمة أشد الرجال بأساً.

ومع كل هذا الركام من المعاناة، لم يسلخ هذا الواقع الضاغط الإمام الحسين (ع) عن منظومته الأخلاقية الرفيعة؛ لأن الأخلاق عنده لم تكن قناعاً خارجياً يُرتدى، بل جوهر متأصل في عمق شخصيته وبنيانه الإيماني.

أبعاد المحك الأخلاقي في سلوك سيد الشهداء

تجلت هذه الأخلاق الاستثنائية في ثلاثة مسارات شاخصة:

أولاً: الأخلاق مع الذات وصيانة الكرامة:

تعامل الإمام مع نفسه باعتبارها أمانة إلهية عظمى تجب رعايتها؛ فحرص على ألا يوردها موارد الهوان أو يسلبها عزتها، رافضاً المساومة عليها إلا بأغلى الأثمان التي تستحقها، وهي رضوان الله ونعيم الجنة. وأطلق صرخته التي رسمت بوصلة الشرف الإنساني على مر العصور:

«أَلَا وَإِنَّ الدَّعِيَّ ابْنَ الدَّعِيِّ قَدْ رَكَزَ بَيْنَ اثْنَتَيْنِ، بَيْنَ السِّلَّةِ وَالذِّلَّةِ، وَهَيْهَاتَ مِنَّا الذِّلَّةُ، يَأْبَى اللَّهُ لَنَا ذَلِكَ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ».

ثانياً: الأخلاق مع الأنصار والتجرد من النفعية:

في اللحظات المصيرية والحرجة التي يستميت فيها القادة للحفاظ على مقاتليهم وجمع الأنصار، ارتقى الحسين (ع) بأخلاقه مع أصحابه ليلة العاشر من المحرم، ففك عنهم أي إلزام أو حرج أدبي، مخاطباً إياهم بمنطق الإيثار:

«إِنَّ هَذَا اللَّيْلَ قَدْ غَشِيَكُمْ فَاتَّخِذُوهُ جَمَلاً، وَلْيَأْخُذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ بِيَدِ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ بَيْتِي، فَإِنَّ الْقَوْمَ لَا يُرِيدُونَ غَيْرِي».

لقد أراد لهم النجاة ورفض أن يستغل حياءهم أو يحرج وفاءهم، مانحاً إياهم الحرية الكاملة للانصراف دون لوم.

الأخلاق مع الأعداء والسمو الإنساني النادر:

بلغت النبالة الأخلاقية قمتها في كيفية تعامله مع الخصوم المباشرين؛ فعندما التقى بجيش الحر بن يزيد الرياحي وهم عطاشى في مفاوز برية سحيقة وصحراء قاحلة لا يفرط فيها عاقل بقطرة ماء، لم يستغل الإمام تفوقه المائي واللوجستي، بل أصدر أمره الفوري لأصحابه بسقيا القوم ورشف خيولهم حتى ارتووا بالكامل. شكل هذا الموقف لمحة ملائكية باهرة يندر أن يجد التاريخ الإنساني والعسكري لها نظيراً في خضم الصراعات.

عاشوراء: مدرسة الوعي وامتداد النهج

من هنا، لا تتوقف عاشوراء عند كونها صفحة مطوية نقرأها في سجلات التاريخ، ولا محطة مجردة لاستدرار العبرات واستثارة الأحزان—وإن كانت الدمعة تفرض نفسها حتماً على فداحة المصاب وعظمة التضحية—بل هي مدرسة حية تستقي منها الأجيال دروس الكرامة، وصرح تربوي ترتقي في ظلاله النفوس.

إن أعظم دروس كربلاء يؤكد أن القيم الأخلاقية ركن ثابت لا يتزحزح في هوية الإنسان المؤمن، سواء عاش في رخاء وسعة أم ألمّت به المحن والشدائد. وإن الانتماء الحقيقي لمدرسة سيد الشهداء يفرض على السائرين في دربه تأصيل هذه المبادئ في ذواتهم وحركتهم اليومية بين الناس؛ فالوفاء الأسمى للإمام الحسين (ع) ولنهضته التحررية يكمن في إحياء أخلاقه وتجسيد قيمه سلوكاً حياً في واقعنا المعاش.

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَوْلَايَ يَا عَبْرَةَ كُلِّ مُؤْمِنٍ..

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ قَضَيْتَ عَطْشَاناً وَأَنْتَ فِي جِوَارِ الفُرَاتِ..

السَّلَامُ عَلَيْكَ يَا مَنْ أَبَيْتَ الذُّلَّ، وَأَعْزَزْتَ الإِيمَانَ، وَتَبَّرْتَ أَوْثَانَ الطُّغْيَانِ..

السَّلَامُ عَلَيْكَ وَعَلَى المُسْتَشْهَدِينَ بَيْنَ يَدَيْكَ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ.

الشيخ علي حسن

View all posts