أخلاقيات المعرفة وسلطة التقنية: قراءة معاصرة في النموذج القرآني لذي القرنين
التمكين المعرفي بين التسخير والتجبر
تطرح القصة القرآنية لذي القرنين في سورة الكهف نموذجاً معرفياً وحضارياً متقدماً يحكم العلاقة الجدلية بين العلم والأخلاق، والقدرة والمسؤولية. يفتتح البيان القرآني هذا المسار ببيان شمولية التمكين: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَءَاتَيۡنَٰهُ مِن كُلِّ شَيۡءٖ سَبَباً} [الكهف: 84]؛ حيث يشير مفهوم «السَّبَب» هنا إلى حزمة متكاملة من الأدوات التي منحه إياها الخالق: العقل الراجح، والعلم الواسع، والوازع الديني، والبنية الجسدية القوية، والوفرة المالية، والجيش المنظم، وسعة الملك، وحسن التدبير والإدارة.
غير أن المعيار الحقيقي لهذا التمكين لم يكن في مجرد امتلاك الأسباب، بل في المنظومة الأخلاقية التي ضبطت توظيفها واستخدامها.
خماسية الضوابط الأخلاقية في تجربة ذي القرنين
تتجلى العلاقة الوثيقة بين العلم والفضيلة في المسلك العملي الذي انتهجه ذو القرنين عبر خمسة مرتكزات أساسية:
1. توجيه المعرفة لإرساء العدل وحماية الضعفاء:
لم تدفعه الوفرة العلمية والإمكانات المادية إلى ممارسة الاستعلاء أو البطش، بل سخر علمه كأداة لتحقيق العدالة وردع العدوان وإسناد المجتمعات المستضعفة؛ فكان حريصاً على التمييز الدقيق بين المعتدي والمصلح: {أَمَّا مَن ظَلَمَ فَسَوۡفَ نُعَذِّبُهُۥ… وَأَمَّا مَنۡ ءَامَنَ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُۥ جَزَآءً ٱلۡحُسۡنَىٰۖ وَسَنَقُولُ لَهُۥ مِنۡ أَمۡرِنَا يُسۡرٗا} [الكهف: 87-88].
2. النزاهة والترفع عن استغلال حاجة الضعفاء:
حين واجه مجتمعاً عاجزاً يستجدي خبرته الهندسية لدرء خطر يأجوج ومأجوج، وعرضوا عليه عائداً مادياً مجزياً: {فَهَلۡ نَجۡعَلُ لَكَ خَرۡجًا عَلَىٰٓ أَن تَجۡعَلَ بَيۡنَنَا وَبَيۡنَهُمۡ سَدّٗا} [الكهف: 94]، رفض استغلال حاجتهم والتربح من معاناتهم، قائلاً بعفة العالم وترفع القائد: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيۡرٌ} [الكهف: 95]، مكتفياً بطلب مشاركتهم البشرية واللوجستية في الإنجاز: {فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجۡعَلۡ بَيۡنَكُمۡ وَبَيۡنَهُمۡ رَدۡمًا}.
3. التواضع المعرفي ورد الفضل للخالق:
تجرّد من غرور الإنجاز وعُجب أصحاب السلطة التقنية؛ فلم ينسب الفضل لعبقريته أو تقدم أدواته، بل أعلن أمام الجميع أن كل ما تحقق إنما هو من فيض نعم الله وأفضاله: {قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ}.
4. الإخلاص وربط الناس برحمة الله لا بالأشخاص:
رغم أن مشروعه الهندسي اعتمد تقنيات صهر وسبك متقدمة بمقاييس عصره عبر استخدام زبر الحديد والقطران المذاب، إلا أنه أصر فور إتمامه على نسب الأثر إلى الرحمة الإلهية، رغبة في أن تتعلق قلوب المستفيدين بالله لا بشخصه، وأن يتوجه الشكر للمنعم الحقيقي: {قَالَ هَٰذَا رَحۡمَةٞ مِّن رَّبِّي} [الكهف: 98].
5. الشفافية والمصارحة العلمية بحدود الإنجاز:
اتسم بالمصداقية والأمانة المطلقة حين بيّن لهم أن مشروعه التقني، مهما بلغت حصانته، ليس حلاً أبدياً يتكئون عليه بتراخٍ وإهمال؛ إذ تظل المادة خاضعة للفناء وقوانين التبدل: {فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ رَبِّي جَعَلَهُۥ دَكَّآءَۖ وَكَانَ وَعۡدُ رَبِّي حَقّٗا} [الكهف: 98]. دعاهم ضمناً لعدم الركون المطلق لهذا الإنجاز، ومواصلة العمل وإعداد أسباب حماية أنفسهم؛ إذ لا ديمومة لمخلوق.
اغتراب الأخلاق في فضاء الرأسمالية المعاصرة
تؤكد هذه التجربة القرآنية أن من يحوز ناصية العلم والتقنية والأسباب، ملزم بإخضاعها لمنظومة قيمية غايتها خير البشرية، ودفع المظالم، والصدق في إبراز الآثار والمآلات. غير أن واقع العالم المعاصر يكرس انقطاعاً حاداً عن هذا النموذج، حيث باتت المعرفة أداة للجشع، والتربح الفاحش، وفرض الهيمنة.
وتتجلى هذه المفارقة في قطاعين حيويين:
- صناعة الدواء واحتكار الشفاء:
لا جدال في التكاليف الباهظة لأبحاث التطوير الدوائي، غير أن أرقام الأرباح الخيالية المتولدة من تسعير الأدوية تفوق تلك الأكلاف بأضعاف مضاعفة. ويكشف مختصون عن مسلك مقلق لبعض كبرى الشركات يتمثل في التباطؤ أو الامتناع عن تبني اكتشافات طبية تستأصل الأمراض المزمنة من جذورها؛ نظراً لأن الشفاء النهائي يهدد العوائد المالية الضخمة المتدفقة من بيع العلاجات التقليدية المستدامة التي يدمن المرضى استهلاكها مدى الحياة. - تطبيقات الذكاء الاصطناعي واستباحة الخصوصية:
تقف ثورة الذكاء الاصطناعي على النقيض التام من أخلاقيات ذي القرنين؛ حيث غابت مبادئ العدالة، والإخلاص، والمصداقية، وحماية الضعفاء. لقد تحولت بيانات الأفراد الشخصية، واهتماماتهم، ومسارات تنقلاتهم، وتفاصيل حياتهم الخاصة إلى بضائع رقمية تُباع وتُشترى لتغذية خوارزميات الاستهلاك، واستغلال الجماهير في أسواق تسليع الرغبات، ناهيك عما هو أشد خطورة في مجالات التوجيه السياسي وتزييف الوعي.
موقف الأزهر الشريف ومحاذير التحول الرقمي
انسجم هذا القلق الأخلاقي مع ما طرحه فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف خلال استقباله نائبة الأمين العام للأمم المتحدة، بمناسبة اختيار الأزهر منصة لإطلاق مبادرة الأمم المتحدة للذكاء الاصطناعي والتنمية المستدامة؛ حيث حذر من أن «التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي يثير مخاوف حقيقية بشأن تأثيره على القيم الإنسانية والدينية».
وحدد شيخ الأزهر محاذير جوهرية تلخص أزمة المعرفة المعاصرة:
- إن غياب منظومة أخلاقية حاكمة قد يقود المجتمع الدولي نحو مستقبل مظلم تتراجع فيه كرامة الإنسان وتتآكل المبادئ السامية التي حملتها الرسالات السماوية.
- التساؤل الملح والمصيري: من يملك حق ضبط هذا التطور التقني الهائل؟ وعلى أي منظومة قيمية سيبنى هذا الضبط؟
- الخطر الجسيم المترتب على تركز التكنولوجيا في قبضة نخب محدودة تتحكم في مصائر الشعوب، مما يحول التقنية من وسيلة لخدمة الإنسان إلى أداة للهيمنة والاستعباد.
الأبعاد الثلاثية لمنظومة العلم والأخلاق
تتأسس العلاقة السوية بين المعرفة والفضيلة على ثلاثة أبعاد رئيسية متكاملة:
- البعد المنهجي: ضبط حركة البحث العلمي بإلزام الباحث بالصدق والموضوعية في إعلان النتائج، وحظر استغلال الضعفاء والمحتاجين كحقول تجارب غير إنسانية.
- البعد التطبيقي: توجيه الاكتشافات والمخرجات التقنية لخير المجتمع البشري بصورة عادلة تتجاوز التمييز الطبقي أو العرقي أو الجغرافي.
- البعد الغائي: منح النشاط العلمي هدفاً إنسانياً نبيلاً يجعله خادماً لترقية الحياة لا وسيلة لدمارها وتلويثها.
إن الأخلاق لم تكن يوماً قيداً يعطل العقل أو يعرقل حركة البحث العلمي؛ بل هي البوصلة الحتمية التي تضمن بقاء المعرفة رافداً من روافد الرحمة بالإنسانية، والتي بدونها ينحرف العلم ليصبح أداة بطش وهدم وشرور.

