تتعدد الأساليب والمسالك التي يعتمدها الآباء والأمهات في مضمار التربية الدينية، وقد تفضي تلك الطرق بمجملها في نهاية المطاف إلى بلوغ نتيجة ظاهرية معينة؛ فيكبر الطفل ليصبح مسلماً مؤدياً لصلاته، ومؤتياً لزكاته، وقائماً بصيامه، ومجتنباً لما حُرِّم عليه في العلن وأمام أعين الناس. ولربما بدت بعض هذه الطرائق مختصرة ويسيرة التطبيق عند المقارنة بغيرها، لكونها لا تكلف الوالدين كبير عناء ولا تتطلب جهداً نفسياً وفكرياً مضنياً لقولبة سلوك الطفل على هذه الشاكلة، مع الأخذ بعين الاعتبار والتقدير أن التكوين الشخصي والطباع الذاتية للناشئ تفرض حضورها البارز في هذا المضمار؛ فبين الأطفال من يتصف بالعناد، ومنهم من يميل إلى الموافقة والسلاسة، وثالث يغلب عليه البلادة، ورابع يتقن أساليب المراوغة، وخامس يكثر من التساؤل والبحث، وآخر يستسلم للا مبالاة والفتور.
غير أن إدراك تلك النتيجة الإجرائية السريعة لا يعني بحال من الأحوال أن كافة المناهج المعتمدة تمثل مسارات تربوية سليمة وناضجة، استطاعت بناء شخصية متزنة في تدينها، ومستقرة في بنيتها النفسية، ومستندة في ممارساتها إلى قناعة واعية وفهم سليم. والمشاهد في الواقع العملي أن بعض هذه الأساليب المبتسرة تنتج كائناً مشوهاً في سلوكه الديني؛ فيكبر الطفل المتدين ليكون فظاً عنيفاً في ممارسته، ومستودعاً مشحوناً بالعقد النفسية، والتعصب الأعمى، والضغائن الموجهة ضد المحيطين به، أو يؤول به المآل إلى التدين المظهري المراوغ الذي يبطن الفسق ويفصل بين الواجهة والسريرة، أو يتجلى في شخصية هشة ذات قابلية سريعة للانحراف والسقوط الأخلاقي عند أول هزة تعترض طريقها. وعلى الرغم من اتساع دائرة النقاش التاريخي والتربوي حول ماهية المنهج الأمثل في هذا الفضاء، وعدم وجود إجماع قطعي على نموذج أوحد، فإن استنطاق الرؤية القرآنية يفتح الباب واسعاً للتأمل والبحث الرصين، ويجعل من وصايا لقمان الحكيم منطلقاً تأسيسياً جديراً بالتدبر من قبل الوالدين والمعلمين ومربي الأجيال.
منطق الإقناع والخطاب الوجداني في وصايا لقمان
حين يتدبر المربي في النمط التربوي الماثل في وصايا لقمان لابنه والمتعلقة بركن الإيمان الأول وقاعدته الصلبة، المتمثلة في التوحيد ونبذ الشرك، يجد أنها صيغت في قالب الإقناع العقلي والحوار العاطفي الدافئ، بعيداً عن أساليب القمع ولغة التهديد والوعيد المباشر؛ حيث صدع التنزيل الحكيم: {وَإِذۡ قَالَ لُقۡمَٰنُ لِٱبۡنِهِۦ وَهُوَ يَعِظُهُۥ يَٰبُنَيَّ لَا تُشۡرِكۡ بِٱللَّهِۖ إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ} [لقمان: 13].
فالتعليل الحكيم في قوله {إِنَّ ٱلشِّرۡكَ لَظُلۡمٌ عَظِيمٞ} لا ينحدر من موقع التخويف بعذاب النار أو التلويح بالعقاب الحارق، بل ينساب بوصفه نداءً وجدانياً يخاطب العقل الفطري السليم؛ إذ يوقظ في نفس الفتى التساؤل الأخلاقي: أليس من أبشع صور الظلم ونكران الجميل أن يدير الإنسان ظهره للمنعم الخالق المتفضل بشتى النعم، ليقبل بخضوعه وعبوديته على مخلوقات عاجزة وأوهام باطلة، فيمنحها مقام الألوهية وما يقتضيه ذلك من قداسة وتذلل؟
وعندما ارتقى السياق لتوجيه الابن نحو بر الوالدين، نسجت الوصية نداءها من الباعث الوجداني والمشاعر الإنسانية الفياضة، مذكرة بالمعاناة الصامتة والتضحية التي بذلتها الأم: {حَمَلَتۡهُ أُمُّهُۥ وَهۡنًا عَلَىٰ وَهۡنٖ وَفِصَٰلُهُۥ فِي عَامَيۡنِ} [لقمان: 14]، ليغدو البر ثمرة طبيعية للعرفان لا واجباً مثقلاً بالقسر. ويمتد هذا السمت الرفيع حتى في أشد المواقف حساسية حينما دعا الآباء أبناءهم إلى الشرك؛ فلم يستحضر لقمان مشاهد الإحراق بالسعير ولا قوارع العذاب المادي في حديثه عن المصير، بل وجه الابن بلطف وحزم إلى المفاصلة العقائدية المصحوبة بحسن المصاحبة الدنيوية: {وَإِن جَٰهَدَاكَ عَلَىٰٓ أَن تُشۡرِكَ بِي مَا لَيۡسَ لَكَ بِهِۦ عِلۡمٞ فَلَا تُطِعۡهُمَاۖ وَصَاحِبۡهُمَا فِي ٱلدُّنۡيَا مَعۡرُوفٗاۖ وَٱتَّبِعۡ سَبِيلَ مَنۡ أَنَابَ إِلَيَّۚ ثُمَّ إِلَيَّ مَرۡجِعُكُمۡ فَأُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ} [لقمان: 15].
تشويه صورة الإله وأوهام التربية الترهيبية
في مقابل هذا السمو الحكيم، تسود في البيئات الأسرية والتعليمية مسالك خاطئة تكتسب انتشارها الواسع من قدرتها الخادعة على إحداث انصياع فوري وسريع عبر أسلوب التهديد والترهيب المتواصل؛ فيعتاد الوالدان إطلاق عبارات زاجرة تقحم الغضب الإلهي في أبسط تفاصيل الحياة، من قبيل التلويح بإحراق من يكذب في جهنم، أو الزعم بأن من يفرط في صلاته ستلتهمه النيران، أو ربط مخالفة أوامر البيت بفقدان محبة الله ونزول عقابه الصارم، وقد يتصاعد الأمر إلى ممارسات عنيفة تفرض ألواناً من الإيذاء البدني والنفسي القاسي كالضرب المبرح، والاحتجاز في الغرف المظلمة، أو الكي بالأدوات الحارة.
وقد توهم هذه الإجراءات القمعية نجاحاً زائفاً حين ينكفئ الطفل عن الكذب رعباً، ويسارع إلى أداء الصلاة فزعاً، وينقاد لتعليمات والديه امتثالاً للقهر، فيظن الوالدان أنهما قد بلغا غايتهما التربوية بأقصر الطرق وأقلها تكلفة. غير أن هذا الانصياع الشكلي يخفي وراءه تصدعاً روحياً جسيماً؛ وتكشف تجربة واقعية روتها إحدى الأمهات عن عمق المأساة حين فاجأها صغيرها ذات مساء عائداً من يومه الدراسي بتساؤل مرير ينبض بالانكسار: “يا أمي، ما يفعل الله بعذابنا المستمر الذي لا ينقطع؟ أخلقنا كي يعذبنا ويحرقنا على كل شيء نفعله؟ ولماذا يكرهنا هكذا؟”.
وعندما استوضحت الأم مصدر هذا التشوه العقائدي، أخبرها الطفل بأن معلمته لا تنفك تردد على مسامعهم في الفصل الدراسي أن من يتأخر عن موعد الحصة فسيناله عذاب الله، ومن يعلو صوته بالحديث فسيحل عليه سخط ربه ومقته.
لقد تحول مفهوم الرب العظيم في مخيلة هؤلاء الصغار من كونه رحماناً رحيماً تفوق رأفته بعباده عطف الأم الرؤوم على رضيعها، إلى موجود جبار متسلط لا تفارقه نوبات الغضب، شديد العقاب، يستلذ بإدخال خلقه إلى النيران وسومهم سوء العذاب؛ مما يزرع في عقل الناشئ تساؤلات وجودية قلقة ترافقه حتى مشيبه: ما الغاية من الخلق إن كانت الحياة عذاباً والآخرة شقاءً وناراً مستعرة؟ فيمضي هذا الإنسان في مسيرة تدين باردة منزوعة القناعة والمحبة، فاقداً للقدرة على تحبيب الناس في دينه، ومرتدياً قناع النفاق الديني الذي يبطن الرعب والنفور، لتظل صورة الخالق في تصوره حبيسة الإله المخيف.
البصيرة الخلدونية في نقد العسف والقهر
قدم العلامة ابن خلدون في مقدمته تحليلاً نفسياً واجتماعياً فائق الدقة يرصد المآلات الكارثية المترتبة على استخدام القهر في التعليم والتنشئة؛ حيث بيّن بعبقرية استباقية أن من كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين، سطا به القهر وضيّق على النفس في انبساطها، وذهب بنشاطها، ودعاه إلى الكسل، وحمله على الكذب والخبث، والتظاهر بغير ما في ضميره، خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلمه المكر والخديعة لذلك، وصارت له هذه عادة وخلقاً، وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمدن، وهي الحمية والمدافعة عن نفسه أو منزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك.
إن هذا التشخيص الخلدوني الفذ يبرهن على أن التربية بالعنف والإرهاب لا تبني إنساناً تقياً، بل تصنع شخصية مشلولة الإرادة، تعتاد المداهنة والمخاتلة، وتفقد الحيوية الدافعة نحو العمران، وتتحول إلى عبء ثقيل على مجتمعها، فاقدة للكرامة وعاجزة عن المدافعة عن الحقوق.
ميزان الترهيب وسلطان المحبة في التربية الرشيدة
لا يعني تفكيك هذه المزالق إسقاط البعد الرادع بصورة مطلقة أو إلغاء أدوار الإنذار، والتحذير، والمحاسبة، والعقوبة المشروعة من المنظومة التربوية؛ فالخلاف ليس في مشروعية الأداة، بل في موقعها ووظيفتها؛ إذ هل يصح أن يكون التخويف هو الأصل الثابت والأسلوب الحصري المهيمن على التربية الدينية؟
إن الحكمة تقتضي التعامل مع أساليب الترهيب بوصفها دواءً استثنائياً يُلجأ إليه بحذر بالغ، وبموازين شرعية رصينة، وفي مراتب متأخرة لا يُصار إليها إلا عند استنفاد كافة الوسائل الإيجابية، مع التيقظ الدائم لعدم إفراز عاهات نفسية وسلوكية أشد خطراً، تحصر صورة الباري عز وجل في قالب الكيان المرعب الراغب في التعذيب.
ومن أوجب الواجبات على الآباء والأمهات والمربين استبدال تلك الأدوات القسرية بأساليب التحبيب وبناء الروابط الوجدانية؛ فالنفس متى أحبت خالقها بذلت وسعها في التماس مرضاته وكرهت مخالفته بدافع الوفاء والتعظيم، لا بدافع الرهبة المحضة؛ وتلك هي الغاية التربوية العظمى التي أرساها لقمان في تذييل كل وصية ببيان حكمتها العميقة وأثرها المبارك. وحين تنبثق الطاعة من نبع المحبة، ويتحول التدين إلى استشعار واعٍ لأسرار التشريع الرباني، ينشأ جيل مستقر في يقينه، منشرح الصدر بربه، ومقبل على عمارة الحياة بروح إيمانية سوية تفيض بالرحمة والجمال.
