يصدع التنزيل الحكيم في سورة المعارج ببيان حقيقة نفسية وسلوكية متجذرة في أصل الخلقة الإنسانية: {إِنَّ الْإِنسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ} [المعارج: 19-23].
تشير هذه الآيات الكريمة إلى جانب تكويني يعكس موطن الضعف البشري المجرد، والموسوم بالهلع؛ وهو داء نفسي باطن تظهر آثاره جلية في الممارسة السلوكية، حيث فسرته الآيات بذاتها تفسيراً بيانياً قاطعاً: سرعة الجزع والانهيار عند ملامسة المكروه، وسرعة البخل والمنع والاستئثار عند إقبال النعم ومس الخير.
إن هذا التذبذب الحاد بين الجزع والمنع يمثل برهاناً على الهشاشة الروحية؛ إذ لو امتلك الإنسان متانة معنوية وحصانة إيمانية، لما سقط في وهدة الانفعال المفرط الذي يفقده السيطرة على مشاعر الحزن عند نزول البلاء، ولما تورط في شح مطبق يدفعه إلى حرمان الآخرين من أدنى انتفاع بالفضل الذي أفيض عليه.
أداة الاستثناء وتفكيك الحتمية التكوينية
حين يقرر القرآن الكريم وجود هذا الضعف التكويني، فإنه لا يدعو الإنسان إلى الاستسلام العاجز له كقدر حتمي لا فكاك منه، بل يفتح باب التحرر والارتقاء عبر أداة الاستثناء الحاسمة: {إِلَّا الْمُصَلِّينَ}؛ مما يبرهن على أن الطبيعة البشرية قابلة للتهذيب والترقية متى ما اتصلت بروافد التربية الإلهية.
غير أن الملاحظة الميدانية تفرض إشكالاً واقعياً: لماذا نجد شريحة غير قليلة ممن يقيمون الصلاة يقعون في عين الهلع، فيجزعون عند المحنة ويمنعون عند الرخاء؟
تتكفل سورة الماعون ببيان موطن هذا الخلل عبر تشخيص إيجازي صارم: {فَوَيْلٌ لِّلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَن صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ} [الماعون: 4-7]. فالعلة لا تكمن في جوهر الصلاة، بل في كيفية التعاطي معها؛ حيث تحولت عندهم إلى طقس شكلي يقع على هامش الاهتمامات اليومية، يؤدونه بفتور وسهو وغفلة عن مقاصده، فجاءت صلاتهم منزوعة الروح والأثر، عاجزة عن كبح الرياء أو منع الاستئثار والشح.
وفي المقابل، ترسم سورة المعارج خريطة تفصيلية متكاملة توضح كيف تبني الصلاة الواعية حصانة النفس، محددةً خمسة أركان تسهم في استئصال الهلع وإعادة صياغة الإنسان.
ديمومة الصلاة ورعاية الحضور القلبي
تستهل سورة المعارج أركان التزكية بالتركيز على إقامة الصلاة الحقيقية، جاعلةً الميزة الفارقة للمستثنين هي الاستدامة: {الَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ}؛ وهي حالة تباين السهو والغفلة المقرعين في سورة الماعون.
ثم تختم السورة أوصافهم بمراعاة الكيف والحفظ: {وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ}؛ والحفظ هنا يتضمن العناية الفائقة بشروطها، وأوقاتها، وخشوعها، وجعلها أولوية حاكمة تنتظم في فلكها سائر شؤون الحياة، حتى تتغلغل مفاهيم الخضوع والمناجاة في وجدان المصلي، وتصنع له توازناً داخلياً يدفع عنه اضطراب الجزع.
الحق المعلوم ومأسسة التكافل الاجتماعي
ينتقل البناء القرآني من محراب العبادة الفردية إلى ميدان المسؤولية الاجتماعية: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ} [المعارج: 24-25].
ويفصّل المنهج المعصوم أبعاد هذا البذل فيما رواه ثقة الإسلام الكليني في (الكافي) عن أبي بصير، حيث كان جمع من أصحاب الأموال في محضر الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع)، فبادرهم الإمام بتقرير أصل تربوي حاسم مبيناً أن من يقتصر على إخراج الزكاة الواجبة لا يستحق الفخر والمديح، لكونه يؤدي فرضاً قانونياً محتماً تترتب على تركه مؤاخذات شرعية وتبعات دنيوية وأخروية، ثم عقب (ع) قائلاً: “وإنّ عليكم في أموالكم غيرَ الزكاة”، فلما استفسر أبو بصير مستفهماً عما يترتب عليهم وراء الفريضة، أجابه الإمام مستشهداً بالآية: “سبحان الله، أما تسمع الله عز وجل يقول في كتابه: {وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَّعْلُومٌ لِّلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ}؟ قال: قلت: ما ذاك الحق المعلوم الذي علينا؟ قال: هو الشيء يعمله الرجل في ماله، يعطيه في اليوم، أو في الجمعة، أو في الشهر، قلّ أو كثر، غير أنه يدوم عليه”.
وهذا التأصيل يحول العطاء إلى منهج تضامني دائم، يكسر عقدة الشح النفسي ويقوض خصلة المنع التكوينية.
تفعيل اليقين الأخروي والرقابة الذاتية
يتصل الركن الثالث بترسيخ الرؤية الغيبية في السلوك اليومي: {وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ وَالَّذِينَ هُم مِّنْ عَذَابِ رَبِّهِم مُّشْفِقُونَ إِنَّ عَذَابَ رَبِّهِمْ غَيْرُ مَأْمُونٍ} [المعارج: 26-28].
فالتصديق المطلوب هنا يتجاوز المعرفة العقلية الباردة أو الإقرار اللساني المجرد الذي يشترك فيه أغلب الناس، ليتحول إلى يقين قلبي حي واستشعار دائم لعظمة الحساب والميزان؛ والمصدق الحقيقي لا يركن إلى الأمان الزائف أو الغرور بالعمل، بل يعيش حالة من الوجل الواعي والخشية المستمرة، مما يولد رقابة ذاتية صارمة تمنعه من الانزلاق وراء البغي والعدوان في الخلوات والجلوات.
ضبط النزوات وتطهير الغريزة
تنتقل الآيات في ركنها الرابع لمعالجة الطاقة الغريزية التي تمثل إحدى أعنف القوى الدافعة للانحراف الأخلاقي إن تُركت بغير لجام: {وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَىٰ أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ فَمَنِ ابْتَغَىٰ وَرَاءَ ذَٰلِكَ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْعَادُونَ} [المعارج: 29-31].
فالتحكم في الغريزة وحصرها في مداراتها الشرعية المنضبطة يبرهن على سيادة الإرادة العاقلة على الشهوات الفائرة، ويصون كرامة الفرد والمجتمع من التفكك والانحلال، محولاً الطاقات الحيوية إلى عمارة عفيفة للأسرة والحياة.
تقوى المعاملات ووفاء العهود
يختتم النص القرآني هذه المنظومة التزكوية بأخلاقيات التعامل المدني والاجتماعي: {وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ وَالَّذِينَ هُم بِشَهَادَاتِهِمْ قَائِمُونَ} [المعارج: 32-33].
وهذا الركن يمتد ليشمل كافة العلاقات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية؛ فرعاية الأمانة وإنجاز العهود والمواثيق وأداء الشهادة بالحق مبادئ مطلقة لا تقبل التجزئة أو الخضوع للأهواء؛ إذ يجب الالتزام بها مع القريب والبعيد، والصديق والخصم، والمسلم والمخالف، دون محاباة أو انحراف.
إن استكمال هذه الحلقات المترابطة -بدءاً من الصلاة الدائمة الخاشعة، ومروراً بالإنفاق الدوري المتكافل، واليقين الأخروي الفاعل، وانضباط الغرائز، وحفظ العهود والشهادات- هو السبيل الأوحد لتجاوز علل الخلقة وإسقاط نزعات الهلع والجزع والمنع؛ لتستقر النفس في مرفأ التوازن الإنساني الرفيع، وتستحق في ختام المطاف الوعد الإلهي الخالد بالكرامة الأبدية: {أُولَٰئِكَ فِي جَنَّاتٍ مُّكْرَمُونَ} [المعارج: 35].
