{يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ ۝ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ} [هود: 74-75].

أرسل الله سبحانه وفداً من الملائكة إلى خليله إبراهيم (ع) لغايتين؛ الأولى لحمل البشارة إليه وإلى زوجه سارة بمولود مبارك على الرغم من تقدمهما في السن وبلوغهما مرحلة الشيخوخة، والأخرى لإبلاغه بالقرار الإلهي القاضي بإنزال العذاب الحاسم بقوم لوط.

وفي تلك اللحظة المفصلية، يتدخل نبي الله إبراهيم (ع) في حواره مع الملائكة ومناجاته لربه، محاولاً التوسط لدرء ذلك العذاب المستأصل أو تأجيله على أقل تقدير؛ التماساً لفسحة زمنية إضافية لعل تلك النفوس الشاردة تثوب إلى رشدها وترتدع عن غيها.

ولم يقابل التنزيل الحكيم هذا الإلحاح بالتقريع أو الإنكار، بل خلد الموقف بثناء إلهي عاطر على خصال إبراهيم الثلاث:

جاء الوصف الأول ببيان أنه {لَحَلِيمٌ}، مؤكداً بلام التوكيد؛ والحليم هو الذي يتأنى ولا يستفزه الغضب لإنزال العقوبة العاجلة بالخصوم أو الانتقام منهم، بل يملك زمام نفسه ويضبط انفعالاته وردود أفعاله في أحلك الظروف.

وجاء الوصف الثاني بأنه {أَوَّاهٌ}، أي كثير التأوه والتوجع؛ دلالة على رقة قلبه، وفيض مشاعره، واستشعاره لآلام الخلق وتطلعه لنجاتهم بوجدان حي.

أما الوصف الثالث فهو أنه {مُّنِيبٌ}، أي دائم الرجوع إلى ربه في سائر أطواره؛ فما كان جداله في شأن المعذبين منازعة للإرادة الإلهية أو اعتراضاً على حكمها، بل كان شفاعة عبد محب ورجاء نبي رحيم يلتمس الرحمة لمن ضلوا الطريق.

فداحة الجرم وموقف الرحمة الرسالية

تكتمل أبعاد هذه العاطفة الرسالية حين نستحضر مستوى الانحطاط السلوكي والجرائم الشنيعة التي انغمس فيها قوم لوط بنص القرآن الكريم؛ حيث واجههم نبيهم قائلاً: {أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّنَ الْعَالَمِينَ ۝ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ} [الأعراف: 80-81]، مسرفون في الذنوب كماً ونوعاً.

كما فضح التنزيل عدوانهم وقطعهم لسبل التجارة والمسافرين ومجاهرتهم بالمنكر في أنديتهم، حتى قابلوه بالتحدي الوقح: {ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ إِن كُنتَ مِنَ الصَّادِقِينَ} [العنكبوت: 29]، وكذبوا دعوة المرسلين بأسرها.

ومع بلوغ أولئك القوم هذا الدرك السحيق من الفساد والمجاهرة، ظل قلب إبراهيم (ع) ينبض بالشفقة عليهم راجياً بقاءهم وإمهالهم عسى أن تدركهم الهداية؛ وفي هذا الثناء الإلهي على حنين قلبه رسالة واضحة ترسم النموذج الإنساني الرفيع الذي يريده الله من عباده المؤمنين.

قسوة التدين المعاصر وشهوة الإفناء

حين نقارن هذا السمت النبوي بواقع شريحة واسعة من المتدينين اليوم، نصطدم بمفارقة مؤلمة؛ إذ تسيطر على نفوس كثيرين مشاعر حادة ونزعات إقصائية عنيفة تجاه من يختلف معهم في الدين، أو المذهب، أو حتى تجاه العصاة والمقصرين من أبناء ملتهم.

فتراهم يستعجلون العقوبة الإلهية، ويلهجون بالدعاء المستمر بهلاك المخالفين واستئصالهم، وإحراقهم، واستئصال شأفتهم من الوجود؛ وكأن مهمة التدين قد تحولت من صناعة الحياة وهداية الخلق إلى ترقب الفناء وسفك الدماء.

وتتداعى هذه المشاعر الانتقامية أمام جملة من الحقائق التوحيدية والتربوية؛ فأولاً: لو أراد الله تعالى إفناء العصاة أو حرمانهم من الوجود في هذه البسيطة لما أعجزه ذلك، وخالق الكون ليس بانتظار أحكامنا وتمنياتنا القاصرة ليقرر مصائر عباده.

وثانياً: إن الله عز وجل هو العليم بحكمة بقائهم، وأدرى بحالهم ومآلاتهم؛ فهو سبحانه المحيي والمميت، والواجب الإيماني يقتضي التسليم لحكمته: {لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء: 23].

وثالثاً: إن سنّة الله التكوينية قائمة على إخراج الحي من الميت؛ فكم من عاصٍ أو جاحد خرجت من صلبه أجيال صالحة ومؤمنة غدت منارات للهدى وحصوناً للحق في الأرض.

ورابعاً: إن الأولى بمن يملك غيرة على الدين أن يفرغ طاقته وجهده في إصلاح الفاسدين ودعوتهم إلى الرشاد بالحكمة والموعظة الحسنة والكلمة الطيبة، بدلاً من التحريض عليهم وتمني زوالهم.

وخامساً: إن الإنصاف يفرض على كل إنسان أن يشتغل بعيوبه وأخطائه الذاتية، ويفتش في مواضع تقصيره قبل أن ينصب نفسه قاضياً يوزع الهلاك على عباد الله.

بين استثناء نوح وشمولية إبراهيم

قد يتشبث البعض بالدعاء النبوي الوارد على لسان نوح (ع): {وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} [نوح: 26]، لتسويغ خطابات اللعن والاستئصال المعاصرة؛ والتحقيق العلمي يسقط هذا القياس الفاسد من جهتين أساسيتين:

فمن جهة، لا يمكن مقارنة تجربة أي إنسان بتجربة نوح الرسالية الفريدة؛ إذ لبث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، يدعوهم ليلاً ونهاراً، وسراً وجهاراً، مستنفداً كافة سبل الصبر والبيان دون كلل.

ومن جهة أخرى، فإن نوحاً (ع) لم يدعُ بتلك الدعوة إلا بعد وحي إلهي قاطع أبلغه بانقطاع نسل الإيمان فيهم، وبعد يقين مطلق بطبيعة مصيرهم كشفه القرآن: {إِنَّكَ إِن تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا} [نوح: 27]؛ فمن ذا الذي يملك اليوم مثل هذا الإحاطة الغيبية بالجائرين وذرياتهم ليحكم عليهم بالفناء الأبدي؟

إن جوهر الإيمان يكمن في استلهام ذلك الحس الإنساني المرهف، والحلم الواسع، والإنابة الصادقة التي تجلت في إبراهيم الخليل (ع) حين جادل في مصير العصاة؛ ليكون المسلم نبراساً للرحمة، لا أداة للبطش والغلظة.

وحين ينشغل الدعاة بإصلاح مجتمعاتهم بالتي هي أحسن، متلمسين الأعذار للناس وراجين لهم الفلاح، تنكشف غشاوة القلوب، وتستحيل بذور الشقاق إلى رياض إيمان وألفة تسع عباد الله أجمعين.

الشيخ علي حسن

View all posts