تحدّث أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) عن البدعة في مواضع متعدّدة من خطبه ووصاياه، مبيّناً خطورتها الفائقة، وأثرها التدميري على الدين وحياة المجتمعات، ومحذّراً من تمظهراتها التي تفتك بالأمة، كما ورد جلياً في نصوص “نهج البلاغة”.
ففي الكلمة الثالثة والخمسين بعد المئة، يضع الإمام تحذيراً قاطعاً يقرن فيه البدعة بأخطر الكبائر والموبقات: “فَالْحَذَرَ الْحَذَرَ أَيُّهَا الْمُسْتَمِعُ، وَالْجِدَّ الْجِدَّ أَيُّهَا الْغَافِلُ، وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ… لَا يَنْفَعُ عَبْداً -وَإِنْ أَجْهَدَ نَفْسَهُ وَأَخْلَصَ فِعْلَهُ- أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا لَاقِياً رَبَّهُ بِخَصْلَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا: أَنْ يُشْرِكَ بِاللَّهِ فِيمَا افْتَرَضَ عَلَيْهِ مِنْ عِبَادَتِهِ، أَوْ يَشْفِيَ غَيْظَهُ بِهَلَاكِ نَفْسٍ، أَوْ يَعُرَّ بِأَمْرٍ فَعَلَهُ غَيْرُهُ، أَوْ يَسْتَنْجِحَ حَاجَةً إِلَى النَّاسِ بِإِظْهَارِ بِدْعَةٍ فِي دِينِهِ”. وهذا يبيّن بصورة حاسمة خطورة الابتداع حين يُتخذ وسيلة لتحصيل المكاسب الدنيوية والجاه الزائف.
الشريعة الثابتة وحتمية محاصرة المحدثات
يؤكّد الإمام (ع) في الكلمة السادسة والسبعين بعد المئة ضرورة الالتزام الصارم بالشريعة، ورفض العبث في منظومة الحلال والحرام: “وَاعْلَمُوا عِبَادَ اللَّهِ، أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَسْتَحِلُّ الْعَامَ مَا اسْتَحَلَّ عَاماً أَوَّلَ، وَيُحَرِّمُ الْعَامَ مَا حَرَّمَ عَاماً أَوَّلَ، وَأَنَّ مَا أَحْدَثَ النَّاسُ لَا يُحِلُّ لَكُمْ شَيْئاً مِمَّا حُرِّمَ عَلَيْكُمْ، وَلَكِنَّ الْحَلَالَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَالْحَرَامَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ… وَإِنَّمَا النَّاسُ رَجُلَانِ: مُتَّبِعٌ شِرْعَةً، وَمُبْتَدِعٌ بِدْعَةً، لَيْسَ مَعَهُ مِنَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بُرْهَانُ سُنَّةٍ، وَلَا ضِيَاءُ حُجَّةٍ”.
ويكشف في الكلمة الخامسة والأربعين بعد المئة المعادلة الجدلية بين السنن والبدع قائلاً: “وَمَا أُحْدِثَتْ بِدْعَةٌ إِلَّا تُرِكَ بِهَا سُنَّةٌ، فَاتَّقُوا الْبِدَعَ، وَالْزَمُوا الْمَهْيَعَ، إِنَّ عَوَازِمَ الْأُمُورِ أَفْضَلُهَا، وَإِنَّ مُحْدِثَاتِهَا شِرَارُهَا”.
ثم يُفصح في الخطبة الخمسين عن الجذر النفسي والسياسي لنشوء الفتن في المجتمعات: “إِنَّمَا بَدْءُ وُقُوعِ الْفِتَنِ أَهْوَاءٌ تُتَّبَعُ، وَأَحْكَامٌ تُبْتَدَعُ، يُخَالَفُ فِيهَا كِتَابُ اللَّهِ، وَيَتَوَلَّى عَلَيْهَا رِجَالٌ رِجَالاً عَلَى غَيْرِ دِينِ اللَّهِ”.
ويرسم في الكلمة السابعة والثمانين صورة تنفيرية كاشفة للمتلبّسين بالعلم والتدين وهم في جوهرهم دعاة ابتداع وضلال: “وَآخَرُ قَدْ تَسَمَّى عَالِماً، وَلَيْسَ بِهِ، فَاقْتَبَسَ جَهَائِلَ مِنْ جُهَّالٍ، وَأَضَالِيلَ مِنْ ضُلَّالٍ، وَنَصَبَ لِلنَّاسِ أَشْرَاكاً مِنْ حَبَائِلِ غُرُورٍ، وَقَوْلِ زُورٍ، قَدْ حَمَلَ الْكِتَابَ عَلَى آرَائِهِ، وَعَطَفَ الْحَقَّ عَلَى أَهْوَائِهِ، يُؤْمِنُ النَّاسَ مِنَ الْعَظَائِمِ، وَيُهَوِّنُ كَبِيرَ الْجَرَائِمِ، يَقُولُ أَقِفُ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ وَفِيهَا وَقَعَ، وَيَقُولُ أَعْتَزِلُ الْبِدَعَ وَبَيْنَهَا اضْطَجَعَ، فَالصُّورَةُ صُورَةُ إِنْسَانٍ، وَالْقَلْبُ قَلْبُ حَيَوَانٍ، لَا يَعْرِفُ بَابَ الْهُدَى فَيَتَّبِعَهُ، وَلَا بَابَ الْعَمَى فَيَصُدَّ عَنْهُ، وَذَلِكَ مَيِّتُ الْأَحْيَاءِ”.
ما وراء الفرعيات: تفكيك البدع الكبرى المعطلة للأمة
تؤكّد هذه النصوص العميقة أنّ مسألة البدعة لا تنحصر عند حدود اختراع ممارسة شعائرية محدودة؛ كابتداع صلاةٍ بهيئة مخترعة لم تؤثر في الدين فينشرها صاحبها بين العامة متقرباً بها إلى الله في ظاهر الحال، مع كون ذلك من البدع المذمومة المنهي عنها شرعاً بغير شك. غير أنّ هذا النمط الشعائري الفرعي أقل شأناً من أن يُقرن بجرائم الشرك وسفك الدماء وتهييج الفتن الكبرى؛ فما هي إذن البدع الأشد خطورة التي قصدها أمير المؤمنين (ع) والمنضوية تحت التحذير النبوي الصارم: “كل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار”؟
تتصدر بدعة “الإرجاء” طليعة الانحرافات الفكرية الخطيرة في تاريخ الإسلام، حيث نشأت لتبرير الفسوق والمظالم والجرائم السياسية تحت دعوى أنّ حقيقة الإيمان تقتصر على التصديق الذهني المجرد، وأن العمل الصالح مجرد كماليات لا تمس أصل النجاة الأخروية. وقد تسربت هذه النزعة الخطيرة بأشكال متجددة حتى يومنا هذا، فتجد من يبرر ترك الصلاة أو التحلل من الأحكام الشرعية بدعوى أن “الإيمان محله القلب” ولا عبرة بالعمل والظاهر.
وقد جاهد أئمة أهل البيت (ع) لدحر هذا التصور المنحرف وتثبيت تلازم الإيمان بالعمل والورع؛ ومصداق ذلك وصية الإمام الباقر (ع) لجابر الجعفي حين قال بحزم: “يا جابر، أيكتفي من ينتحل التشيّع أن يقول بحبنا أهل البيت، فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه… يا جابر، لا تذهبنّ بك المذاهب، أحسب الرجل أن يقول: أحب علياً وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالاً؟… فلو قال: إني أحب رسول الله -فرسول الله صلى الله عليه وآله خير من علي- ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئاً، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عز وجل وأكرمهم عليه أتقاهم وأعملهم بطاعته، يا جابر، والله ما يُتقرب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة وما معنا براءة من النار”. فكيف يستقيم هذا البيان الصادق مع ما يشيعه بعض الخطباء والشعراء من مقولات توهن العزائم وتهوّن المعاصي بدعوى أن “حب علي حسنة لا تضر معها سيئة”؟ وهو عين ما حذر منه الإمام علي (ع) في ذم من “يؤمن الناس من العظائم ويهون كبير الجرائم”.
رهبانية التواكل واختلال ميزان العمران
برزت بدعة أخرى مبكرة تسعى لفك الارتباط المتوازن بين متطلبات الدنيا وواجبات الآخرة عبر الدعوة إلى التبتل السلبي وترك السعي المعاشي. وقد وُئدت هذه النزعة في مهدها النبوي حين شكت امرأة تفرغ زوجها الدائم للعبادة وقطيعته لأهله، فخرج النبي (ص) مغضباً يجر رداءه دلالة على عظم الخطر، حتى صعد المنبر معلناً: “لم يرسلني الله بالرهبانية، ولكن بعثني بالحنيفية السمحة، أصوم وأصلي وألمس أهلي، فمن أحب فطرتي فليستن بسنتي، ومن سنتي النكاح”.
وتجددت هذه النزعة لاحقاً فواجهها الإمام الصادق (ع) بوعي رسالي صريح؛ فعن معلى بن خنيس قال: سأل أبو عبد الله (ع) عن رجل وأنا عنده فقيل: أصابته الحاجة، قال: فما يصنع اليوم؟ قيل: في البيت يعبد ربه، قال: فمن أين قوته؟ قيل: من عند بعض إخوانه، فقال أبو عبد الله (ع): “والله للذي يقوته أشد عبادة منه”. فتأمل كيف تسهم بدعة الانقطاع التواكلي في هدم الأسر، وتفشي الفقر والجهل، وشل الاقتصاد، وتوليد الأزمات الاجتماعية.
بدعة الجور في القضاء ونسف مقاصد الرسالات
حين يقرر أمير المؤمنين (ع) أن “ما أحدثت بدعة إلا تُرك بها سنة”، فإن أوضح تطبيقات ذلك يتجلى في بدعة الانحراف القضائي؛ فالسنة النبوية الراسخة قامت على المساواة المطلقة والعدل غير المشروط بين المتقاضين، بغض النظر عن دياناتهم أو أنسابهم أو مراكزهم الاجتماعية، انطلاقاً من التوجيه القرآني الصارم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَىٰ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ} [المائدة: 8].
فتكون البدعة المضادة هنا هي إدخال التمييز والطبقية والمحاباة في إصدار الأحكام والفصل في الخصومات؛ وهي بدعة تقوّض المقصد الجوهري من إرسال الأنبياء وإنزال الكتب السماوية، المصرّح به في قوله تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ} [الحديد: 25]. ومثل هذا الانحراف يُسقط هيبة العدالة ويهدم أركان الاستقرار والسلم المجتمعي.
لا مراء في إجماع المسلمين على حرمة الابتداع في الدين، غير أن استحضار نصوص النبي (ص) وعلي (ع) يكشف أن حقيقة البدعة أعمق وأشمل من الخلافات الفرعية المحدودة؛ إذ يمتد خطرها المباشر ليمس البنى الفكرية الكبرى، كالتوحيد والعدل، وتلازم الإيمان بالعمل، والموازنة الحضارية بين عمارة الأرض وطلب الآخرة، والنزاهة في القضاء والحكم، وهي الركائز الأساسية التي ينهض عليها بناء الأمة وسلامة مسيرتها.
