تضمّنت وصية الإمام موسى بن جعفر الكاظم (ع) لصاحبه الجليل هشام بن الحكم منظومة معرفية متكاملة حول قيمة العقل، وحجيته الذاتية، ودوره المحوري في بناء شخصية الإنسان المؤمن وتوجيه سلوكه. ومن بين الدرر الحكمية التي اشتملت عليها هذه الوصية قوله (ع): “يَا هِشَامُ! لَوْ كَانَ فِي يَدِكَ جَوْزَةٌ وَقَالَ النَّاسُ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ، مَا كَانَ يَنْفَعُكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا جَوْزَةٌ، وَلَوْ كَانَ فِي يَدِكَ لُؤْلُؤَةٌ وَقَالَ النَّاسُ إِنَّهَا جَوْزَةٌ، مَا ضَرَّكَ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهَا لُؤْلُؤَةٌ”.

بشارة العقل وفضيلة التواضع المعرفي

لفهم المقصد العميق لهذا التوجيه، ينبغي الرجوع إلى صدر الوصية وسياقها التأسيسي؛ إذ يروي هشام بن الحكم قائلاً: قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر (ع): “إِنَّ اللهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بَشَّرَ أَهْلَ الْعَقْلِ وَالْفَهْمِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ: {فَبَشِّرْ عِبَادِ ۝ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ ۚ أُولَٰئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ ۖ وَأُولَٰئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ}”. والاتباع للأحسن هنا لا يتحقق عفوياً، بل عبر التدبر الواعي، والنظر الفاحص، والمقارنة المنطقية التي تهدي الإنسان إلى إدراك الحق والعمل بمقتضاه دون عناد أو مكابرة.

ثم ينتقل الإمام (ع) إلى التحذير من آفة الكبر؛ ذلك الحاجز النفسي الخطير الذي يصد المرء عن الإقرار بالحقيقة والرجوع إلى الصواب إذا تبيّن له خطؤه أو قصور علمه، ولا سيما في الميادين العملية المتصلة بالأمر والنهي، مؤكداً: “وَلِكُلِّ شَيْءٍ مَطِيَّةٌ، وَمَطِيَّةُ الْعَاقِلِ التَّوَاضُعُ، وَكَفَى بِكَ جَهْلاً أَنْ تَرْكَبَ مَا نُهِيتَ عَنْهُ”. فالعقل الحق لا ينفك عن التواضع للبرهان والنزول عند حكم الدليل.

ثبات اليقين ومواجهة ضغط الجمهور

انطلاقاً من هذه التوطئة المعرفية، يتضح المعنى الدقيق لتمثيل الإمام (ع) بمفارقة الجوزة واللؤلؤة؛ فالإمام لا يدعو إطلاقاً إلى ازدراء آراء الآخرين أو الاستخفاف بنقدهم، كيف وهو الذي حثّ على استماع القول والتواضع للحقيقة أنّى وُجدت؟ بل يرمي التوجيه إلى تثبيت قاعدة نفسية وفكرية راسخة مفادها: متى ما استفرغ الإنسان وسعه، وتوصّل إلى الحقيقة بالدليل المعتبر، وقامت لديه الحجة الشرعية والعقلية، فلا ينبغي له أن يتزعزع أمام ضغط الكثرة المخالفة، ولا يساوره الحزن لمجرد مباينة الرأي العام، ولا يبدل قناعته إرضاءً للجمهور وتملقاً لمشاعرهم، إلا إذا ثبت له بدليل مكافئ أو أقوى أنه كان في خطأ وشبهة.

وقد تجسد هذا المعنى العملي في الحوار التاريخي الذي نقله الشيخ الكشي بين الإمام علي بن موسى الرضا (ع) وصاحبه يونس بن عبد الرحمن؛ إذ وفد يونس منكسر القلب باكياً جراء ما يلقاه من طعن وتجريح من بعض الشخصيات التي لم توافق متبنياته الفكرية، فخاطبه الإمام مسلياً وموجهاً: “يا يونس، وما عليك مما يقولون إذا كان إمامك عنك راضياً؟… يا يونس، وما عليك أن لو كان في يدك اليمنى درة ثم قال الناس بعرة، أو بعرة فقال الناس درة، هل ينفعك ذلك شيئاً؟ فقلت: لا. فقال: هكذا أنت يا يونس، إذ كنت على الصواب، وكان إمامك عنك راضياً، لم يضرك ما قال الناس”. فالعبرة بالواقع والحق، لا بأهواء الناس وتقلبات أحكامهم.

الحجة والدليل معياراً للمواقف

ترسخ وصية الإمام الكاظم (ع) أصلاً معرفياً رفيعاً قوامه أن المدار الحقيقي في صياغة الآراء، وتبني المفاهيم، واتخاذ القرارات المصيرية، هو الحجة والبرهان والاطمئنان الوجداني، وليس استحسان السواد الأعظم أو استهجانهم.

إن واجب الإنسان العاقل يكمن في الدراسة المتأنية والتقييم الموضوعي للأمور؛ فإذا قامت لديه الحجة البيّنة وحصل له اليقين، لزمه التمسك بذلك الحق والثبات عليه، عالماً أن مدح الناس لا يقلب الجوزة لؤلؤة، وأن ذمهم لا ينزل باللؤلؤة إلى رتبة الخسيس من الأشياء.

الشيخ علي حسن

View all posts