يمثّل إحياء ذكرى المبعث النبوي الشريف محطة سنوية لمراجعة منظومة القيم الإسلامية التأسيسية واستحضار نقائها الأول من منابعها الأصيلة؛ فمع تقادم العهود، وتراكم العادات الاجتماعية والسياسية الموروثة، طال التشوه مفاهيم محورية غيَّرت دلالاتها في الوعي الجمعي. ومن أظهر هذه القيم التي تعرضت للتشويه، في حين احتلت الصدارة في البيان القرآني والمنهج النبوي، مبدأ استقلال التقييم ونفي المحسوبية بشتى أشكالها، سواء في تولي المسؤوليات والمناصب، أو في موازين التقاضي، أو في تحديد المكانة الدينية؛ فلا اعتبار لقرابة، ولا لانتماء قبلي أو حزبي، بل المدار كله على العدالة والاستحقاق والإنصاف.

نصرة بني هاشم وموقف أبي طالب الحاسم

يتجلى هذا الأصل النبوي في أدق صوره التاريخية فيما رواه الشيخ الصدوق في كتاب (صفات الشيعة) وغيره عن الإمام جعفر الصادق (ع)، حين صعد رسول الله (ص) على الصفا يوم فتح مكة وخاطب بني هاشم وبني عبد المطلب على وجه التحديد. ولم يكن تخصيصهم بالنداء اعتباطاً، بل لأنهم عشيرته الأقربون، وأصحاب التضحية الكبرى الذين ناصروه واحتملوا معه أشد فترات الحصار والتضييق في شِعب أبي طالب طوال ثلاث سنوات عجاف، حين أجمعت قريش على مقاطعتهم حتى يسلموا النبي إليهم للقتل، وكان أبو طالب، سيد البطحاء، سدّهم المنيع ودرعهم الواقي.

وتفصح كتب التاريخ والسير، كالطبقات الكبرى لابن سعد، عن عمق تلك الحماية الصادقة؛ فإثر عجز قريش عن مساومة النبي (ص) حين عرض عليهم كلمة الإخلاص: “لا إله إلا الله تملكون بها العرب وتدين لكم بها العجم”، تآمر المشركون على اغتياله. ولما غاب النبي ذات مساء وخشي أبو طالب غدرهم، استنهض فتيان بني هاشم والمطلب، وأمر كل واحد منهم بحمل حديدة صارمة والجلوس إلى كبار طواغيت قريش وفي مقدمتهم أبو جهل بن هشام. وحين تبيّن سلامة النبي في الصباح، وقف بهم أبو طالب أمام أندية قريش كاشفاً عن سيوفهم متوعداً بإفناء الخصوم جميعاً لو مسّ النبي سوء، فانكسرت شوكة القوم وخضع كبراؤهم.

خطاب الصفا وإسقاط الامتيازات الأسرية

ورغم هذا الرصيد التاريخي الهائل من الدماء والتضحيات، وميل الطبائع البشرية -ولا سيما في الأعراف القبلية والسياسية القديمة والمعاصرة- إلى منح الأقربين وحملة الرايات حصة الأسد من الغنائم والمناصب عند التمكين والانتصار، وقف النبي (ص) يوم الفتح ليؤسس منطقاً تشريعياً وأخلاقياً لا يقبل المساومة، فقال لهم بشفقة الناصح الأمين: “إني رسول الله إليكم، وإني شفيقٌ عليكم؛ لا تقولوا إنّ محمداً منّا، فوالله ما أوليائي منكم -ولا مِن غيركم- إلا المتّقون”. لقد أعلنها النبي صراحة أن القرابة الدموية ليست صكاً للنجاة، ولا مسوغاً لاحتكار المكتسبات، قاطعاً دابر أي تطلع لامتيازات فئوية تخالف العدالة المطلقة.

وقد سار أئمة أهل البيت (ع) على هذا النهج النبوي الحاسم في تصحيح المفاهيم وتجريد الإيمان من التواكل العرقي والمذهبي؛ ومن ذلك قول الإمام محمد الباقر (ع) لصاحبه جابر الجعفي: “يا جابر، والله ما نَتقرّب إلى الله عزّ وجلّ إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار، ولا على الله لأحدٍ من حجّة، مَن كان لله مطيعاً فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصياً، فهو لنا عدوّ، وما تُنال ولايتُنا إلا بالعمل والورع”. وكتب الإمام الصادق (ع) إلى عبد الله بن جندب موصياً: “يا ابن جندب، بلّغ معاشرَ شيعتنا وقُل لهم: لا تذهبنّ بكم المَذاهبُ، فواللهِ لا تُنال ولايتُنا إلّا بالورع والاجتهادِ في الدنيا، ومُواساةِ الإخوان في الله، وليس مِن شيعتنا من يَظلمُ الناسَ”.

الحقيقة الأخروية والمسؤولية الفردية

يمضي البيان النبوي على الصفا ليربط السلوك الدنيوي بالمصير الأخروي المحتوم، محذراً قرابته من الغفلة الدنيوية: “ألا، فلا أعرفُكم تأتوني يوم القيامة تحملون الدنيا على رقابكم، ويأتي الناس يحملون الآخرة؛ ألا وإني قد أعذرت فيما بيني وبينكم، وفيما بين الله عز وجل وبينكم، وإنّ لي عملي ولكم عملكم”.

وهذا الموقف النبوي الصارم هو التجسيد الحي للحقيقة القرآنية الراسخة في سورة المؤمنون: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ ۝ فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ۝ وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَٰئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ} [المؤمنون: 101-103]. فالمسؤولية أمام الله مسؤولية شخصية مستقلة، تسقط دونها كل دعاوى الأنساب والأحساب والانتماءات الجغرافية والسياسية.

إن بعثة المصطفى (ص) هي التجلي الأتم لرحمة الله بعباده: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ} [الأنبياء: 107]، وتلك الرحمة لم تكن مجرد مشاعر مجردة، بل تكرست في تزكية النفوس وبناء مجتمع قوامه العدل ونبذ المحاباة؛ فالاحتفاء الحق بذكرى المبعث يقتضي الخروج من دائرة الاستذكار الشكلي إلى تفعيل القيم النبوية الحاكمة، وفي مقدمتها إقامة ميزان القسط، وتجريد التقييم الديني والاجتماعي من أهواء الولاءات الضيقة، والثبات على محكم الوصية النبوية: “فوالله ما أوليائي منكم -ولا مِن غيركم- إلا المتّقون”.

الشيخ علي حسن

View all posts