ترتبط الألقاب المشهورة لأئمة أهل البيت (ع) في غالبيتها العظمى بالبُعد الأخلاقي المتأصل في ذواتهم الشريفة؛ فالإمام الحسن هو حليم أهل البيت تجسيداً لفضيلة الحلم، والإمام جعفر بن محمد هو الصادق عنواناً للصدق، والإمام موسى بن جعفر هو الكاظم لكظمه الغيظ، والإمام محمد بن علي هو الجواد لفيض جوده، والإمام علي بن محمد هو النقي لطهارته ونقائه، والإمام الحسن بن علي هو الزكي لتزكية نفسه وسموها.

ولا يعني ذلك أبداً خلو بقية الأئمة (ع) من هذه النعوت الأخلاقية السامية؛ إذ نجد من ألقاب الإمام الحسين (الزكي والطيب)، ومن ألقاب الإمام علي بن الحسين السجاد (العَدل)، ومن ألقاب الإمام محمد الباقر (الأمين والصابر)، ومن ألقاب الإمام علي بن موسى الرضا (الوفي). غير أن الشيوع والاقتران العرفي بهذه الألقاب تحديداً يكشف عن حقيقة وجدانية كبرى: إن الناس بطبيعتهم يشدّهم السلوك الأخلاقي العملي في الشخصية قبل كل شيء، وأكثر مما تسترعيهم سائر الخصال العلمية أو المكانية المجردة.

الجمال الأخلاقي ورصيد الإنسان الحقيقي

كثيراً ما نجد في التاريخ وفي واقعنا المعاش من يُعد من أهل الدين والعلم والوجاهة، لكنه يفسد أثره ومكانته في القلوب بسبب غياب هذا البعد القيمي في تعاطيه مع الناس. ويصور المؤرخ اليافعي في كتابه (مرآة الجنان وعبرة اليقظان) هذا التناقض ببراعة حين ترجم لأحد كبار العلماء في عصره قائلاً: “كان تامَّ الشكل، حسنَ الهيئة، جيدَ الذهن، كثيرَ العلم، إماماً في المذهب… وعُيّن للقضاء”؛ وهذه كلها صفات جليلة تأخذ بالألباب، غير أنه يستدرك كاشفاً مكمن العلة: “لكن في خُلقه زعارة، وعنده قوةُ نفس، وقلةُ إنصاف، وله أخبارٌ في نفوره وزعارته”.

ومن هنا يبرز الفهم العميق لما دعا به الإمام زين العابدين (ع) في دعاء مكارم الأخلاق بالصحيفة السجادية: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ المُتَّقِينَ”؛ ثم يحدد معالم تلك الحلية وتفاصيل هذه الزينة: “فِي بَسْطِ الْعَدْلِ، وَكَظْمِ الْغَيْظِ، وَإطْفَاءِ النَّائِرَةِ، وَضَمِّ أَهْلِ الْفُرْقَةِ، وَإصْلاَحِ ذَاتِ الْبَيْنِ، وَإفْشَاءِ الْعَارِفَةِ، وَسَتْرِ الْعَائِبَةِ، وَلِينِ الْعَرِيكَةِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ، وَسُكُونِ الرِّيحِ، وَطِيبِ الْمُخَالَقَةِ، وَالسَّبْقِ إلَى الْفَضِيلَةِ”. إنها الأبعاد الجمالية التي تبني بها الشخصية الإنسانية حضورها وتأثيرها.

شواهد حية من مدرسة السبط الشهيد (ع)

وفي ظلال ذكرى مولد ريحانة رسول الله وسيد شباب أهل الجنة، الإمام الحسين (ع)، تتجلى لنا شواهد ناطقة من سيرته التطبيقية تبين كيف تترجم هذه المبادئ إلى واقع عملي باهر:

يروي المحدث الزرندي الحنفي في كتابه (نظم درر السمطين في فضائل المصطفى والمرتضى والبتول والسبطين) عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين، عن أبيه الحسين (ع) أنه قال: “لَو شَتَمَني رَجُلٌ في هذِهِ الأذُنِ -وأومَأَ إلَى اليُمنى- وَاعتَذَرَ لي فِي الاخرى، لَقَبِلتُ ذلِكَ مِنهُ؛ وذلك أنّ أمير المؤمنين علي بن أبي طالب حدَّثَني أنه سمع جدِّي رسولَ الله (ص) يقول: لا يَرِدُ الحوضَ مَن لَم يَقبل العُذر، مِن مُحقٍّ أو مُبطِل”. إنه أعلى درجات سعة الصدر وتجريد النفس من نوازع الانتقام ورد الإساءة.

ويوثق الشيخ عباس القمي في كتابه (نَفَس المهموم) مشهداً بليغاً يعكس هذا الفيض القيمي، حيث يروي عصّار بن المصطلق قائلاً: دخلت المدينة فرأيت الحسين بن علي، فأعجبني سمته ورواؤه -أي حسن منظره وبهاؤه- فأثار من الحسد ما كان يخفيه صدري لأبيه من البغض، فقلت له: أنت ابن أبي تراب؟ فقال (ع): نعم. فبالغت في شتمه وشتم أبيه، فنظر إليّ نظرة عاطف رؤوف، ثم قرأ: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ ۝ وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ ۝ إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِّنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ ۝ وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ}. ثم قال لي مترفقاً: “خفّض عليك، أستغفر الله لي ولك، إنك لو استعنتنا لأعنّاك، ولو استرفدتنا لرفدناك، ولو استرشدتنا لأرشدناك”. قال عصّار: فتوسم مني الندم على ما فرط مني، فقال (ع): {قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ ۖ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ ۖ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}، ثم أضاف يسأل: “أمِن أهل الشام أنت؟” قلت: نعم، فقال (ع): “شنشنة أعرفها من أخزم، حيّانا الله وإياك، انبسط إلينا في حوائجك، وما يعرض لك تجدني عند أفضل ظنك إن شاء الله تعالى”. قال عصّار: فضاقت علي الأرض بما رحبت، ووددت لو ساخت بي، ثم سللت منه لواذاً، وما على الأرض أحب إلي منه ومن أبيه.

من مكارم الأخلاق إلى تماميتها: الارتقاء بالقيم

تجسد هذه المواقف النواة الجوهرية للحديث النبوي الشهير: “إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق”؛ فالقضية في الإسلام لا تقف عند حدود بث الفضائل الأولية كالصدق والأمانة والعدل، بل تتجاوزها إلى تحقيق مرتبة التمام والكمال عبر مسارين متكاملين:

المسار الأول هو تقديم الأرقى أخلاقياً عند التزاحم والمفاضلة؛ ولهذا وصف الله عباده الأبرار بقوله: {وَعِبَادُ الرَّحْمَٰنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا} [الفرقان: 63]. فمن مقتضى الخلق الفاضل ألا تقابل الجهل بالجهل، ولكن من تمام الأخلاق وعلوّها أن تقابل العدوان بالسلام، كاشفاً عن صفاء معدنك وطمأنينة سريرتك. وكذلك قوله تعالى: {فَاصْفَحْ عَنْهُمْ وَقُلْ سَلَامٌ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ} [الزخرف: 89]؛ فالصفح أرفع قدراً من العفو، لأن العفو إسقاط للعقوبة المستحقة، بينما الصفح هو محو أثر الإساءة من النفس وترك اللوم والعتاب كأن الذنب لم يكن، ثم يُتوّج ذلك بالصفح الجميل الذي فسره أمير المؤمنين (ع) بأنه: “الرضا بغير عتاب”.

أما المسار الثاني فيتمثل في تزيين الأحكام الشرعية بالآداب الرفيعة لتطييب القلوب؛ ويتضح ذلك في تشريعات الطلاق قبل الدخول؛ حيث بين القرآن الحكم الحقوقي المجرد في شأن استحقاق نصف المهر المفروض، ثم رفعه إلى الأفق الأخلاقي الأسمى بقوله: {وَأَن تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَنسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ} [البقرة: 237]. وتأكد هذا الإتمام في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا ۖ فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا} [الأحزاب: 49]. فلم يقف التشريع عند إسقاط العدة، بل شرع “المتعة” وجعل السراح “جميلاً” تطييباً لخاطر المرأة، وجبراً لانكسارها النفسي، ودرءاً لألسنة السوء؛ وهو ما يعاكس تماماً الممارسات المؤسفة التي نشهدها في واقع الخلافات الزوجية اليوم من تراشق بالسباب وتنازع حتى على أبسط الهدايا.

التزكية مقصداً رسالياً وأسوة عملية

إن الأخلاق في المفهوم الإسلامي ليست مجرد سلوك نفعي أو تزيين ظاهري، بل هي الغاية الكبرى التي انطلقت الرسالات السماوية لترسيخها، كما قرر التنزيل: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ} [الجمعة: 2]. فالتربية وتزكية النفس تمثلان المرتكز لإخراج البشرية من ظلمات الجهل والأنانية إلى نور الهداية والفضيلة، وهو ما كان ثمرة لدعاء إبراهيم وإسماعيل عليهما السلام عند رفع القواعد من البيت العتيق: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129].

وقد تحققت هذه النقلة بتمامها في شخص رسول الله (ص) وسيرته العطرة، وجسدها أئمة أهل البيت (ع) من بعده مصاديق حية ونماذج شاخصة في واقع الناس؛ فكانوا عنواناً لصفاء الروح، ونقاء اليد، ولين الجانب، وسمو الأخلاق، حتى استحقوا تلك النعوت التي خلدتهم: الحليم، والصادق، والكاظم، والجواد، والزكي، والنقي، والعدل، والأمين. ويبقى التحدي الإيماني قائماً أمام كل من يدّعي ولاءهم والاقتداء بهم: هل نحن سائرون حقاً على خطاهم في تطهير النفوس وكظم الغيظ وطلب الفضيلة، أم نكتفي بالانتساب المجرد دون العمل بآدابهم ومكارمهم؟

الشيخ علي حسن

View all posts