يمثّل الدعاء جوهر العبودية والصلة المركزية التي تشد الإنسان المؤمن إلى خالقه جل وعلا، وهو أفق رحب لا ينبغي أن ينحصر في أوقات المحن ونزول الشدائد؛ بل يكمن كماله في استدامة التوجه والتضرع في كل آن.

ويتجلى هذا المعنى بوضوح في الثناء الإلهي العاطر على نبي الله زكريا (ع) وأهل بيته؛ حيث علّل القرآن الكريم استجابة دعائه بخصال إيمانية متكاملة، فقال سبحانه: {وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ ۝ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا ۖ وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} [الأنبياء: 89-90]. فالكرامة الإلهية باستجابة النداء لم تكن وليدة لحظة اضطرار عابرة، بل كانت ثمرة اعتياد القلوب على المناجاة في مختلف الأحوال: {وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا}؛ في الرخاء والشدة، ومع الرجاء والخوف، وبقطع النظر عن طبيعة الحاجة الآنية أو الظرف الراهن.

استدامة المناجاة والتحصن الاستباقي

يؤصّل أهل البيت (ع) لهذه القيمة التعبدية في سلوك المؤمن اليومي؛ فقد ورد عن الإمام محمد الباقر (ع) أنه كان يقول: “ينبغي للمؤمن أن يكون دعاؤه في الرخاء نحواً مِن دعائه في الشدّة، ليس إذا أُعطي فتر. فلا تملّ الدعاء، فإنّه من الله عزَّ وجل بمكان”؛ مبيناً أن للدعاء منزلة كبرى وموقعاً مركزياً في تقييم منزلة العبد وقربه من ساحة القدس.

ويتجاوز التوجيه الإيماني مجرد الاستمرار في الدعاء إلى فضيلة استباق النوازل والمحن قبل وقوعها؛ إذ ينقل عن الإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع) قوله الحكيم: “لم أرَ مثلَ التقدّم في الدعاء؛ فإنّ العبد ليس تحضُره الإجابةُ في كلِّ ساعة”. فالتقدم بالضراعة في أوقات العافية بمثابة درع وقائي، وتحصين استباقي يشبه اللقاح الذي يدفع غوائل الأوبئة ويهيئ النفس لتحمل الصدمات إن نزلت بها خطوب الزمان.

حكمة التدبير والتسليم لقضاء الله

جُبل الإنسان على العجلة، وكثيراً ما يتوهم أن حقيقة الإجابة تقتضي نيل المراد فوراً على نسق مشيئته المحدودة؛ غير أن الإيمان الحق يفرض الإيقان بأن شؤون الكون ومصائره تخضع لحكمة أزلية تتشابك فيها الأسباب وتتداخل فيها المصالح والآثار مع أطراف متعددة، إلى جانب أبعاد غيبية لا يحيط بها علم المخلوقين. ومصداق ذلك ما تلهج به النفوس في الأسحار: “وَلَعَلَّ الَّذِي أَبْطَأَ عَنِّي هُوَ خَيْرٌ لِي لِعِلْمِكَ بِعَاقِبَةِ الأُمُورِ”؛ فالواجب على العبد أن يرفع حاجته إلى مولاه، ثم يفوّض الأمر إليه ويرضى بما قسم، سواء أوافق ذلك رغباته العاجلة أم باينها.

ويعكس مسار نبي الله زكريا (ع) هذا الرضا المطلق بأجلى صوره؛ فلم يُرزق بالولد في ريعان شبابه وقوته، بل امتد به العمر حتى وهن العظم منه واشتعل الرأس شيباً، وبلغت زوجته سن العقم؛ وطوال تلك العقود لم يفتر لسانه عن الرجاء والدعاء، مستسلماً لمشيئة ربه، وراضياً بما قُدّر له، ثابتاً على خضوعه سواء تحققت أمنيته البشرية في نهاية المطاف أم لم تتحقق.

ضراعة القلوب وأمل العبور الوطني

مع إشراقة عيد الفطر المبارك لهذا العام في ظل ظروف دقيقة وتحديات تمر بها دولة الكويت، تبرز الحاجة الإيمانية الماسة إلى تعزيز التضرع الصادق ورفع أكف الدعاء إلى الباري عز وجل؛ فكما كان التوجه إليه سبحانه حاضراً في أيام الرخاء، فإنه في أوقات الشدائد أوجب وآكد.

ونسأل الله تعالى أن يسدد خطى القيادة الحكيمة لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يحفظ هذا الوطن المعطاء من كل سوء ومكروه؛ وكما تجاوزت سفينة الكويت عواصف ومخاضات سابقة بثبات وعزيمة، فإن الثقة راسخة بأن تعبر اليوم كافة التحديات لترسو في موانئ الأمن والسلام والازدهار، واللهم اجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

الشيخ علي حسن

View all posts