يمارس الناس في حركتهم الفكرية نوعين متباينين من الشك؛ شكاً مذهبياً مطلقاً، وشكاً منهجياً علمياً. ويكمن الفرق الجوهري بينهما في الغاية والمسار؛ فالأول يستحيل غاية في ذاته تُفضي إلى العدمية والانغلاق، بينما يشكل الثاني أداة عقلانية تتوسل الفحص والتمحيص وصولاً إلى اليقين والحقيقة.

الشك المذهبي وغواية العدمية

يقوم الشك المذهبي أو المطلق على اتخاذ الشك طريقة ثابتة يلتزمها الإنسان على الدوام، مسبغاً عليه ضرباً من التقديس حتى يصير مذهباً يُدان به وغاية قائمة برأسها، بدلاً من كونه جسراً لبلوغ المعرفة. فيشك صاحب هذا المسلك في كل شيء؛ في وجوده الذاتي، وفي العالم المحيط به، بل ويتمادى ليشهد الشك في شكه نفسه. ولا مراء في أن هذا النمط مسار باطل ومذموم عقلاً وشرعاً؛ لأنه يقوض بديهيات الفكر ويسقط صاحبه في هوة التناقض السلوكي.

وقد شهد التاريخ نماذج صارخة لهذا التيه؛ ففي العصر العباسي برز صالح بن عبد القدوس داعية إلى هذا النمط السفسطائي، حتى وضع كتابه “الشكوك”، مدعياً أن قارئه سيشك فيما مضى وكأنه لم يقع، وفيما لم يحدث وكأنه واقع. فلما فُجع بموت ولده وبكى عليه بحرقة، ألزمه أحد العلماء بالحجة الفطرية قائلاً له بتهكم منصف: شك في موت ابنك، واعمل على أنه لم يمت.

وتجلت هذه الحالة الوجودية الحائرة في الأدب المعاصر، كما في قصيدة “الطلاسم” للشاعر إيليا أبو ماضي، حين قال متخبطاً في بدائه الوجود:

جئت، لا أعلم من أين، ولكني أتيت

ولقد أبصرت قدامي طريقاً فمشيت

وسأبقى ماشياً إن شئت هذا أم أبيت

كيف جئت؟ كيف أبصرت طريقي؟

لست أدري!

أجديد أم قديم أنا في هذا الوجود؟

هل أنا حر طليق أم أسير في قيود؟

هل أنا قائد نفسي في حياتي أم مقود؟

أتمنى أنني أدري ولكن… لست أدري!

إلى أن يختم حيرته بإعلان العجز:

إنني جئت وأمضي وأنا لا أعلم

أنا لغز… وذهابي كمجيئي طلسم

والذي أوجد هذا اللغز لغز أعظم

لا تجادل -ذا الحِجا- من قال إني… لست أدري!

وهذا لعمري أبلغ توصيف لحياة الضياع واللاهدفية حين يعطل العقل عن وظيفته في إدراك الغايات الكبرى.

الشك المنهجي كمعبر إلى اليقين

في المقابل، ينهض الشك المنهجي كأداة بحثية موضوعية؛ حيث يطرح الباحث القضية موضع المساءلة في صحتها وبطلانها، أو وجودها وعدمها، متجرداً عن القناعات المسبقة والأهواء الذاتية، ثم ينطلق في رحلة استدلالية رصينة، متناولاً الفروع والمقدمات واحدة تلو الأخرى، ولا ينتقل من مرتبة إلا بعد قيام الحجة والبرهان. وهذا النمط وسيلة راشدة متى ما اقترنت بالتجرد التام والنزاهة العلمية، دون أن يُتخذ الشك ذريعة للتهرب من التكليف والمسؤولية.

ولعل في الحوار القرآني البديع عن نبي الله إبراهيم (ع) إشارة جلية إلى توظيف هذا الأسلوب لإلزام الخصوم وبلوغ التوحيد الخالص: {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَىٰ كَوْكَبًا ۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ ۝ فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَٰذَا رَبِّي ۖ فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِن لَّمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ ۝ فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَٰذَا رَبِّي هَٰذَا أَكْبَرُ ۖ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ}، لتستقر الرحلة على ناصية اليقين المطلق: {إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ۖ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [الأنعام: 76-79].

وهذا المنهج الاستدلالي الصارم هو عين ما تتبناه الدراسات الفقهية والأصولية الرصينة؛ إذ تؤسس على تفكيك المسألة والبحث فيها من نقطة الصفر عبر موازين الأدلة حتى الوصول إلى النتيجة الاجتهادية المستندة إلى الحجة المعتبرة.

أمانة التوجيه وخطر الجمود المعرفي

إن الشك العلمي حين يكون دافعاً للبحث الجاد يغدو مطلباً محموداً، مما يستوجب على المربين والآباء ألا يضيقوا ذرعاً بتساؤلات الأبناء وشكوكهم الفكرية والشرعية؛ بل الواجب احتواؤهم بتقديم الأدلة الواعية، أو إرشادهم إلى أهل الاختصاص لسد حيرتهم.

ومن لطائف ما قرره بعض الفقهاء في الموازنة بين آفات التفكير، أن المبتلى بالشك المذهبي قد يكون في مآلاته أقل خطراً على الاجتماع الديني من ذلك المتعصب الذي لا يشك أبداً؛ لأن المستغني عن الشك يقطع بالحكم من أول لمحة، ويبني عقيدته على الشبهات، ويشهد بما لا يعلم، ويتهم المخالفين بغير بصيرة، ويرد الحجج الناصعة كضوء الشمس استكباراً، وهو يحسب في جهله المركب أنه يحسن صنعاً.

ثبات المبدأ ونصرة المقدسات

امتداداً لتحري الحق والدفاع عن ثوابت العدل، تواصل دولة الكويت ثباتها المعهود على نصرة قضايا الأمة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية؛ وتجسد ذلك في الموقف المبدئي الذي عبرت عنه وزارة الخارجية الكويتية بإدانة واستنكار الإجراءات الباطلة التي تمارسها سلطات الاحتلال الإسرائيلي لمنع المصلين من دخول المسجد الأقصى المبارك، مع التأكيد الحازم على أن كامل مساحة الحرم القدسي الشريف، والبالغة مئة وأربعة وأربعين دونماً، حق إسلامي خالص ومكان عبادة لا يقبل القسمة ولا التهويد.

الشيخ علي حسن

View all posts