جاء في دعاء وداع شهر رمضان المبارك من الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين (ع): “اللَّهُمَّ وَأَنْتَ جَعَلْتَ مِنْ صَفَايَا تِلْكَ الْوَظَائِفِ، وَخَصَائِصِ تِلْكَ الْفُرُوضِ، شَهْرَ رَمَضَانَ الَّذِي اخْتَصَصْتَهُ مِنْ سَائِرِ الشُّهُورِ… وَأَجْلَلْتَ فِيهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ الَّتِي هِيَ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ”. والصفايا في اللغة هي الخيار والأنفس بين أقرانها، والخصائص هي الفروض الاستثنائية ذات القيمة الروحية والتشريعية العليا.

لقد اختار الله تعالى لعباده من بين مدارج السنة شهر رمضان، فاصطفاه واجتباه، وأفرغ عليه من القداسة ما جعله مضماراً للتزكية والقرب، ثم توّج هذا الموسم العظيم بدرّته الكبرى؛ ليلة القدر، تلك الليلة التي جعلها القرآن الكريم ترجح في ميزان الفضل عمراً بشرياً بأكمله: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}.

وعي المنحة الإلهية وقيمة الليلة الاستثنائية

حين يتمعن الإنسان المؤمن في مغزى الرسالة الإلهية التي تفيد بأن ساعات ليلة واحدة تفوق في فضلها وثوابها عمراً يتجاوز ثمانين عاماً، يدرك عظم المسؤولية في كيفية التعاطي مع هذا الفيض الرباني. فمن بديهيات المنطق والتعقل ألا يُقابل هذا العطاء بالغفلة أو التسويف، بل بإيلاء الليلة عناية فائقة وتأهباً استباقياً، والتفكير المسبق في وضع خطة عملية دقيقة لقطف ثمارها بالحد الأقصى الممكن.

ومن الأهمية بمكان الالتفات إلى الخطأ الشائع لدى كثيرين، إذ يُظن أن ليلة القدر تنحصر في الهزيع الأخير من الليل أو تبدأ قبل الفجر بساعة أو ساعتين؛ فالبيان القرآني حدد امتدادها الزمني بدقة متناهية حين قال: {سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ}، مما يعني أنها تنطلق مع أول لحظات غروب الشمس وتمتد حتى تباشير الصباح؛ أي ما يقارب إحدى عشرة ساعة كاملة تحفها بركات السماء وتتنزل فيها الملائكة والروح.

التخطيط العبادي وحسن إدارة الساعات

يفرض هذا الامتداد الزمني الشريف على العاقل أن يهيئ برنامجاً عبادياً وروحياً يتناسب مع طول هذه الساعات، حذراً من تضييع دقيقة واحدة فيما لا طائل تحته.

ويمكن تجزئة هذا البرنامج بيسر وتوازن يمنعان الملل والفتور؛ فمن أراد مثلاً أن يصلي مئة ركعة المأثورة في تلك الليلة، يمكنه أداؤها ولو من جلوس، موزعة على فترات متفرقة؛ كأن يصلي في كل ساعة عشرين ركعة لا تستغرق أكثر من نصف ساعة، فيتم هذا العدد المبارك في خمس ساعات موزعة، ويتخلل الفترات الباقية الذكرُ، والدعاء، والاستغفار، وتلاوة القرآن، والتفكر في أحوال النفس والآخرة، وبذلك تكتمل عمارة الليلة بانتظام دون مشقة مفرطة.

زفرات الوداع ورجاء الفكاك من النار

ومع تصرم ليالي الرحمة، يقف العبد بين يدي خالقه مودعاً ومستجيراً برحمته الواسعة، رافعاً أكف الضراعة بالدعاء المأثور:

اللَّهُمَّ إِنَّكَ قُلْتَ فِي كِتَابِكَ الْمُنْزَلِ: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ}، فَعَظَّمْتَ حُرْمَةَ شَهْرِ رَمَضَانَ بِمَا أَنْزَلْتَ فِيهِ مِنَ الْقُرْآنِ، وَخَصَصْتَهُ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ، وَجَعَلْتَهَا خَيْراً مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ. اللَّهُمَّ وَهَذِهِ أَيَّامُ شَهْرِ رَمَضَانَ قَدِ انْقَضَتْ، وَلَيَالِيهِ قَدْ تَصَرَّمَتْ، وَقَدْ صِرْتُ يَا إِلَهِي مِنْهُ إِلَى مَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنِّي، وَأَحْصَى لِعَدَدِهِ مِنَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ؛ فَأَسْأَلُكَ أَنْ تُصَلِّيَ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تَفُكَّ رَقَبَتِي مِنَ النَّارِ، وَتُدْخِلَنِي الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِكَ، وَأَنْ تَتَفَضَّلَ عَلَيَّ بِعَفْوِكَ وَكَرَمِكَ، وَتَتَقَبَّلَ تَقَرُّبِي، وَتَسْتَجِيبَ دُعَائِي، وَتَمُنَّ عَلَيَّ بِالأَمْنِ يَوْمَ الْخَوْفِ مِنْ كُلِّ هَوْلٍ أَعْدَدْتَهُ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ.

الشيخ علي حسن

View all posts