من أسس النجاح في الحياة أن يمتلك الإنسان حُسن إدارة للشأن الاقتصادي الخاص به وبأسرته -إن كان يدير أسرة- وهو ما عُبِّر عنه في بعض الأحاديث الشريفة بعنوان “حُسن تقدير المعيشة”.
الحكمة الحسنية في منهجية طلب الرزق
للإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) حكمة بالغة في هذا الباب، على ما هو المروي عنه أنه قال: “لا تُجاهد الطلبَ جهادَ الغالِب”؛ أي لا تقتحم مجال كسب الرزق وكأنك تدخل ساحة حرب تُريد أن تنتصر فيها، بحيث تجعل طلبَ الرزق كلَّ همِّك واهتمامِك، فتستنزف طاقاتِك ووقتَك وتفكيرَك وصحتَك في ذلك.
“ولا تتّكلْ على القدر اتّكالَ المستسلم”؛ فتترك الأمور على البركة وتنتظر بسكون وتواكل أن يأتيكَ رزقُك دون سعي وعمل.
“فإنّ ابتغاءَ الفضلِ من السُّنّة”؛ إذ إن أصل السعي والعمل لكسب الرزق محمود ومن سنة النبي المصطفى صلى الله عليه وآله.
“والإجمالَ في الطلب من العفّة”؛ فليكن طلبك للرزق معتدلاً ومتوازناً مع سائر مسؤولياتك في الحياة: مسؤوليتك تجاه ربك وآخرتك، وتجاه عائلتك، وتجاه مجتمعك، وتجاه صحتك وبدنك.
“وليست العفّةُ بدافعةٍ رزقاً”؛ أي لا تتصور أن هذا التوازن والتعفف سيضيّع عليك فرصاً مقدرة من الرزق، فإن الرزق بيد الله تعالى ومقاديره نافذة.
“ولا الحرصُ بجالبٍ فضلاً”؛ فالاندفاع المحموم في طلب الرزق بعيداً عن ذلك التوازن القيمي لن يجلب لك رزقاً إضافياً لم يُكتب لك، وحتى إن تحقق فائض مادي بهذا الأسلوب الجشع، فإنك ستفقده بطريقة ما عاجلاً أو آجلاً.
“فإنّ الرزق مقسوم، واستعمالُ الحرصِ استعمالُ المآثم”؛ أي أن هذا الشره والحرص المفرط يعرّض صاحبَه لمخاطر الوقوع في الطرق غير المشروعة والمحرمة لكسب المال، أو يدفعه للظلم والعدوان عند التنافس مع الآخرين في هذا المضمار، أو يكون ذلك الاستغراق على حساب صلاته وزكاته وسائر واجباته ومسؤولياته الشرعية والأخلاقية.
ضغوط الاستنزاف الرأسمالي في الواقع المعاصر
في عالمنا اليوم، هناك مؤثرات قوية تعمل على مدار الساعة لأن توقعَنا في شباك الاستنزاف الدائم لمداخيلنا المالية، بما يتطلّب اللجوء إما إلى تلك الحالة السلبية التي شبّه فيها الإمام الحسن (عليه السلام) من يطلب الرزق كمن يدخل ساحة حرب ضروس ليخرج منها منتصراً، فيكون هذا الطلب المادي المحض كلَّ همّه وحياتِه، وإما الانحدار إلى الطرق غير المشروعة، وهو ما عبر عنه الإمام بدقة متناهية: “استعمالُ المآثم”.
تتضافر عدة عوامل تدفع الفرد نحو هذا الفخ الاقتصادي، ومن أهم هذه المؤثرات: تفشي ثقافة الاستهلاك المظهري، والزخم المتواصل لحملات الإعلان والدعاية التجارية التي تخلق حاجات وهمية، وتسهيل الاقتراض بالفائدة الربوية بما في ذلك التمكين الواسع من بطاقات الائتمان، وإغراء الناس بإمكانية إعادة جدولة الديون وتأجيلها، وهو ما يعني في حقيقته المزيد من تراكم الفوائد المركبة والمضاعفة المترتبة على أصل الدين.
التحصين الوقائي وبناء الثقافة المالية الرشيدة
إن الوقايةَ الحقيقية مِن خلالِ امتلاك الثقافة الاستهلاكية السليمة، والتمتع بالنظرة المتوازنة لدور المال ورسالته في الحياة، خيرٌ من ألفِ محاولةٍ متأخرة للتخلّص من شباك الجشعِ الرأسمالي بعد الوقوع في أسرها وتراكم أعبائها.
