{آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [البقرة:285].
اعتبر الإسلام أن الإيمان بالرسل، والرسالات السماوية، والكتب المنزلة عليهم، يمثل ركناً أساسياً في ثلاثية قواعد الإيمان المتلخصة في توحيد الله، والإيمان بالرسل، والمعاد. وهذا الركن من الإيمان يمثل أساساً في تحقق الهداية والفلاح: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ، أُولَـٰئِكَ عَلَىٰ هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ وَأُولَـٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} [البقرة:4-5].
وتحدث القرآن مراراً -ومنذ بدايات نزوله- عن بعض الأنبياء ورسالاتهم وتجاربهم، وأخبر بوجود غيرهم ممن لم يتعرض لذكرهم وسيرتهم: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا، وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا} [النساء:163-164].
واعتبر القرآن الكريم أن إنكار نبوة ورسالة أحدهم يخل بعنوان الإيمان بالرسالة المحمدية: {إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً، أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا، وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا} [النساء:150-152]. وهكذا فإن الإساءة لأحد منهم عن قصد وعلم تعتبر إخلالاً بالإيمان بالرسالة المحمدية.
التكريم القرآني للمسيح وأمه مريم عليهما السلام
من بين الأنبياء والرسل الذين ذكرهم القرآن الكريم مرات عديدة بكل تبجيل، السيد المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام، وقدمهما على أنهما من آياته: {وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً} [المؤمنون:50].
وإذا كان اليهود قد أساءوا -وما زالوا يسيئون بشدة- للسيد المسيح، ويقذفون والدته المكرمة بأبشع الصفات، فإن القرآن الكريم اعتبر أن السيدة مريم مثلت الطهر والعبودية لله في أسمى معانيها: {وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَىٰ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ، يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ} [آل عمران:42-43].
كما واعتبر القرآن الكريم أن مولد السيد المسيح مثل البشارة بما حمله وجسده من رسالة هداية وخير: {إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّـهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ} [آل عمران:45].
وكما تحدث القرآن الكريم عن السيد المسيح بكل إجلال، تحدث كذلك عن الحواريين الذين آمنوا به ونصروه، فأثنى عليهم، ورفع شأنهم: {فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ، رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلْتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ} [آل عمران:152-153].
تخليد القرآن لتضحيات المؤمنين بالرسالات السابقة
وهكذا تحدث القرآن الكريم عن المؤمنين بالمسيح ورسالته في الأجيال اللاحقة، وخلد معاناتهم في طريق الإيمان والتقوى، ومن ذلك حديثه في سورة البروج عمن تعرض منهم للاضطهاد في أبشع صوره، فما تنازلوا عن إيمانهم. لقد قدمهم القرآن الكريم كنموذج عملي للمؤمنين برسالة نبينا محمد صلى الله عليه وآله، كي يثبتوا في ذات الطريق ويصبروا، ولتؤكد الآيات من جهة أخرى على مبدأ وحدة الرسالات السماوية: {قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ، النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ، إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ، وَهُمْ عَلَىٰ مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ، وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّـهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ…. إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ} [البروج:4-11].
كما تعرض القرآن لسيرة فتية مؤمنين بالرسالة العيسوية، لجأوا إلى الكهف فراراً بدينهم: {نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُم بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى} [الكهف:13]، وكيف أرقدهم الله في ذلك الكهف أكثر من ثلاثمائة سنة، ثم بعثهم، فقدمهم في أروع صورة تتحدث عن الإيمان والتقوى والتضحية والصبر، ليكونوا قدوة أخرى للمؤمنين بالرسالة المحمدية، ولتؤكد من جهة أخرى على مبدأ وحدة الرسالات السماوية.
الإساءة في افتتاحية باريس وازدواجية المعايير الدولية
من كل ما سبق، فإن المتمسك بالإسلام العزيز وبالقرآن الكريم لا يمكنه أن يتغافل عن الإساءات الخطيرة التي وجهها القائمون على افتتاحية الأولمبياد الأخيرة بباريس، والتي تعمدوا فيها تصوير السيد المسيح وحوارييه بأبشع صورة إذ شبهوهم بالشواذ والمتحولين جنسياً، وأقحموا في تلك اللوحة الغنائية المشمئزة كل صور الانحراف والإيحاءات الغرائزية، بما في ذلك تسويق العلاقة الشاذة مع الأطفال، في تحدٍ سافر لمشاعر المليارات من المؤمنين بالإسلام والمسيحية، وغيرهم ممن يقف ضد تلك الصور من الشذوذ والانحراف.
ولا يخفى عليكم أن القائمين على الافتتاحية لو كانوا بدلاً عن ذلك قد أساءوا لليهود أو الكيان الصهيوني الغاصب -عن قريب أو بعيد- لأقيمت الدنيا عليهم ولم تقعد، ولم يبق رئيس دولة غربية أو منظمة عالمية، رياضية كانت أم غيرها، إلا وأدان وهاجم وحرض وهدد وأزبد وأرعد وشهر، ولربما اتخذوا إجراءات عقابية بحق كل من خطط ونفذ. وأما كرامة السيد المسيح عليه السلام والحواريين، ومشاعر المؤمنين بهم، ومواقف الرافضين لصور الشذوذ والانحراف السلوكي والأخلاقي، فليست عند هؤلاء القوم ذات أدنى قيمة.
توغل الأصولية العلمانية وتفكيك المنظومة الأخلاقية للإنسان
إذا كانت اليد اليهودية غير مبرأة من هذه الفعلة الشنيعة، فإن أصابع الاتهام تتوجه نحو (الأصولية العلمانية)، وهو ما حذرت منه مراراً حين أكدت على أن مشروع العلمانية لا يقتصر على فصل الدولة عن الدين، فهذه هي العلمانية الجزئية والممهدة للعلمانية الشاملة التي تعني فصل القيم والأخلاق والدين عن حياة الإنسان ككل.
وما شهدناه في حفل افتتاح الأولمبياد، والترويج خلال السنوات السابقة للشذوذ والجندرة والعلاقة مع الأطفال والحيوانات، والتسويق لشرعنة تعاطي المخدرات، فضلاً عن المسكرات، ما هي إلا حلقة في سلسلة المشروع الخطير لفصل الإنسان عن الدين والقيم الأخلاقية والمبادئ الإنسانية تماماً.

