في المجلد التاسع من كتاب تاريخ بغداد للخطيب البغدادي، وفي مصادر تاريخية أخرى، رُوي عن محمد بن يزيد بن سنان الرهاوي قال: حدثني جدي سنان قال: خرجنا مع علي بن أبي طالب حين توجه إلى الشام، وكان جرير بن سهم التميمي يسير أمامه حادياً وهو يقول:
يا فَرَسي سيري وأُمّي الشاما – واقطَعي الأجفارَ والأعلاما
وقاتلي مَن خَالَف الإماما – إنّي لأرجو إنْ لَقِينا العاما
أنْ نَقتُلَ العاصي والهُماما – وأن نُزيلَ مِن رِجالٍ هاما
فلما انتهت المسيرة ووصلت إلى مشارف المدائن، تمثل جرير ببيت من الشعر قائلاً:
عَفَت الرياحُ على رسومِ ديارِهم – فكأنما كانوا على ميعادِ
فقال له أمير المؤمنين علي بن أبي طالب: كيف قلت يا أخا بني تميم؟ فردّد عليه جرير عجز البيت وصدره. فقال له الإمام: أفلا قلت: {كَمْ تَرَكُوا مِن جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ، وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ، وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ، كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ، فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاء وَالأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنظَرِينَ}. ثم أردف الإمام موضحاً: أي أخي، هؤلاء كانوا وارثين فأصبحوا موروثين، إنّ هؤلاء كفروا النِّعَم فحلَّت بهم النِّقَم. ثم حذّر الجمع قائلاً: إيّاكم وكُفر النعم، كررها ثلاثاً، فتحلّ بكم النقم. ثم نزل الإمام وقال: هيّئوا إليّ ماءً أصبّ عليّ. فاستجابوا وهيّأوا له ماءً، فلما دخل المكان وجد صوراً ونقوشاً مثبتة في الحائط، فقال مستفسراً: كأن هذه كانت كنيسة؟ فقالوا: نعم، كان يُشرَك فيها الله كثيراً؟ فأجابهم الإمام مصححاً: وكان يُذكر فيها الله كثيراً. ثم تحرج عليه السلام وأبى أن يغتسل في ذلك الموضع تنزهاً واحتراماً، فحوّلوا له الماء إلى موضع آخر فاغتسل فيه.
تصحيح الرؤية التاريخية بالمنظور القرآني وسنن الاجتماع
المؤمن الرسالي يشعر دوماً بأن من صميم مسؤوليته الشرعية والأخلاقية تصحيح المفاهيم وتأصيل الرؤى، وإضفاء البعد الإيماني الخاص عليها، لا سيما من خلال عرض الوقائع والأحداث على كتاب الله الكريم. فالشاعر عندما عبر عن اندثار حضارة المدائن وزوال ملك أهلها ببيت من الشعر الجاهلي الرثائي، غفل عن سنة كونية مطردة من سنن الله تعالى في حركة التاريخ وصعود الأمم وسقوطها كما بينها القرآن الكريم.
لذا بادر الإمام عليه السلام إلى قراءة الآيات الشريفة التي تصور حقيقة هذا التحول الحضاري، ثم فسر السنة الإلهية الحاكمة لتلك النتيجة الماثلة أمام أعينهم بتأكيده أن أولئك القوم كفروا النعم فنزلت بهم النقم، محذراً المسلمين ثلاث مرات من مغبة الوقوع في ذات الكفران كي لا تصيبهم ذات العاقبة. إن هذه السنة التاريخية تتكرر دوماً كلما تكررت مقدماتها، كما يقرر الحق جل وعلا: {وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا فَتِلْكَ مَسَاكِنُهُمْ لَمْ تُسْكَن مِّن بَعْدِهِمْ إِلاَّ قَلِيلاً وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ}. وهكذا حول أمير المؤمنين مشهد الأطلال الدارسة إلى درس إيماني وتذكير تربوي يمنع المسلمين من الانزلاق وراء البطر والغرور، مؤكداً أن سنن الله لا تحابي أحداً ولا تختص بالمشركين أو الأمم السالفة وحدها.
الرقي النبوي في لغة التوجيه والخطاب الأخوي
يتجلى في الموقف الأدب الجم والرفيع للإمام عليه السلام في مخاطبة الشاعر الذي قصر في التعبير الدقيق، إذ خاطبه بألطف نداء يفيض محبة وتلطفاً حين قال له: “أي أخي”. وهذا الأسلوب يعلمنا فضيلة الأناة وضبط النفس؛ إذ إن المألوف في ردود الأفعال البشرية في مواقف التوجيه والنصح هو سرعة الاستفزاز، وربما الغضب وإهانة المتكلم تحت لافتة الغيرة على الدين أو الاستعلاء بالمفاهيم، في حين يأمرنا المولى تبارك وتعالى بمنهج الدعوة الرشيد: {ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ}.
إن التصرف الحاد والأسلوب المنفر لا يورثان سوى الجفوة، ويدفعان الطرف المقابل إلى العناد والنفور والتمسك بالخطأ، بينما يفتح التلطف والنداء الأخوي مغاليق القلوب، ويهيئ النفوس لتقبل الفكرة وتصحيح المسار بيسر وطمأنينة.
الإنصاف والموضوعية في الحكم على الآخر
يبرز هذا النص التاريخي سمو خلق الإنصاف في التقييم والحكم على الأشياء والأشخاص. فعلى الرغم من واقع الصراع العسكري والسياسي الحاد الذي عاشه المسلمون في الفترات المتقدمة على تلك الواقعة مع القوى البيزنطية وحلفائها في الشام والعراق منذ عصر النبي صلى الله عليه وآله، واستشهاد جعفر بن أبي طالب الطيار شقيق الإمام على أيدي مقاتليهم في مؤتة، إلا أن الإمام ترفع عن إسقاط تلك الخصومات على مكان العبادة الماثل أمامه.
فعندما تحدث بعض أصحابه بلغة سلبية أحادية مقتصرة على الشرك، قائلين بنبرة الاستنكار: كان يشرك فيها الله كثيراً، أجابهم الإمام بإنصاف وتوازن موضوعي: وكان يذكر فيها الله كثيراً. وهذا الموقف العلوي يمثل تطبيقاً عملياً صارماً للتوجيه الإلهي النازل في محكم التنزيل: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى}.
تجريد معايير النقد من إسقاطات الرضا والسخط
يرتبط هذا الموقف أيضاً بمسألة منهجية دقيقة في كيفية تقييم الأشياء والظواهر؛ ففي حالات كثيرة يتجه نظر الإنسان حين يحب شخصاً أو يوافقه في الفكر إلى تضخيم الإيجابيات وتلميعها، مع التغاضي الكامل عن السلبيات أو التماس الأعذار الواهية لها رغم كثرتها ووضوحها.
وفي المقابل، عندما يتعامل مع من يبغضه أو يخالفه الرأي والمعتقد، ينصب جل اهتمامه وتركيزه على مواضع النقص والزلل، فيسلب الطرف الآخر كل فضيلة ويتجاهل إيجابياته التي قد تكون ساطعة وكبيرة. ولهذا جاء تصويب الإمام ليرسي ميزان العدالة التقييمية بعيداً عن تأثيرات الهوى، مذكراً بأن المكان لم يخلُ من ذكر الله، وهو ما يجسد المقولة الأدبية الرائعة المنسوبة للإمام الشافعي:
وَعَينُ الرِضا عَن كُلِّ عَيبٍ كَليلَةٌ – وَلَكِنَّ عَينَ السُخْطِ تُبدي المَساوِيا
حرمة المقدسات وصيانة دور العبادة من الامتهان
يتضمن امتناع الإمام عن الاغتسال وإزالة وعثاء السفر في أرض الكنيسة احتراماً بالغاً لقدسية بيوت العبادة وتأكيداً على عدم التعرض لها بسوء، وينطوي هذا السلوك الراقي على أبعاد فقهية وتربوية أصيلة.
أول هذه الأبعاد هو عدم الإساءة إلى مقدسات الآخرين ورموزهم، تجنباً لردود الأفعال العكسية التي قد تدفعهم بدافع العناد إلى التعرض لمقدسات المسلمين، عملاً بالنهي القرآني الحاسم: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّواْ اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ}. فالواجب الشرعي على المسلم هو التبليغ والتذكير بالحسنى، وليس الامتهان والتحقير، حتى وإن ظن الفاعل أن سلوكه نابع من الغيرة على دين الله، إذ إن الله تعالى لم يشرع العدوان لحماية توحيده، وترك شأن الحساب النهائي على الانحرافات العقائدية إلى يوم الدينونة والجزاء.
والبعد الثاني يكمن في أن الكنائس والمعابد التوحيدية تعد في أصلها من بيوت الله المخصصة لذكره وعبادته، وقد وصف القرآن الكريم تلك الأماكن في بعض السياقات بعنوان المسجد. ففي قصة أهل الكهف وهم فتية مسيحيون موحدون، وثق القرآن تشييد الكنيسة على كهفهم بقوله: {إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَى أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا}. كما أطلق القرآن على الهيكل والمعبد الذي بناه نبي الله سليمان عليه السلام في بيت المقدس اسم المسجد قبل أن تفتح تلك الأصقاع في عهد الإسلام: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ}.
إن هذه الخصوصية والاحترام الثابت لموضع السجود والذكر الإلهي يظلان قائمين للمكان حتى لو تسربت إليه بعض شوائب الشرك العقائدي، قياساً على المسجد من مساجد المسلمين لو وقعت فيه بدعة أو انحراف، إذ لا تسقط عنه حرمته ووقفيته ولا يجوز تدنيسه أو العبث به. أما حادثة هدم مسجد ضرار في العهد النبوي فلها حيثياتها الاستثنائية الخاصة المرتبطة بالوحي الإلهي الصريح لدفع مؤامرة تفريق الأمة والتآمر العسكري، ولا يجوز سحب حكمها تعسفاً على عموم دور العبادة.
وقد سار أئمة أهل البيت على هذا النهج الفقهي المنفتح؛ ففي صحيحة الحكم بن حكيم قال: سمعت أبا عبد الله الصادق عليه السلام يقول وقد سئل عن جواز الصلاة في البِيَع، وهي دور عبادة اليهود، والكنائس التابعة للمسيحيين، فقال: صلّ فيها، قد رأيتُها، ما أنظفها. فسأله الراوي مستغرباً: أيُصلّي فيها وإن كانوا يُصلّون فيها، بمعنى أنها ليست أطلالاً مهجورة بل تقام فيها طقوسهم الحالية المشتملة على التثليث؟ فأجابه الإمام الصادق بتقرير المبدأ القرآني: نعم، أما تقرأ القرآن: {قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلاً}.
أسس التعايش الإسلامي مع أهل الكتاب
تؤسس مدرسة القرآن الكريم وهدي النبي الأكرم وعترته الطاهرة لمنظومة حضارية تعترف بوجود الآخر من أتباع الرسالات الإلهية وتصون حقوقه، وقد خلع عليهم النص القرآني صفة التكريم بوصفهم أهل الكتاب، وفتح معهم آفاق الحوار المشترك: {وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}.
وقد أثمر هذا التشريع الإنساني تعايشاً سلمياً مديداً امتد عبر القرون بين المسلمين وأهل الذمة والعهد، حتى اعترف كبار مؤرخي اليهود ومفكري النصارى بأن العيش تحت راية الحضارة الإسلامية مثل لهم العصر الذهبي من حيث الأمان المالي والحرية الدينية والكرامة الإنسانية، مقارنة بما عانوه من محاكم التفتيش والاضطهاد العرقي في بيئات أخرى، مما يبرز عظمة النموذج الإسلامي وقدرته على حماية التعددية تحت مظلة العدالة والإنصاف.
أما الصهاينة اليوم، فإنّهم يُمارسون شتّى أنواع الجرائم وأساليب الإبادة والعنصرية بحقّ أهل فلسطين، وآخرُها ما يجري الآن في غزة والضفة والقدس، ولا يُعيرون أيّ اهتمام لأيّة مقدّسات إسلامية أو مسيحية أو أي عنوان من العناوين الإنسانية، وأسفروا عن وجههم القبيح الذي كانوا يتستّرون عليه بأكثر من وسيلة طوال ما يفوق التسعين سنة، لينكشف جزء بسيط من الحقيقة البشعة أمام العالَم المذهول أجمع. وبانتظار اليوم الذي ينتصف فيه أهلُ فلسطين من هذا الطاغوت الكامن على صدورهم وأرضهم ومقدراتهم.

