في سياق استكمال قراءة الحكمة 31 من قسم الحكم من نهج البلاغة التي سُئل فيها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن الإيمان فأجاب بأنه يقوم على أربع دعائم أولها الصبر وثانيها اليقين، نجد أن الإيمان بحاجة ماسة إلى اليقين لكي يرتقي الإنسان في حالته الإيمانية. فاليقين يُعد ركيزة أساسية وقاعدة صلبة، ولولاه لبقي الإنسان متزلزلاً في حالة من الشك والتردد. وللتدليل على ضرورة هذا الارتقاء، نجد نماذج قرآنية واضحة تطلب من المؤمنين تعزيز إيمانهم وتعميقه ليكون راسخاً لا يتزلزل؛ كقوله تعالى في سورة النساء الآية 136: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ). إن هذا الخطاب الموجه لمن آمنوا يؤكد أن المطلوب هو الارتقاء بمستوى الإيمان ليبلغ درجة اليقين التام بأن ما تبناه العبد هو الحق المطلق، بخلاف من يتزلزل قرارهم لكون إيمانهم سطحياً وغير عميق، كما أشارت الآية التي تليها في سورة النساء الآية 137: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً).

كما يتجلى نقص اليقين وضعفه في مواقف أخرى تتطلب حسم الموقف العملي في صراع الحق والباطل، كقوله تعالى في سورة المائدة الآية 51: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ). فمن وسط المؤمنين كان هناك من لم يمتلك اليقين الراسخ الذي يتطابق فيه الموقف العملي مع المتبنى الفكري، فتولى أعداء الإسلام متأثراً بالخوف والتردد، واتفق موقفهم مع الذين في قلوبهم مرض كما وصفهم الله تعالى في سورة المائدة الآية 52: (فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَن تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ). ومن هنا يتبين أن الارتقاء بالإيمان وتحصيل اليقين يمثلان ضرورة حتمية لثبات المواقف وصلاح المسير.

سبل تحقيق اليقين وترسيخ الإيمان

بيّن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في المقطع المذكور من الحكمة أن اليقين ينقسم إلى أربع شُعب وسبل رئيسية يمكن للإنسان من خلالها الوصول إلى مرتبة الرسوخ الإيماني، وهي تبصرة الفطنة، وتأويل الحكمة، وموعظة العبرة، وسنة الأولين.

السبيل الأول: تبصرة الفطنة

يتمثل هذا السبيل في قول الإمام (ع): (عَلَى تَبْصِرَةِ الْفِطْنَةِ… فَمَنْ تَبَصَّرَ فِي الْفِطْنَةِ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ). ويعني ذلك أن يتفكر الإنسان ويتدبر ليكتشف حقائق الإيمان بنفسه لا بالتعليم والتلقي المجرّد، بأن يعمد إلى رحلة فكرية جادة بحثاً عن الحقيقة الكبرى، كرحلة نبي الله إبراهيم (عليه السلام) في تملي الآيات الكونية وصولاً إلى معرفة الخالق الحق كما حكى القرآن الكريم في سورة الأنعام الآيات 76 إلى 79. وكذا كان نموذج الصحابي الجليل أبي ذر الغفاري الذي رجع إلى عقله وفكره وتدبره ليدرك بطلان ما عليه قومه من عبادة الأصنام، فترك الشرك وانطلق يبحث عن الحقيقة الخالصة حتى وجدها عند رسول الله (ص) فآمن برسالته. وقد حث القرآن على هذا النهج الفكري القويم في آل عمران الآيتين 190 و191: (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الأَلْبَابِ… وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ).

السبيل الثاني: تأويل الحكمة

يتبلور هذا السبيل في قول الإمام (ع): (وَتَأَوُّلِ الْحِكْمَةِ… وَمَنْ تَبَيَّنَتْ لَهُ الْحِكْمَةُ عَرَفَ الْعِبْرَةَ). فحيناً يكتشف الإنسان بالتدبر أن وراء هذا الوجود حكمة بالغة، ينتقل للبحث في التاريخ عن النماذج التطبيقية والعملية لهذه الحكمة ليستفيد منها. ولذلك نجد في القرآن الكريم تكرار القصص التاريخية وتجارب الأمم السابقة، كما ختم الله قصة يوسف عليه السلام بقوله في سورة يوسف الآية 109: (أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَدَارُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ اتَّقَواْ أَفَلاَ تَعْقِلُونَ). لتكون هذه القصص شاهداً على نصر الله للمؤمنين عند اشتداد الكرب، كما في الآية 110 من السورة نفسها: (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنَّوُاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُواْ جَاءَهُمْ نَصْرُنَا). فالقصة القرآنية ليست للتسلية أو سرد المعلومات، بل هي هداية ورحمة لترسيخ اليقين والثبات في الظروف العَصيبة.

السبيل الثالث: موعظة العبرة

يتمثل هذا السبيل في قول الإمام (ع): (وَمَوْعِظَةِ الْعِبْرَةِ… وَمَنْ عَرَفَ الْعِبْرَةَ فَكَأَنَّمَا كَانَ فِي الْأَوَّلِينَ). وهنا يتجاوز الإنسان مرحلة معرفة التاريخ إلى مرحلة الاتعاظ الحقيقي وتحويل العبرة إلى واقع عملي معاش، كأنه عاش التجربة بنفسه وخاض تفاصيلها واستخلص منها دروس الاستقامة والصبر.

السبيل الرابع: سنة الأولين

يظهر هذا السبيل في قول الإمام (ع): (وَسُنَّةِ الْأَوَّلِينَ). فبفضل قوة البصيرة والتفكر وعيش تجارب الماضين، يستطيع الإنسان استخراج سنن الله الثابتة في حركة التاريخ والمجتمعات، ليجعله ذلك كالقواعد المنهجية لاكتشاف الموقف الصحيح والثابت وسط متغيرات الحياة وتقلباتها.

ثبات الإمام علي (ع) وفجيعة شهادته

بهذه البصيرة النافذة واليقين الراسخ، خاض أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) تجارب حياته بكل منعطفاتها الشديدة والخطيرة، فبقيت نفسه ثابتة الجَنان، لم يُمِل، ولم يكل، ولم يحد عن جادة الصواب لحظة واحدة، فكان الحق مع علي وعلي مع الحق يميل معه حيثما مال، إلى أن أُريقت دمائه الزكية بضربة الغادر الفاجر في محراب الطاعة، لتفجع البشرية جمعاء برحيل هذه القامة الإنسانية العظيمة:

يا دهرُ ما لكَ -لا أبا لك- في الورى تُدفي اللئامَ وتُبعدُ الأنجابا

فلأي شيءٍ جَدَّ رَيبُكَ طارقاً خَفَضَ الرؤوسَ ورَفَعَ الأذنابا

وبأيِّ ذَحِلٍ جاء يطلب حيدراً حتّى كفاه الحقدُ منه طِلابا؟

دهرٌ بأسهمِهِ عليٌّ المرتضى أضحى المصابَ فجَلَّ فيه مُصابا

شُلّت يمينُك يا ابن ملجمٍ مُذ نَضَت سيفاً لسيفِ الله فَلَّ ذُبابا

وعليه قد ركعَ الحسامُ مصلّياً فدهى الصلاةَ وأفجعَ المحرابا

ونعاه جبريلُ بلوعةِ ثاكلٍ لو مسّت الصخرَ الأصمّ لَذابا

اليومَ عرشُ الدينِ ثُلَّ قوائماً وبه تَداعى أعمُداً وقِبابا

والملةُ البيضاءُ أرْخَتْ بالأسى سُودَ الحَنادِس فوقَها جِلبابا

والعروةُ الوثقى به انفَصَمتْ وقد هتكَ الضَّلالُ مِن الجَلال حِجابا

الشيخ علي حسن

View all posts