استكمالاً لقراءة الحكمة الحادية والثلاثين من قسم الحكم في نهج البلاغة، حيث بيّن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن الإيمان يقوم على أربع دعائم هي الصبر واليقين والعدل والجهاد، نتوقف اليوم عند الدعامتين الأخيرتين وهما العدل والجهاد وما يتبعهما من شعب وآثار.

الدعامة الثالثة: العدل وشُعبه

العدل ركن أساسي من أركان الإيمان، فالايمان والظلم لا يتوافقان بحال من الأحوال. وليس بالضرورة أن يكون الإنسان قاضياً رسمياً لكي يكون عادلاً، فكلما وجد نوع من الاحتكاك والتعامل مع الآخرين، وجدت الحاجة الملحة للعدل وعدم ظلمهم أياً كانوا، بل وحتى لو كان هناك بغض وعداوة بينهم، كما نص القرآن الكريم بوضوح في سورة المائدة الآية الثامنة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاء بِالْقِسْطِ وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ اعْدِلُواْ هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). فالعدل مطلوب في شتى الميادين، سواء في التعامل الاجتماعي مع الناس، أو في المعاملات التجارية والاقتصادية، أو في الأحكام عند الخصومات، أو في الإدارة والمسؤولية.

والعدل هو الذي يحقق الأمن والطمأنينة والاستقرار في مجتمعات البشر. ومن هنا كان أمير المؤمنين (ع) يجهد نفسه طوال الوقت، وحتى في أوقات راحته وخارج ساعات العمل الرسمية، من أجل تحقيق العدالة وإنصاف المظلومين وإحقاق الحقوق. وقد روي عن بعض أهل الكوفة أن سعيد بن القيس الهمداني رآه يوماً في شدة الحر في فناء حائط، فقال: يا أمير المؤمنين بهذه الساعة؟ فقال: ما خرجت إلَّا لأعين مظلومًا أو أغيث ملهوفًا. فبينا هو كذلك إذ أتته امرأة قد خلع قلبها، لا تدري أين تأخذ من الدنيا حتَّى وقفت عليه، فقالت: يا أمير المؤمنين؛ ظلمني زوجي وتعدَّى عليَّ وحلف ليضربني فاذهب معي إليه. فطأطأ رأسه ثم رفعه وهو يقول: لا والله حتَّى يُؤخذ للمظلوم حقه غير متعتع، وأين منزلك؟ قالت: في موضع كذا وكذا. فانطلق معها حتَّى انتهت إلى منزلها، فسلم فخرج شاب عليه إزار ملونة فقال: اتَّق الله فقد أخفت زوجتك. فقال: وما أنت وذاك، والله لأحرقنَّها بالنار لكلامك. وكان الإعتبار أن أمير المؤمنين إذا ذهب إلى مكان أخذ الدُّرة بيده، والسيف معلّق تحت يده، فمن حلَّ عليه حكم بالدُّرة ضربه، ومن حلَّ عليه حكم بالسيف عاجله. فلم يعلم الشاب إلَّا وقد أصلت السيف وقال له: آمرك بالمعروف وأنهاك عن المنكر وترد المعروف؟ تب وإلا قتلتك. وأقبل الناس من السكك يسألون عن أمير المؤمنين (ع) حتَّى وقفوا عليه، فاسقط في يد الشاب وقال: يا أمير المؤمنين أعف عنِّي عفا الله عنك، والله لأكوننَّ أرضًا تطأني. فأمرها الإمام بالدخول إلى منزلها وانكفأ وهو يتلو قوله تعالى: (لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ)، وحمد الله الذي أصلح به بين امرأة وزوجها.

ثم بيّن الإمام (ع) في الحكمة نفسها شعب العدل الأربع فقال: (وَالْعَدْلُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى غَائِصِ الْفَهْمِ، وَغَوْرِ الْعِلْمِ، وَزُهْرَةِ الْحُكْمِ، وَرَسَاخَةِ الْحِلْمِ). ويقصد بغائص الفهم النظرة العميقة الواعية التي لا تقف عند القشور لأن السطحية لا توصل أبداً إلى الحقيقة. وأما غور العلم فيعني امتلاك المعرفة العميق بالأمور لأن المعارف البسيطة قد لا تهدي إلى الحكم السليم الذي يعبر عنه بزهرة الحكم. وأما الشعبة الرابعة فهي رسوخ الحلم، لأن الغضب يفقد الإنسان حكمته ودقته، وقد يدفعه لاتباع الهوى أو التسرع أو السهو أو الانتقام للنفس مما يفقده ميزان العدالة. وقد بين الإمام أثر هذه الشعب في تلازمها بقوله: (فَمَنْ فَهِمَ، عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، وَمَنْ عَلِمَ غَوْرَ الْعِلْمِ، صَدَرَ عَنْ شَرَائِعِ الْحُكْمِ، وَمَنْ حَلُمَ، لَمْ يُفَرِّطْ فِي أَمْرِهِ، وَعَاشَ فِي النَّاسِ حَمِيداً).

الدعامة الرابعة: الجهاد وشُعبه

الدعامة الرابعة التي يقوم عليها الإيمان هي الجهاد، وقد بين الإمام (ع) شعبه بقوله: (وَالْجِهَادُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ، عَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ، وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَالصِّدْقِ فِي الْمَوَاطِنِ، وَشَنَآنِ الْفَاسِقِينَ). والجهاد ليس محصوراً بساحات المعارك والحروب المسلحة فحسب، بل يكون جهاداً مع النفس، وجهاداً في إصلاح المجتمع، ومنطلقه الأساسي هو الشعور الحي بالمسؤولية الإنسانية والدينية، ولذلك فهو يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. وهذا لا يعني بالضرورة استعمال القوة والعنف في كل مفاصل الحياة، بل تستخدم القوة حيث تتطلبها المواقف بحكمة، وليس في كل وقت وفي كل مكان.

وفي المشهد السابق مع الزوج الظالم، نرى أن الإمام خاطب الزوج أولاً بكل لطف وأدب رفيع عندما طلب منه أن يتقي الله في زوجته التي هربت من المنزل من شدة الخوف والظلم. ولكن عندما أبدى الشاب وقاحة واستعراضاً لعضلاته وقوته وارتفاع صوته، استعمل معه الإمام أسلوباً حازماً ومختلفاً، لا بغرض الاستقواء، بل لتقويم الاعوجاج وإصلاح حال تلك المرأة المستضعفة.

كما بيّن الإمام أن الجهاد الحقيقي بحاجة ماسة إلى الصدق في المواطن، بمعنى أن يتحمل الإنسان مسؤوليته الكاملة عند الشدة ولا يتراجع، وألا يكون مجرد صوت عابر أو بوق في أوقات الرخاء والسلام فقط. إضافة إلى ذلك، فإن الجهاد يتطلب وعياً تاماً بخطورة الفسق وقبح أفعال الفاسقين، ليكون ذلك دافعاً له في قوة العزم والمضي في طريق الإصلاح وإلا تعرض للتراخي والتراجع أو المداهنة والانهزام. ولذا أكد الإمام على آثار الأخذ بهذه الشعب بقوله: (فَمَنْ أَمَرَ بِالْمَعْرُوفِ شَدَّ ظُهُورَ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَنْ نَهَى عَنِ الْمُنْكَرِ أَرْغَمَ أُنُوفَ الْكَافِرِينَ، وَمَنْ صَدَقَ فِي الْمَوَاطِنِ قَضَى مَا عَلَيْهِ، وَمَنْ شَنِئَ الْفَاسِقِينَ وَغَضِبَ لِلَّهِ، غَضِبَ اللَّهُ لَهُ، وَأَرْضَاهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ).

استشهد المحراب: مسيرة الجهاد والشهادة في سبيل الله

كان أمير المؤمنين (ع) منذ أن نزلت الآية الكريمة في حق الصادقين: (مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا)، وهو يستشرف الشهادة والقتل في سبيل الله عبر طريق جهاد الأعداء، أو الجهاد في تبليغ رسالة ربه، أو السعي الدؤوب لإرساء دعائم الحق والعدل. وكم تألم الإمام في أواخر حياته المباركة وهو يرى انقلاب الأوضاع وتعرض الأبرياء للقتل والتنكيل في أنحاء دولته على يد العصابات والأوباش الساعين لزعزعة الاستقرار والحكم العادل، فكان يقول بأسى: (أما والله لوددت أن ربّي قد أخرجني من بين أظهركم إلى رضوانه، وإن المنيّة لترصُدُني، فما يمنع أشقاها أن يخضبها؟) واضعاً يده الشريفة على رأسه ولحيته، ومستذكراً عهد النبي الأمي إليه بذلك.

وقد سبق أن أخبره النبي الأعظم صلى الله عليه وآله وسلّم بهذه النهاية العطرة؛ فعن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه قال في خطبة النبي صلى الله عليه وآله في فضل شهر رمضان: فقمت فقلت: يا رسول الله ما أفضل الأعمال في هذا الشهر؟ فقال: يا أبا الحسن أفضل الأعمال في هذا الشهر الورع عن محارم الله عزّ وجلّ. ثم بكى النبي، فقلت: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال: يا علي أبكي لما يستحل منك في هذا الشهر، كأنّي بك وأنت تصلّي لربّك وقد انبعث أشقى الأوّلين والآخرين شقيق عاقر ناقة ثمود فضربك ضربة على قرنك فخضب منها لحيتك. فقلت: يا رسول الله وذلك في سلامة من ديني؟ فقال صلّى الله عليه وآله: في سلامة من دينك.

وهكذا كان تماماً، وارتقى علي شهيداً في مثل هذه الليلة المباركة وهو مصلٍّ في محرابه، لتفقد البشرية قامة الهدى وميزان العدالة:

يا جامعاً شمل الهدى ومفرّقاً بالسيف يوم الخندق الأحزابا

جدّلت عمرواً حين أقدم مُعلِماً متسربلاً قِطَعَ الحديدِ ثيابا

وأخَفْتَ أبطالَ اليهود بضربةٍ قَدَّت لمرحبَ مِغفراً وإهابا

وأقمت قاعدةَ الهُدى بمواقفَ فيها قلعْتَ لِحصنِ خيبرَ بابا

وبيوم بدر قد بَرَزْت مشمّراً للحرب تغرسُ في الصدورِ حِرابا

ونشرْتَ للاسلامِ أرفعَ رايةٍ بالفتح سمّاها النبيُّ عُقابا

وعلى الفراش مبيتُ شخصِك للهُدى أمسى لعِزّة نفسِه وهّابا

درَت البسالةُ يومَ قتلِكَ أنها فَقدَتْكَ ليثَ عرينِها الوثّابا

الشيخ علي حسن

View all posts