1. الإيمان وأركانه الأربعة

يُبين أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الحكمة 31 من قسم الحكم من نهج البلاغة ركائز الإيمان وحقيقته وجوهره حين سُئل عنه فقال: (الْإِيمَانُ عَلَى أَرْبَعِ دَعَائِمَ: عَلَى الصَّبْرِ، وَالْيَقِينِ، وَالْعَدْلِ، وَالْجِهَادِ). هذه الدعائم الأربع تُمثل الأركان الأساسية والأسوار الحصينة التي يقوم عليها بنيان الإيمان، وهي مسألة نسبية ترتقي وتتخندق بقوة هذه الأركان وتماسكها؛ فكلما قويت هذه الأسس في نفس المؤمن، ازداد إيمانه رسوخاً وثباتاً، والعكس صحيح. ولنقف أولاً عند الدعامة الأولى وهي ركن (الصبر) الذي يشكل القوة المعنوية الكبرى في مواجهة مختلف تحديات الحياة.

2. منزلة الصبر وأنواعه الثلاثة

علاقة الصبر بالإيمان وثيقة للغاية، وهي جليّة في النصوص القرآنية؛ كقوله تعالى في سورة آل عمران: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (آل عمران: 200). وقد وصف الإمام علي (ع) مكانته العظيمة بقوله: (الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد، ولا إيمان لمن لا صبر له). وحين نتأمل في طبيعة التحديات التي تواجه الإنسان، نجد أن النبي الأكرم (ص) قد قسّم الصبر وأنواعه إلى ثلاثة أقسام رئيسية.

القسم الأول هو الصبر على المصيبة؛ كفقد الأبناء، أو الأموال، أو الممتلكات، أو فرص العمل، وما شابه ذلك من النوائب التي قد تكسر ظهر الإنسان وتُدخله في حالات من الاكتئاب المستمر، أو تقعده عن العمل، أو تسبب له أمراضاً مهلكة كالجلطات، أو تؤدي به إلى اليأس وفقدان الاتزان وردود الفعل العنيفة. وهنا يأتي الصبر على المصيبة والرضا بقضاء الله وقدره والتسليم المطلق لأمره ليهون الأمر على صاحبه، امتثالاً لقوله تعالى: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).

القسم الثاني هو الصبر على الطاعة؛ إن الإنسان يواجه دائماً عقبات داخلية وخارجية تحاول صدّه عن طاعة الله؛ فإبليس اللعين توعد البشر بالغوغاية قائلاً: (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لَآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَائِلِهِمْ ۖ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ) (الأعراف: 16-17). يضاف إلى ذلك نزعات هوى النفس التي تدفع الإنسان نحو اللهو والتحرر من أعباء الواجبات، وهذا كله يستدعي صبراً جليداً وجهاداً مستمراً يزید المؤمن ارتباطاً بربّه وقوةً واقتداراً.

القسم الثالث هو الصبر عن المعصية؛ فلا يقتصر المشروع الإبليسي ونزعات النفس على التخلف عن الطاعات فحسب، بل يمتد ليشمل الإغواء بالمعاصي وإثارتها والتحريض عليها ووسوستها. ومع اتساع نطاق المغريات الحديثة وسهولة وصولها، أصبح الإنسان يواجه اختبارات قاسية لا تتعلق بالجانب الشهواني الغرائزي فحسب، بل تشمل الانحرافات المالية كالظلم وأكل أموال الناس بالباطل وغير ذلك من المحرمات.

3. شُعب الصبر الأربع في حكمة الإمام (ع)

بيّن الإمام علي (ع) في تمام الحكمة تفصيل شعب الصبر التي تُعين المؤمن على الثبات، فقال: (وَالصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى أَرْبَعِ شُعَبٍ: عَلَى الشَّوْقِ، وَالشَّفَقِ، وَالزُّهْدِ، وَالتَّرَقُّبِ).

فأما الشوق إلى الجنة، فيتمثل في قوله (ع): (فَمَنِ اشْتَاقَ إِلَى الْجَنَّةِ سَلَا عَنِ الشَّهَوَاتِ)؛ فمن ملأ قلبه بحب الجنة ونعيمها هانت عليه شهوات الدنيا وملذاتها المحرمة.

وأما الإشفاق من النار، فيظهر في قوله (ع): (وَمَنْ أَشْفَقَ مِنَ النَّارِ اجْتَنَبَ الْمُحَرَّمَاتِ)؛ والخوف الواعي من عذاب الآخرة يدفع الإنسان لترك المعاصي والآثام.

وأما الزهد في الدنيا، فيتضح في قوله (ع): (وَمَنْ زَهِدَ فِي الدُّنْيَا اسْتَهَانَ بِالْمُصِيبَاتِ)؛ وتعلق القلب بالدار الآخرة يجعل مصائب الدنيا البسيطة وزوالها أمراً هَيناً لا يُقيم له وزناً مفرطاً.

وأما ترقب الموت، فيتلخص في قوله (ع): (وَمَنِ ارْتَقَبَ الْمَوْتَ سَارَعَ إِلَى الْخَيْرَاتِ)؛ واستحضار الأجل القريب يحفز العبد لغتنام الأوقات بالعمل الصالح وعدم التسويف.

4. رسالة الإمام إلى عثمان بن حنيف: التطبيق العملي لشعب الصبر

تتجلى هذه الشعب الأربع بوضوح عملي في الرسالة البليغة التي كتبها أمير المؤمنين (ع) إلى عامله على البصرة “عثمان بن حنيف الأنصاري” حين بلغه أنه دعي إلى وليمة لبعض أثرياء المدينة فمضى إليها، حيث قال فيها: (أَمَّا بَعْدُ يَا ابْنَ حُنَيْفٍ، فَقَدْ بَلغَنِي أَنَّ رَجُلًا مِنْ فِتْيَةِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ دَعَاكَ إِلَى مَأْدُبَةٍ، فَأَسْرَعْتَ إِلَيْهَا تُسْتَطَابُ لَكَ الْأَلْوَانُ، وَتُنْقَلُ إِلَيْكَ الْجِفَانُ).

وقد أشار الإمام (ع) إلى الخلل الحاصل في هذا التصرف من قِبل مسؤول يفترض أن يكون قريباً من الضعفاء والمحرومين من جهة الخلل الاجتماعي والأخلاقي، حيث يقول الإمام (ع): (وَمَا ظَنَنْتُ أَنَّكَ تُجِيبُ إِلَى طَعَامِ قَوْمٍ عَائِلُهُمْ مَجْفُوٌّ، وَغَنِيُّهُمْ مَدْعُوٌّ). ففي هذا الحضور تأييد غير مباشر لطبقة استأثرت بالنعمة وجفَت الفقراء، وفيه محذور الوقوع تحت تأثير المجاملة والمال. ومن جهة شبهة المكسب المالي، فقد يكون هذا الثراء ناتجاً عن عدم أداء حق الله في الأموال، أو اغتصاب حقوق المستضعفين؛ ولذا يوجهه بحزم: (فَانْظُرْ إِلَى مَا تَقْضَمُهُ مِنْ هَذَا الْمَقْضَمِ فَمَا اشْتَبَهَ عَلَيْكَ عِلْمُهُ فَالْفِظْهُ، وَمَا أَيْقَنْتَ بِطِيبِ وُجُوهِهِ فَنَلْ مِنْهُ).

5. الإمام نموذجاً للزهد وترقب الموت والتقوى

قدّم الإمام (ع) نفسه نموذجاً حيّاً ومثاليّاً يحتذى به في تطبيق هذه القيم الرفيعة بقوله: (أَلَا وَإِنَّ لِكُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً يَقْتَدِي بِهِ وَيَسْتَضِي‏ءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، أَلَا وَإِنَّ إِمَامَكُمْ قَدِ اكْتَفَى مِنْ دُنْيَاهُ بِطِمْرَيْهِ، وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَيْهِ). وهو هنا يطبق شعبة الزهد في الدنيا التي تجعل صاحبه يستهين بالمصيبات. ثم يعرج على شعبة ترقب الموت مستحضراً دار الآخرة ومآل الإنسان بالقول: (وَمَا أَصْنَعُ بِفَدَكٍ وَغَيْرِ فَدَكٍ؟ وَالنَّفْسُ مَظَانُّهَا فِي غَدٍ جَدَثٌ تَنْقَطِعُ فِي ظُلْمَتِهِ آثَارُهَا… وَإِنَّمَا هِيَ نَفْسِي أَرُوضُهَا بِالتَّقْوَى لِتَأْتِيَ آمِنَةً يَوْمَ الْخَوْفِ الْأَكْبَرِ). وتتجلى شعبة الشفق من النار والاشتياق إلى الجنة في ترويضه لنفسه الأبيّة لتبقى ثابتة على الصراط المستقيم.

6. الشعب الإضافية: سمو الهمة ومواساة الفقراء

يضيف الإمام (ع) شعبتين رفيعتين لا تتحققان إلا من قِبل النوادر من أصحاب الهمم العالية والنفوس العظيمة كامتداد لروحه الكريمة. الشعبة الأولى تتعلق بمواساة الفقراء والمحتاجين، حيث يقول (ع) رافضاً الترف والانغماس في المأكل المشبع بينما حوله جياع: (وَلَوْ شِئْتُ لَاهْتَدَيْتُ الطَّرِيقَ إِلَى مُصَفَّى هَذَا الْعَسَلِ، وَلُبَابِ هَذَا الْقَمْحِ… وَلَكِنْ هَيْهَاتَ أَنْ يَغْلِبَنِي هَوَايَ… أَوْ أَبِيتَ مِبْطَاناً وَحَوْلِي بُطُونٌ غَرْثَى وَأَكْبَادٌ حَرَّى… أَ أَقْنَعُ مِنْ نَفْسِي بِأَنْ يُقَالَ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا أُشَارِكُهُمْ فِي مَكَارِهِ الدَّهْرِ، أَوْ أَكُونَ أُسْوَةً لَهُمْ فِي جُشُوبَةِ الْعَيْشِ؟).

وأما الشعبة الأخرى فتتعلق بعلو النفس والبحث عن المكرمات، حيث ينأى بنفسه عن الانشغال بالملذات البهيمية بقوله: (فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ الْمَرْبُوطَةِ، هَمُّهَا عَلَفُهَا، أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا…)، بل خُلق لمعالية الأمور وطلب السمو والفضيلة.

7. شهادة المحراب: فجيعة البشرية بفقد المرتضى

في مثل تلك الليلة الغراء، امتدت يد الغدر والخيانة لتغتال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع)، فخسرت الإنسانية جمعاء هذه القامة العظيمة وميزان العدالة الإلهية، ليرثيه الشعر بدموع الأسى واللوعة:

يا دهرُ ما لكَ -لا أبا لك- في الورى تُدفي اللئامَ وتُبعدُ الأنجابا

فلأي شيءٍ جَدَّ رَيبُكَ طارقاً خَفَضَ الرؤوسَ ورَفَعَ الأذنابا

وبأيِّ ذَحِلٍ جاء يطلب حيدراً حتّى كفاه الحقدُ منه طِلابا؟

دهرٌ بأسهمِهِ عليٌّ المرتضى أضحى المصابَ فجَلَّ فيه مُصابا

شُلّت يمينُك يا ابن ملجمٍ مُذ نَضَت سيفاً لسيفِ الله فَلَّ ذُبابا

وعليه قد ركعَ الحسامُ مصلّياً فدهى الصلاةَ وأفجعَ المحرابا

الشيخ علي حسن

View all posts