الإنسان بطبيعته الاجتماعية بحاجة ماسة لشخص قريب من قلبه، يبادله الرأي، ويستشيره، ويفضفض إليه، وقد يُطلعه على بعض أسراره، وهو ما يُتحدث عنه غالباً بعنوان “الصديق” أو “الأخ”. وقد أولى الإمام علي (ع) هذا العنوان عناية فائقة في مناسبات عديدة، مقدماً منظومة متكاملة من الوصايا التي تتناول أبعاداً متنوعة لضمان استمرار هذه العلاقة وصيانتها من الانحراف.
1. حُسن الاختيار ومعايير الصديق الحق
من بين المعايير التي تحدث عنها الإمام في حسن الاختيار، الصدق في العلاقة بعدم المجاملة في الخطأ، حيث يقول (ع): (خَيْرُ إِخْوَانِكَ مَنْ كَثُرَ إغْضَابُهُ لَكَ فِي الْحَقِّ) ويقول أيضاً: (خَيْرُ إخْوَانِكَ مَنْ عَنَّفَكَ فِي طَاعَةِ اللهِ). وهذا النهج يبدو للوهلة الأولى مخالفاً للطبع الإنساني الذي يرغب بطبيعته في سماع الثناء والمديح والاطراء، لا النقد والتوجيه. ولكن، بما أن المفترض بهذا النقد أن يكون إيجابياً ومنبعثاً من بنية حسنة وحرص حقيقي، فإنه يُفترض بالمرء أن يرحب بمثل ذلك، وينعكس ذلك إيجاباً على قوة ومتانة العلاقة بين الطرفين. ولكي لا يتحول النقد إلى جرح للمشاعر، ينبغي مراعاة اللطف في المعاتبة والنقد، كما نصح الإمام (ع): “عَاتِبْ أَخَاكَ بِالإِحْسَانِ إِلَيْهِ، وَارْدُدْ شَرَّهُ بِالإنْعَامِ عَلَيْهِ”.
2. العناية بالصديق الحقيقي وعدم التفريط به
يُحذر الإمام (ع) من خسارة الطاقات الطيبة والأصدقاء المخلصين بقوله: (أَعْجَزُ النَّاسِ مَنْ عَجَزَ عَنِ اكْتِسَابِ الإِخْوَانِ، وَأَعْجَزُ مِنْهُ مَنْ ضَيَّعَ مَنْ ظَفِرَ بِهِ مِنْهُمْ). وإنما جعل الشخص عاجزاً لأن كسب الأصدقاء والحفاظ عليهم لا يحتاج إلى بذل الأموال الطائلة، ولا إلى القيام بأعمال عضلية مجهدة وشاقة، وإنما يحتاج إلى أمور يسيرة وجميلة؛ كبشاشة الوجه، والطيب من الكلام في اللسان، والتواصل المستمر، والصدق في العلاقة الأخوية، وكلها أمور متيسرة ومتاحة للجميع. فإذا تكرر من الإنسان إهمال هذه المعايير، كان ذلك مدعاة حتمية لخسارة هذه الصداقات الثمينة.
3. تحمل الزلات وفن استبقاء الود
بما أن الصديق إنسان يعتريه الخطأ والتقصير، فإن صدور الهفوات منه أمر متوقع وطبيعي. ومن أجل الحفاظ على هذه العلاقة في مواجهة العواصف التي قد تعصف بها لكي تستمر وتثمر، ينبه الإمام (ع) إلى ضرورة توطين النفس على تحمل أعباء العلاقة من خلال القواعد التالية:
- عند القطيعة: (احْمِلْ نَفْسَكَ مِنْ أَخِيكَ عِنْدَ صَرْمِهِ عَلَى الصِّلَةِ)؛ فعندما يقطعك الصديق ولا يتواصل، بادر أنت إلى الوصل، ولا تجعل عزة النفس الوهمية تدفعك للمقابلة بالمثل، فأنت لا تعرف ظروفه، وتلك العلاقة أثمن وأسمى من أن تُضحى بها لأجل هفوة.
- عند الجفاء والصدود: (وَعِنْدَ صُدُودِهِ عَلَى اللَّطَفِ)؛ والصد يعني أن ابتعاده مقصود نتيجة موقف ما ضايقه أو جعل العلاقة باردة. هنا ينبغي المبادرة بالتعامل اللطيف الدافئ لا التعامل الخشن المفعم باللوم والعتاب القاسي.
- عند الجمود في العطاء: (وَعِنْدَ جُمُودِهِ عَلَى الْبَذْلِ)؛ فلا ترتّب على عدم مساعدته المادية أو المعنوية لك ردة فعل قاسية ومقابلة بالمثل، بل ليكن حالك معه (حَتَّى كَأَنَّكَ لَهُ عَبْدٌ، وَكَأَنَّهُ ذُو نِعْمَةٍ عَلَيْكَ). ففي كل ذلك نوع من التنازل المحمود وإذلال النفس في غير معصية، ويرى الإمام (ع) أن حفظ الأخوة يستحق هذا التنازل الجميل.
4. ترك سوء الظن ما أمكن
من أهم قواعد صفاء القلوب ودوام المحبة هو اجتناب التفسيرات السلبية والتأويلات الضارة؛ ولذا يضع الإمام (ع) قاعدة ذهبية صريحة: (لَا تَظُنَّنَّ بِكَلِمَةٍ خَرَجَتْ مِنْ أَخِيكَ سُوءاً وَأَنْتَ تَجِدُ لَهَا فِي الْخَيْرِ مَحْمَلاً). فالالتزام بحمل كلمات الأفعال والكلمات على المحامل الحسنة يقي المجتمع المصغر للصداقة من الشكوك والظنون الهدامة.
5. عدم الإنصات للوشاة ومروجي الأقاويل
الوشاية وسعاية الأعداء والمغرضين هي المعول الهادم للعلاقات الاجتماعية. ومن هنا يضع الإمام معياراً حصيناً لحماية الصداقة من التصدع: (مَنْ عَرَفَ مِنْ أَخِيهِ وَثِيقَةَ دِينٍ وَسَدَادَ طَرِيقٍ، فَلَا يَسْمَعَنَّ فِيهِ أَقَاوِيلَ الرِّجَالِ)؛ كالذين يتهمونه زوراً بالإساءة إليك، أو يروجون لأكاذيب تستدعي مقاطعته وقطع صلته. فالاعتماد على المعرفة السابقة بالدين والتقوى هو الفيصل في رد الشبهات.
6. ترك التكلف والتصنع في العلاقة
التكلف هو سمة من سمات التصنع والبعد عن العفوية، ولذلك يحدد الإمام (ع) بدقة طبيعة العلاقات المتعبة بالقول: (شَرُّ الإخْوَانِ مَنْ تَكُلِّفُ لَهُ)؛ أي ذلك الشخص الذي تحتاج في حضرته إلى تكلف وتصنع وتعب في إرضائه والتظاهر بما ليس في الطبيعة، والصديق الحق هو من تأنس بقربه على طبيعتك وسجيتك دون قيود أو مجاملات مرهقة.
7. مسؤولية الصداقة واختبارات الوفاء الثلاثة
تتجلى حقيقة الصداقة في أبهى صورها من خلال الحكمة 134 من نهج البلاغة التي تؤكد: (لَا يَكُونُ الصَّدِيقُ صَدِيقاً حَتَّى يَحْفَظَ أَخَاهُ فِي ثَلَاثٍ: فِي نَكْبَتِهِ، وَغَيْبَتِهِ، وَوَفَاتِه).
الموضع الأول: الحفظ في النكبة والنوائب
المقصود هنا الوقوف العملي الميداني إلى جانب الصديق ومساعدته في تجاوز الأزمات والمشكلات الصعبة. لا أن يكون الشخص صديقاً في أوقات الرخاء والترفيه والسفر والمرح والسرور، ثم يختفي تماماً عند حلول الشدائد والمحن، أو يتعذر بأعذار واهية، بل ربما يتشمّت أو ينقلب ضده. وفي هذا السياق، يُلاحظ كثيراً في الواقع المعاصر كيف أن بعض المشهورين أو من تراجعني ظروفهم المادية والمعنوية، يشكون من جفاء الأخلاب والأصدقاء الذين قضوا معهم أوقات اللهو والملذات، فإذا تغيرت الأحوال تخلوا عنهم ببساطة، في نموذج صارخ للصداقة المصلحية البحتة والنذالة الإنسانية.
الموضع الثاني: الحفظ في الغياب
عندما تكون العلاقة قوية وحقيقية، فإن غياب أحدهما يفرض على الآخر السؤال عنه وتفقّد أحواله، سواء أكان الغياب اضطرارياً أم اختيارياً؛ فالشعور بالإهمال في حال الغياب مؤلم للنفس، لاسيما لو مرت مناسبة كريمة كالعيد ولم يبادر للتهنئة والسؤال. ومن صور الحفظ في الغياب أيضاً التساوي التام بين حال الحضور وحال الغياب؛ فلا يسمح الصديق الوفي بالمساس بعرض أخيه أو الإساءة إليه في غيابه دون وجه حق، بل ينبرى للدفاع عنه ومناصرته. إضافة إلى ذلك، فإن من أعظم صور الحفظ في الغياب هو “الدعاء له بظهر الغيب”. وقد ورد عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: (أَسْرَعُ اَلدُّعَاءِ نُجْحاً لِلْإِجَابَةِ دُعَاءُ اَلْأَخِ لِأَخِيهِ بِظَهْرِ اَلْغَيْبِ يَبْدَأُ بِالدُّعَاءِ لِأَخِيهِ، فَيَقُولُ لَهُ مَلَكٌ مُوَكَّلٌ بِهِ آمِينَ ولك مِثْلاَهُ). وقد ضرب الأصفياء أمثلة حية في ذلك، فعن عيسى بن أعيان أنه كان إذا حج وصار إلى الموقف أقبل على الدعاء لإخوانه حتى يفيض الناس، فقيل له: تنفق مالك وتتعب بدنك حتى إذا صرت إلى الموضع الذي تبث فيه الحوائج إلى الله عز وجل أقبلت على الدعاء لإخوانك وتركت نفسك؟ فقال رضي الله عنه: (إِنِّي عَلَى يَقِينٍ مِنْ دُعَاءِ اَلْمَلَكِ لِي وَفِي شَكٍّ مِنَ اَلدُّعَاءِ لِنَفْسِي).
الموضع الثالث: الحفظ بعد الوفاة
الوفاء الحقيقي لا ينتهي بانتهاء الحياة الدنيا، بل يمتد ليكون الصديق وفياً لذكراه، ولعائلته، لأولاده، لأقربائه، لأبويه، ولكل ما يتصل به رعايةً لحرمة الصداقة. وصور الوفاء بعد الممات عديدة، منها إهداء ثواب الأعمال الصالحة له، والنيابة عنه في الطاعات، والذكر الجميل بالخير، والثناء على مواقفه، وأمثال ذلك من أنواع الوفاء المستدام.
خاتمة: ألم الفراق وحسرة فقد الإخوان الصادقين
إذا ما كملت هذه المواصفات والتزمت هذه الشروط، صار المتصف بها صديقاً صدوقاً، صحيحاً فيما أهّله وادعاه من انشداد وقرب روحي واجتماعي.
ولذا، من الطبيعي أن يتألم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في أواخر أيام حياته المباركة أشد الألم لفقد أمثال هؤلاء الإخوان الأصفياء الذين عُرفوا بالصدق في أخوتهم، فخطب في أصحابه مبيناً لوعته وحسرته بقوله: (ثم قال عليه السلام: أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ بَثَثْتُ لَكُمُ الْمَوَاعِظَ الَّتِي وَعَظَ الْأَنْبِيَاءُ بِهَا أُمَمَهُمْ وَأَدَّيْتُ إِلَيْكُمْ مَا أَدَّتِ الْأَوْصِيَاءُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُمْ وَأَدَّبْتُكُمْ بِسَوْطِي فَلَمْ تَسْتَقِيمُوا وَحَدَوْتُكُمْ بِالزَّوَاجِرِ فَلَمْ تَسْتَوْسِقُوا… أَيْنَ إِخْوَانِيَ الَّذِينَ رَكِبُوا الطَّرِيقَ وَمَضَوْا عَلَى الْحَقِّ أَيْنَ عَمَّارٌ وَأَيْنَ ابْنُ التَّيِّهَانِ وَأَيْنَ ذُو الشَّهَادَتَيْنِ وَأَيْنَ نُظَرَاؤُهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ تَعَاقَدُوا عَلَى الْمَنِيَّةِ وَأُبْرِدَ بِرُءُوسِهِمْ إِلَى الْفَجَرَةِ).
قال الراوي: ثم ضرب بيده الشريفة على لحيته الكريمة فأطال البكاء، ثم قال (عليه السلام): (أَوِّهِ عَلَى إِخْوَانِيَ الَّذِينَ تَلَوُا الْقُرْآنَ فَأَحْكَمُوهُ وَتَدَبَّرُوا الْفَرْضَ فَأَقَامُوهُ أَحْيَوُا السُّنَّةَ وَأَمَاتُوا الْبِدْعَةَ دُعُوا لِلْجِهَادِ فَأَجَابُوا وَوَثِقُوا بِالْقَائِدِ فَاتَّبَعُوهُ).
