قال عز وجل: {إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوْمِهِ أَنْ أَنذِرْ قَوْمَكَ مِن قَبْلِ أَن يَأْتِيَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ… وَاللهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا، ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا}.
وقال عز وجل: {ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ، بَلْ عَجِبُوا أَن جَاءَهُم مُّنذِرٌ مِّنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَٰذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ، أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَٰلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ…. كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَأَصْحَابُ الرَّسِّ وَثَمُودُ، وَعَادٌ وَفِرْعَوْنُ وَإِخْوَانُ لُوطٍ، وَأَصْحَابُ الْأَيْكَةِ وَقَوْمُ تُبَّعٍ كُلٌّ كَذَّبَ الرُّسُلَ فَحَقَّ وَعِيدِ، أَفَعَيِينَا بِالْخَلْقِ الْأَوَّلِ بَلْ هُمْ فِي لَبْسٍ مِّنْ خَلْقٍ جَدِيدٍ}.
تُبيّن لنا الآيات السابقة أن موضوع الإيمان بالمعاد والحياة بعد الموت ويوم القيامة والحساب والثواب والعقاب من العناوين الكبرى التي طرحها الأنبياء عليهم السلام منذ نوح إلى نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وآله، وأنهم كانوا يُواجَهون باستمرار بحالات الرفض والإنكار.
بل إنّ الآيات القرآنية تؤكّد معرفة آدم وحواء بذلك أيضاً، مما يعني أن هذه الحقيقة الإيمانية كانت مطروحة منذ بداية مسيرة النسل البشري الممتد منهما: {وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ، فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَىٰ حِينٍ، فَتَلَقَّىٰ آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}.
ويظهر من خلال تتبّع الآثار المدونة للأمم التي سجّلت شيئاً من معتقداتها في بلاد الرافدين ومصر القديمة وبلاد الإغريق وغيرها من المجتمعات، أنّ الإيمان بالآخرة فرَض نفسه بشكل إجمالي على الوعي الإنساني، على الرغم من موجات الإنكار التي نقلها القرآن عن بعض المكذبين، وإن كان هذا الإيمان قد تعرّض للتحوير والقولبة بالصورة التي تُناسب مصالح أصحاب القوة والنفوذ من الحكّام والكهنة.
تناسخ الأرواح ومحاولة الالتفاف على الحجة العقلية للمعاد
يمكن القول إن اعتقاد بعض الديانات والمذاهب بتقمّص الروح أو تناسخ الأرواح، برجوع الروح إلى الحياة بجسد آخر سواء كان إنسياً أو حيوانياً أو نباتياً، جاء كمحاولة للالتفاف على إحدى الحجج العقلية الكبرى لإثبات المعاد، والمتمثلة في ضرورة محاسبة العصاة والمجرمين وإثابة المحسنين، لكون هذه العدالة لا تتحقق بالكامل عادةً خلال العمر الدنيوي القصير.
تؤمن بالتناسخ أديان ومذاهب متعددة مع تباين في التفسيرات والجزئيات، ومنها الهندوسية والسيخية والبوذية والطاوية والجاينية، وحضارات المايا في أمريكا الوسطى والإنكا في أمريكا الجنوبية، وتيار القبالا في الفكر اليهودي، إضافة إلى الدروز والنصيرية.
وينحو التناسخ في الهندوسية والبوذية منحى العقوبة والمكافأة عبر طبيعة الجسد المستقبلي الذي تحل فيه الروح، أو نوعية الظروف المعيشية التي ستكتنفه رخاءً أو شدة.
ففي الجاينية مثلاً، ينقسم مصير الناس بعد موتهم إلى فئات بحسب ما قدموه في دنياهم:
تُعد الأفعال العنيفة وقتل الكائنات وأكل الأسماك سبباً لولادة إنسان جديد في الجحيم تحل فيه تلك الروح المذنبة.
الخداع والغش والباطل تؤدي جميعها إلى ولادة جديدة في هيئة حيوان أو نبات تستقر فيه الروح العاصية.
اللطف والحنان والتواضع يقود إلى ولادة طفل بشري جديد في هذه الحياة يحمل تلك الروح.
الزهد والتقشف وتقديم النذورات وحفظها يثمر ولادة جديدة لإنسان يعيش في السماء منعماً بروح ذلك الزاهد الصالح.
إشكالية البعث: عودة الروح بمفردها أم عودة الجسد والروح معاً؟
شهد الإيمان بالحياة بعد الموت انقساماً تاريخياً بين القائلين بعودة الروح وحدها واستحالة عودة الجسد، وبين المثبتين لعودة الجسد والروح مجتمعين.
تذكر الموسوعة الكاثوليكية تحت عنوان “قديسو أفسس السبعة” أن عودة أصحاب الكهف إلى الحياة الطبيعية بعد نوم دام أكثر من ثلاثمائة عام كانت تدبيراً إلهياً للانتصار لعقيدة البعث الجسماني، إذ تزامن استيقاظهم مع احتدام الجدل الفكري حول إمكانية قيامة الأجساد، ولم ينحسم الخلاف إلا بمعاينة تلك الواقعة الإعجازية. وقد رغب الملك في تشييد أضرحة من ذهب لهم، بينما رجحت الفئة الغالبة خيار بناء كنيسة فوق الكهف، وهو ما صوره القرآن الكريم بقوله: {وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ فَقَالُوا ابْنُوا عَلَيْهِم بُنْيَانًا رَّبُّهُمْ أَعْلَمُ بِهِمْ قَالَ الَّذِينَ غَلَبُوا عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِم مَّسْجِدًا}.
التصور اليهودي للآخرة بين شح النصوص والغموض
تؤكد نصوص “التناخ” على قدرة الله على إحياء الموتى تحت المصطلح العبري “تحيات ميتيم”، كما تذكر يوم الحساب والدينونة بمصطلح “يوم هادّين”، إلا أن هذه الإشارات تتسم بندرة شديدة، يقابلها نزر يسير في التلمود، مما جعل الفكرة محاطة بالغموض وقابلة لتأويلات متباينة، حتى رأى باحثون أن عقيدة المعاد اليهودية تطورت عبر العصور.
من أبرز تلك النصوص ما جاء في سفر دانيال: “وكثيرون من الراقدين في تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية، وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدي”.
وقد فُسر ذلك بأن غلاة المجرمين يُحرمون من البعث ويهوون إلى جهنم مباشرة، بينما يُعاقب العصاة مدة لا تتجاوز اثني عشر شهراً، وهناك من يلحقهم الخزي عند بعثهم ثم يتلاشون، مع اعتبار الأمراض والمصائب الدنيوية كفارات بديلة عن العذاب الأخروي.
ويقترب هذا من المعنى المستنكر في قوله تعالى: {فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَٰذَا مِنْ عِندِ اللهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ، وَقَالُوا لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ}.
وتذهب مصادر يهودية إلى أن يوم الحساب ليس زمناً أخروياً مفارقاً، بل حقبة دنيوية في آخر الزمان يتطهر فيها اليهود من آثامهم، لتعود البقية الصالحة من موتاهم إلى أرض الميعاد ليعيشوا فيها حياة هانئة.
وعموماً، يتسم الخطاب التوراتي بالإقلال من ذكر الموت، ولعل هذا يفسر التحدي القرآني لهم: {قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِندَ اللهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ}، وقوله تعالى: {قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ، وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ، قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَىٰ عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ}، مع أن القرآن يثبت أن الله خاطب موسى عليه السلام بالمعاد في مستهل بعثته: {فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِيَ يَا مُوسَىٰ، إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى، وَأَنَا اخْتَرْتُكَ فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىٰ، إِنَّنِي أَنَا اللهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي، إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ، فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَن لَّا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَىٰ}.
المفهوم المسيحي للدينونة والملكوت الألفي
يحظى “يوم الدينونة” بحضور بارز في الأدبيات المسيحية، مع ضرورة التفريق بين “يوم القيامة” في المفهوم الإسلامي و”عيد القيامة” (الفصح) الذي يحيي ذكرى عودة المسيح عليه السلام للحياة بعد حادثة الصلب حسب عقيدتهم.
كما تستند الرؤية اللاهوتية إلى قيامة ثانية مرتبطة بآخر الزمان، تتلخص في عودة المسيح لحكم الأرض ألف عام، يُسجن خلالها إبليس في النار ثم يُطلق في نهايتها لاختبار الناس؛ فمن اتبعه هلك، ومن ثبت دخل الجنة الأرضية مع المسيح.
وتقوم الفلسفة المسيحية على أن الإنسان خُلق ليخلد في الأرض، غير أن خطيئة آدم وحواء أفقدت البشرية الخلود وورثت نسلهم الطبيعة العاصية. وينقسم الأموات قبل الدينونة إلى أصناف:
الأشرار الذين ينتهي وجودهم تماماً بالموت دون عودة للحياة.
الصفوة من القديسين البالغ عددهم مائة وأربعة وأربعين ألفاً، وتُرفع أرواحهم إلى السماء بانتظار الدينونة ليكونوا ملوكاً وكهنة يعاونون المسيح في إدارة الأرض.
الذين يُبعثون ليعيشوا في مملكة المسيح الألفية بعد إسقاط خطاياهم السابقة، ليمثل ذلك فرصة أولى للكثيرين للتعرف على الوصايا الإلهية ونيل الخلود إذا نجحوا في اختبار فتنة إبليس بعد إطلاقه من أسره.
ويُسند العهد الجديد للمسيح دور الديان المعين من الله لمحاكمة الأحياء والأموات على أفعالهم خلال تلك الحقبة الألفية.
عالم ما بعد الموت عند قدماء المصريين وطقوس كتاب الموتى
اعتبر المصريون القدماء الموت محطة انتقال طبيعية، واستعدوا له لضمان العبور الآمن إلى النعيم الأخروي، حيث تستمر حياة الصالحين بجوار الآلهة في بيئة خالية من الأمراض والشيخوخة.
ولأجل هذا دوّنوا “كتاب الموتى” الذي يحوي تعاويذ وإرشادات كُتبت على جدران المقابر والتوابيت في الدولة القديمة، ثم دُوّنت على أوراق البردي ووُضعت بجوار المومياء في الدولتين الوسطى والحديثة، ومن أشهرها “بردية حو نفر”.
تتقاطع هذه الممارسة شكلياً مع بعض المستحبات الفقهية في التراث الإمامي ككتابة دعاء الجوشن وشهادة المؤمنين على الكفن أو وضع التربة، إلا أن الفارق الجوهري يكمن في أن الممارسة الإسلامية تهدف إلى إعلان التوحيد وتثبيت المتبنيات العقدية في وصية الميت، وليست شراءً للنجاة بالمال أو رشوة للملائكة عبر طقوس كهنوتية باهظة كما كان عليه الحال في مصر القديمة، حيث اقتصرت تلك التجهيزات الفارهة على النبلاء والأثرياء وخدمة المعابد.
تتلخص رحلة المتوفى وفق كتاب الموتى في خطوات متعاقبة:
يقود الإله أنوبيس الميت إلى قاعة المحاكمة الأولى.
يُوضع قلب الميت في كفة ميزان مقابل ريشة الآلهة “ماعت” رمز العدالة؛ فإن رجحت كفة الريشة دل ذلك على صلاحه ونيله النعيم جزاء إطعامه الجائع وإعانته الأرامل واليتامى، وإن ثقل قلبه بالخطايا أُلقي به إلى الوحش “عمعموت” لافتراسه.
يقوم الإله “تحوت” بتسجيل نتيجة الوزن في سجله الأبدي، ليتولى الإله “حورس” اقتياد الناجي مكسواً بالبهاء إلى الإله “أوزيريس”.
يقف الميت أمام اثنين وأربعين قاضياً ليتلو “اعتراف النفي”، وهو نص قيمي رفيع يعلن فيه براءته من الظلم، والغدر، والقتل، وسرقة المعابد، وتلويث المقدسات، وبخس الكيل، وتكدير معيشة الآخرين، طلباً للنجاة.
كما تضمن الكتاب تعاويذ لعبور بحار النيران، والتنقل بين العالمين، والاستعاذة من الشياطين والأفاعي، ومعرفة أسماء البوابات والآلهة.
تظهر هذه المنظومة إيماناً بالعدالة والمسؤولية الأخلاقية، لكنها شيبت بالنزعة الطبقية التي تميز بين الأغنياء والفقراء في اجتياز العقبات، وبالتصورات الخرافية كفكرة التحنيط التي افترضت عجز الخالق عن إعادة الجسد إذا بلي بالكامل، وهو العجز الذي تصدى القرآن لتفنيده والتذكير بطلاقة القدرة الإلهية على جمع الرفات.
عقيدة العالم السفلي في حضارة بلاد الرافدين
يوضح البروفيسور بيتر موري في مؤلفه حول الآثار التوراتية أن سكان بلاد الرافدين تصوروا الآخرة كأرض مظلمة تقع تحت عالمنا، تُعرف بأسماء مثل “أرالو” و”أركالو”.
ويذهب جميع الموتى إلى هذا العالم السفلي بغض النظر عن منزلتهم الدنيوية، دون أن يحمل المكان مفهوم الثواب أو العقاب الأخلاقي، بل يعيش الموتى كأشباح واهنة تقتات على الغبار وتفترش الظلام، ليبقى الخلود الحقيقي سمة حصرية للآلهة وحدها.
في المقابل، يستعرض الكاتب علاء تيسير أحمد في دراسته نصوصاً سومرية وبابلية تكشف عن بوادر لفكرة المحاكمة، كما في أسطورة نزول “إنانّا” أو نظيرتها البابلية “عشتار” إلى العالم السفلي، حيث يقضي سبعة قضاة من “الأنونا” على الداخلين المجردين من ثيابهم، مع وجود خمسة عشر إلهاً يعاونون “نيرجال”، ومستشار يلقب بالشفيع حامي العدالة، وإن كان دورهم أقرب إلى إعلان لوائح العالم الجديد منه إلى الحساب الدقيق.
غير أن ملحمة جلجاميش تقدم تفاوتاً في المصائر يرتبط بطبيعة السلوك الدنيوي والامتداد الأسري، كما كشفه شبح “إيباني”:
من ترك ابناً واحداً رآه يبكي بمرارة عند مسمار في جدار.
من كان له ابنان جلس مطأطئاً يقتات بضعة.
صاحب الأبناء الثلاثة رُئي يشرب من قربة ماء صحراوية.
من أنجب أربعة عاش ميسوراً يملك نِيراً تجره أربعة حمير.
من رُزق بخمسة حظي بمكانة كاتب مرموق يلج القصور.
صاحب الأبناء الستة تساوت فرحته بفرحة الفلاح بنتاجه.
من حاز سبعة أبناء ارتقى للجلوس في حضرة الآلهة مستمعاً للموسيقى.
الفتى والفتاة اللذان مات قبل زواجهما يُمد لهما حبل وعود قصب للتخفيف من بكائهما.
أسوأ المصائر كُتبت لمن تُرِكت جثته في العراء دون دفن أو حُرم من الرعاية، إذ يتغذى على الفضلات ولا يعرف شبحه الاستقرار.
تكشف هذه الرؤى البدائية عن تطور المخيلة البشرية وانعكاس التحولات الحضارية عليها، مع ثبوت أصل الإيمان بوجود النشأة الأخرى، وإن خلت أحياناً من فكرة الجزاء العادل التي جعلها القرآن أساساً لانتفاء العبثية عن الوجود: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ}.
جغرافية الآخرة ومصائر الأرواح في الأساطير الإغريقية
اعتقد الإغريق أن الإله “هاديس” يحكم العالم السفلي الحاضن للأرواح، ويتولى “هرمس” نقل الروح إلى ضفاف نهر “ستيكس” الفاصل بين الحياة والموت، ليعبرها “تشارون” بالعبّارة لقاء عملات ذهبية يضعها ذوو الميت تحت لسانه.
تخضع الأرواح لمحاكمة ثلاثية تحدد مستقرها ضمن فئات:
المنعمون يُنقلون إلى “إليسيون” جزيرة الخالدين الواقعة في الغرب الأقصى، وهي واحة أبدية النسيم تجري فيها أنهار الرحيق من نبع “ليثي” الماحي للأحزان، حيث تُثمر الأشجار مراراً ويتفرغ سكانها للمسابقات والمسرات، وقد اعتبر سقراط أن نعيمها يربو أضعافاً على ملاذّ الشهوات الدنيوية.
المعذبون يُدفعون إلى قعر “تارتاروس” السحيق تحت سلطان العقاب بالصهارة البركانية والتعذيب لجرأتهم على الإله “زيوس”.
العصاة من ذوي الخطايا الأقل وطأة يُساقون إلى حقول العقوبة للتطهير.
من تساوت موازينهم بين الخير والشر يستقرون في “حقول الأسفدال” دون نعيم ولا شقاء.
اشترط الإغريق الإيمان بالآلهة إلى جانب الفضيلة لدخول النعيم، وافترضوا أن تخليد ذكرى الميت بخير عبر تصوير بره بزوجته أو رعايتها لوليدها على شواهد القبور يؤثر إيجاباً في تخفيف حسابه.
ويُعاب على هذه التصورات طغيان المؤثرات المادية في نيل الخلاص، والتأثير الذاتي على أحكام الآلهة بما يخل بنزاهة القضاء، واقتصار الأمر على البعث الروحي دون الجسدي، وافتراض تزامن عالم الموتى جغرافياً وزمنياً مع الواقع المعاش، وغياب مفهوم اليوم الآخر الكوني الشامل.
الموقف القرآني من المادية وإنكار مشركي مكة
خلافاً للأمم السابقة وأهل الكتاب، لم يمتلك مشركو مكة زمَن البعثة أي تصور لوجود روحاني أو جسدي بعد مفارقة الحياة، بل أصروا على أن الموت عدم مطلق ومحو نهائي، كما حكى التنزيل: {وَأَقْسَمُوا بِاللهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللهُ مَن يَمُوتُ بَلَىٰ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ، لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ، إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ}.
لذا تواترت البراهين الإلهية لرد هذا الإنكار الجذري وإثبات الحكمة من الخلق: {أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ، فَتَعَالَى اللهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ رَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ}، وقوله تعالى: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ}، تأكيداً لحتمية الحساب وقيام الناس لرب العالمين روحاً وجسداً في ميزان لا يغادر صغيرة ولا كبيرة.

