تستدعي سيرة الإمام علي بن الحسين زين العابدين (عليهما السلام) إعادة قراءة متأنية وعرضاً منهجياً منصفاً، لا سيما بلحاظ كونه شخصية إسلامية جامعة التقت على محبّتها وتقديرها وتوقيرها الأمة بمختلف مذاهبها وتياراتها الفكرية والروحية عبر مسار التاريخ. لقد بلغ الإمام السجاد من الذيوع وعمق الأثر المعرفي ما جعل تفاصيل سيرته، ومضامين وصاياه، ونصوص أدعيته، ودقائق كلماته، بل وحتى لقبه الشريف، موضع عناية وتداول بين سائر المسلمين في شتى أصقاع الأرض.

تتجلى هذه الجاذبية الفطرية والمكانة العابرة للحدود في شواهد معاصرة، كقصة ذلك البائع القادم من بنغلاديش الذي استقدم ابنه ليعمل في الكويت، وحين سُئل عن اسم ولده أجاب بأنه “زين العابدين”. وحين طُلب منه توضيح دلالة هذا الاسم، تساءل بحسن نية عما إذا كان لقباً مذكوراً في نصوص القرآن الكريم، وحين قيل له إن الأمر ليس كذلك، أوضح ببساطة أنه اسم جده وأنه سمى ابنه تيمناً به دون أن يعي الحقيقة التاريخية الكاملة لصاحب اللقب. يعكس هذا النموذج بوضوح مدى تجذر محبة هذه الشخصية العظيمة ورسوخ اسمها في وجدان الناس حتى في البيئات الجغرافية البعيدة وعبر توارث الأجيال.

شهادة التاريخ وإجماع التيارات الفكرية على فضل الإمام

في إطار التوثيق التاريخي لهذه المنزلة الجامعة، يسجل الأديب والمتكلم أبو عثمان عمرو بن بحر الجاحظ المتوفى عام مائتين وخمسة وخمسين للهجرة، في رسالته الموجهة عن فضل بني هاشم، والتي وضعها في بدايات خلافة الواثق بالله العباسي تحت عنوان “فضل هاشم على عبد شمس”، شهادة فريدة تدل على انتفاء الاختلاف في حق الإمام، حيث قال: وأما علي بن الحسين بن علي فلم أرَ الخارجي في أمره إلا كالشيعي، ولم أرَ الشيعي إلا كالمعتزلي، ولم أرَ المعتزلي إلا كالعامي، ولم أرَ العامي إلا كالخاصي، ولم أجد أحداً يتمارى في تفضيله ويشك في تقديمه.

ويستطرد الجاحظ في وصفه لأبعاد شخصيته العبادية والعلمية فيقول: إن عددتم النُّسّاك من غير الملوك فأين أنتم عن علي بن الحسين زين العابدين، الذي كان يُقال له: علي الخير، وعلي الأعز، وعلي العابد، وما أقسم على الله بشيء إلا وأبرّ قسمه، فأما الفقه والتفسير والتأويل، فإن ذكرتموه لم يكن لكم فيه أحد، وكان لنا فيه مثل علي بن أبي طالب، ومَن مثل علي بن الحسين زين العابدين؟

تصحيح الصورة النمطية ومزالق القراءة العاطفية المحدودة

في مقابل هذا الإجماع العلمي الواسع، نجد أن صورة الإمام زين العابدين (عليه السلام) قد اختزلت في أذهان بعض أتباعه ومحبيه في إطار انطباع غير ناضج، بل ولا يتوافق مع القراءة التاريخية الاستقصائية الرصينة. ولقد ساهم في ترسيخ هذه القراءة المقتضبة إيراد بعض المرويات المجتزأة، واعتماد بعض الخطباء والشعراء على الطرح المأساوي الحصري والمفرط في البكائية، ليظهر في أذهان الناس بمظهر “الإمام العليل” الذي لم يكن له حضور فاعل في مجريات واقعة الطف وما سبقها وما لحقها من هزات اجتماعية وفكرية، بخلاف الصورة المشرقة التي تُستحضر لأخيه علي الأكبر وسائر شهداء كربلاء.

إن الواجب المعرفي يفرض تفكيك هذا النمط الاختزالي، وإعادة دراسة حركة الإمام السجاد في سياقها التاريخي والسياسي الموضوعي، وتقديم هذه المنارة إلى الأمة جمعاء بعيداً عن الانغلاق أو احتكار تراثه، امتثالاً للتوجيه الصادق الصادر عن أهل البيت (عليهم السلام) في دعوتهم إلى تحبيب أئمة الهدى إلى الناس، ونزع صفة الضعف والعجز عن سيرة إمام حمل عبء الإمامة والأمة في أحلك ظروفها قاطبة.

ضوابط الولاء والتحذير من الغلو والتشويه

روى العلامة المجلسي في بحار الأنوار نقلاً عن الشيخ المفيد في الإرشاد عن ابن شهاب الزهري، أنه قال: حدثنا علي بن الحسين وكان أفضل هاشمي أدركناه، قال: أحبونا حب الإسلام، فما زال حبكم لنا حتى صار شيناً علينا. وقد بين المجلسي فحوى هذا الحديث شارحاً بأن المراد هو التمسك بحب يوافق موازين الإسلام ولا يخرج عن حدوده العقلية والشرعية، محذراً من الإفراط الذي يدفع البعض إلى نسبة ما لا يرضاه أهل البيت إليهم، فيغدو ذلك ذريعة يطعن بها الآخرون في المذهب وأهله.

يتأكد هذا المعنى التحذيري في روايات متعددة، منها ما أخرجه أبو نعيم في حلية الأولياء وشمس الدين الذهبي في سير أعلام النبلاء، حيث خاطب الإمام أهل زمانه بقوله: يا معشر أهل العراق، يا معشر أهل الكوفة، أحبونا حب الإسلام، ولا ترفعونا فوق حقنا. وفي كتاب الذرية الطاهرة النبوية للدولابي، عن يحيى بن سعيد قال: كنت عند علي بن الحسين فجاءه نفر من الكوفيين، فقال لهم: يا أهل العراق أحبونا حب الإسلام، فإني سمعت أبي يقول: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: يا أيها الناس لا ترفعوني فوق حقي، فإن الله عز وجل قد اتخذني عبداً قبل أن يتخذني نبياً.

إن العاطفة الإنسانية إذا أفرطت وتجاوزت بصيرتها، فإنها تقود صاحبها إلى خرق الواجبات وارتكاب المحظورات، وهو ما تجلى تاريخياً في واقعة الصحابي حاطب بن أبي بلتعة قبيل فتح مكة، حين دفعته العاطفة المجردة نحو أهله إلى مراسلة المشركين لإخطارهم بتحرك الجيش النبوي، فنزل التنبيه القرآني الصارم في سورة الممتحنة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ}. ومن ذات المنطلق، قرع الإسلام نواقيس الخطر تجاه الإفراط في تقديس الشخصيات بما يخرجها عن إطار العبودية لله، تماماً كما وقعت بعض الأمم السابقة في شأن نبي الله عيسى المسيح (عليه السلام).

لقد انطلق تحذير الإمام السجاد من رغبته الجازمة في حماية نقاء الإيمان وبناء المجتمع على التوحيد الخالص، مترسماً قول جده أمير المؤمنين علي (عليه السلام): هلك فيّ اثنان: مُبغضٌ قالٍ، ومُحبٌّ غالٍ. ويفرض الانتماء الحقيقي لمدرسة أهل البيت، لا سيما في مواسم إحياء عاشوراء المفعمة بالشجن، عدم الانجرار خلف الروايات الضعيفة والموضوعة التي تنسب الغلو والخرافة إليهم، بل تقديم التراث السليم الذي يزين صورتهم ولا يشينها، ويدعو إلى الحق بالموعظة الحسنة.

القيادة الفكرية وتغذية المدارس الإسلامية في عصر التحولات

تكشف دراسة التراث العلمي للإمام علي بن الحسين وطبيعة تلامذته الآخذين عنه عن قيادته الحكيمة لحركة الإحياء الفكري في المدينة المنورة. فقد تتلمذ على يديه وتلقى من معارفه أعلام تلك الحقبة الذين شكلوا أركان الفقه والحديث والتاريخ في العالم الإسلامي، ومن بينهم ابن شهاب الزهري، وسفيان بن عيينة، ونافع مولى ابن عمر، وعبد الرحمن الأوزاعي، ومقاتل بن سليمان، والمؤرخ محمد بن إسحاق.

ويقرر الشيخ المفيد أن فقهاء المسلمين رووا عن الإمام السجاد ما لا يُحصى كثرة، إذ كان يغذي مختلف فروع الثقافة الإسلامية بمفاهيم أصيلة. وقد لاحظ المؤرخون أنه قلما كُتب مصنف في الرقائق والمواعظ والزهد إلا وكان لحديث الإمام السجاد فيه نصيب وافر ومقام متقدم. لقد وظف الإمام طاقته في البناء التعليمي وترسيخ الأصول المعرفية لمواجهة التسطيح، مما يجعل قراءة تراثه الفقهي والتفسيري مدخلاً أساسياً لمعرفة الحجم الحقيقي لحركته التجديدية.

أبعاد الحوار والانفتاح المذهبي في التراث السجادي

أورد ثقة الإسلام الكليني في أصول الكافي بسنده عن سفيان بن عيينة عن محمد بن مسلم الزهري، قال: قال علي بن الحسين (عليهما السلام): لو مات من بين المشرق والمغرب لما استوحشت بعد أن يكون القرآن معي.

ينطوي هذا النص وسنده على دلالات بالغة الأهمية. فالراوي المباشر هو الزهري، أحد كبار محدثي أهل السنة وأوائل من دونوا الحديث النبوي الشريف في عصرهم، وكان وثيق الاتصال بالإمام وتلميذاً بين يديه، وهو القائل: ما رأيت قرشياً أفضل منه. ورغم اقتراب الزهري لاحقاً من البلاط الأموي متأولاً بأنه يشارك في خيرهم دون شرهم، فإن ذلك لم يقطع صلة الإمام به، بل حرص على نصحه بروح الأستاذ الحريص على نجاة صاحبه.

وقد حفظ لنا ابن شعبة الحراني في كتاب تحف العقول فصولاً من رسالة الإمام الوعظية التاريخية إلى الزهري، والتي جاء فيها: كفانا الله وإياك من الفتن ورحمك من النار، فقد أصبحت بحال ينبغي لمن عرفك بها أن يرحمك، فقد أثقلتك نعم الله بما أصح من بدنك، وأطال من عمرك، وقامت عليك حجج الله بما حمّلك من كتابه، وفقّهك فيه من دينه، وعرّفك من سنة نبيه محمد… فانظر أي رجل تكون غداً إذا وقفت بين يدي الله.. ولا تحسب أني أردت توبيخك وتعنيفك وتعييرك، لكني أردت أن يُنعش الله ما قد فات من رأيك، ويرد إليك ما عَزَب من دينك، وذكرت قول الله تعالى في كتابه: {وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ}.

إن إيراد كبار المحدثين كالكليني وعلي بن إبراهيم القمي لأحاديث واردة من طرق علماء الجمهور يؤكد أن الخلاف المذهبي لم يكن حاجزاً أمام التبادل العلمي، كما لم يمنع أحداً من الاستضاءة بنور الإمام. وتكشف مقولة الإمام عن عمق علاقته الوجودية بكتاب الله، حيث تتلاشى الوحشة النفسية والعزلة المكانية في ظل الأنس بآيات التنزيل تدبراً وامتثالاً، وهي التربية التي تؤسس لإيمان حي يرفض الانكفاء على الذات ويحيل صلة العبد بربه إلى حركة فاعلة في خدمة الجماعة والمجتمع.

وتتجلى مسألة التواصل والتعايش المعرفي كذلك في حوار الإمام مع طاووس بن كيسان اليماني في رحاب المسجد الحرام. فقد روى طاووس أنه رأى الإمام يصلي تحت الميزاب باكياً ضارعاً، فقال له بعد فراغه: يا ابن رسول الله رأيتك على حالة كذا، ولك ثلاثة أرجو أن تؤمنك من الخوف: أحدها أنك ابن رسول الله، والثاني شفاعة جدك، والثالث رحمة الله. فأجابه الإمام بوعي العبودية المطلقة: يا طاووس، أما أني ابن رسول الله فلا يؤمنني وقد سمعت الله تعالى يقول: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ}، وأما شفاعة جدي فلا تؤمنني لأن الله تعالى يقول: {وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى}، وأما رحمة الله فإن الله تعالى يقول إنها {قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ}، ولا أعلم أني محسن.

يبرز هذا الموقف الأدب الرفيع والاحترام المتبادل بين أئمة أهل البيت وعلماء زمانهم، كطاووس وسفيان الثوري ومالك وأبي حنيفة، وهو ما ينقض التصور السطحي الذي يفترض أن العلاقة كانت في جوهرها قائمة على الخصام والتأزم الدائم، بل كانت قائمة على مساحات رحبة من المطارحة الفكرية والتقدير الإنساني المشترك، كما هو ظاهر في سائر المناظرات التي نُقلت في كتب التراجم والمناقب.

الصحيفة السجادية: معالم البلاغة والدور الرسالي

تعد الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين ذخيرة من ذخائر التراث الإسلامي الخالد، ومنجماً رفيعاً من مناجم البلاغة والتربية والأخلاق؛ حتى اصطلح العلماء على تسميتها بـ “إنجيل أهل البيت” و”زبور آل محمد”. ويمتد سند هذه الصحيفة الشريفة عبر خطوط متواترة ينتهي أبرزها إلى الإمام محمد الباقر وإلى أخيه الشهيد زيد بن علي بن الحسين (عليهم السلام)، وظل كبار العلماء يتوارثونها بروايات متصلة ومدونة جيلاً إثر جيل حتى بلغت أعلى درجات الثبوت والشهرة التي تغني الباحث عن التشكيك في أصولها.

تتميز الصحيفة السجادية بعدة خصائص معرفية وسلوكية بالغة الإحكام. فهي تجسد التجرّد التام من قيود المادة والانقطاع الصادق إلى الله تبارك وتعالى، وتكشف عن كمال معرفة الإمام بعظمة التوحيد وصفات الجلال والجمال. كما تفتح في روع العبد أبواب الرجاء الواسع برحمة الله ومغفرته، وتؤسس لأسلوب حجاجي ومناجاة عقلية تستنزل العفو الإلهي بألطف التعبيرات، كما في قوله: إلهي إن كنتَ لا تغفر إلا لأوليائك وأهل طاعتك فإلى من يفزع المذنبون؟ وإن كنتَ لا تُكرم إلا أهل الوفاء لك فبمن يستغيث المسيئون؟

وتضمنت أدعية الصحيفة منظومة متكاملة لتهذيب النفس الإنسانية ورسم الكمالات الأخلاقية، وقدمت أطروحة تصدٍّ واعية للفساد والانحراف السياسي والاجتماعي في مرحلة مالت فيها مجتمعات الرخاء نحو المجون والغفلة، فكانت أدعية مكارم الأخلاق والدعاء لأهل الثغور والحقوق بمثابة دستور للتربية المدنية والسياسية. وفوق ذلك كله، فإنها نبع فياض من الفصاحة والبيان يختصر التاريخ النبوي وحركة الرسالة، ويرسم وظائف الملائكة، وينظم تفاعل المسلم مع الزمن في الصباح والمساء، ويحدد أسس التعامل مع الأهل والجيران والمجتمع.

المواجهة السجادية للأزمات الحضارية

واجه المجتمع الإسلامي في مرحلة ما بعد الفتوحات الكبرى أزمتين حضاريتين على جانب كبير من التعقيد. تمثلت الأولى في انفتاح المجتمع على ثقافات وافدة وأعراف تشريعية متباينة نتيجة دخول الأمم المختلفة في الإسلام، الأمر الذي فرض ضرورة تحصين الهوية التشريعية والفكرية للأمة من الذوبان والتشوه، وهو ما نهض به الإمام السجاد من خلال حلقاته العلمية الرائدة في المسجد النبوي الشريف تبياناً وتأصيلاً.

أما الأزمة الثانية، فقد تجلت في تدفق الثروات وحالة الرخاء المادي الواسع التي ألقت بظلالها على العواصم الإسلامية الكبرى، حيث ولّدت مظاهر الترف والاستغراق في ملذات الحياة المادية خمولاً في الإحساس بالواجبات الرسالية، وضعفاً في الارتباط باليوم الآخر. وقد شخّص الإمام السجاد مكمن هذا الانحراف السلوكي، فابتدع الدعاء كأداة إصلاحية محكمة ومنهج تربوي عميق يُعيد ضبط البوصلة الروحية للإنسان المسلم ويحفظ توازنه النفسي.

وهكذا، استطاع الإمام علي بن الحسين (عليه السلام) ببيانه الساحر وروحه الوثابة أن ينشر مناخاً إيمانياً يحفظ للأمة نقاءها الأخلاقي، مؤكداً أن الصحيفة السجادية لم تكن مجرد نصوص جامدة تُتلى للتبرك، بل كانت مشروعاً اجتماعياً وحضارياً فرضته مقتضيات تلك المرحلة المفصلية، ولا تزال الإنسانية برمتها بحاجة ماسة إلى هذا النبع الرشيد كلما تلاطمت حولها أمواج الفتن واستبدت بها النزعات المادية.

الشيخ علي حسن

View all posts