يتحمس كثير من المسلمين للمقولات والمنشورات التي تطفو على السطح بين الحين والآخر، مدعية اكتشاف سبق قرآني لمسألة فيزيائية أو كونية أثبتها العلم المعاصر، مؤكدين أن القرآن الكريم قد تحدث عنها بالتفصيل قبل ما يزيد على أربعة عشر قرناً من الزمان.
وليس ثمة اعتراض مبدئي على اشتمال كتاب الله العزيز على إشارات ذات بعد علمي دقيق كانت محجوبة عن معارف الناس ومداركهم في عصر البعثة النبوية؛ كقوله تعالى في سورة الأنبياء: {أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا ۖ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ ۖ أَفَلَا يُؤْمِنُونَ} [الأنبياء: 30]، أو قوله سبحانه في سورة النبأ: {أَلَمْ نَجْعَلِ الْأَرْضَ مِهَادًا وَالْجِبَالَ أَوْتَادًا} [النبأ: 6-7].
غير أن الساحة الفكرية والدعوية باتت تعج بمبالغات مستفيضة وادعاءات متكلفة تفتقر إلى التحقيق الرصين؛ وهي مسالك تنطوي على ارتدادات خطيرة على الوعي الإيماني متى ما ثبت بطلان النظرية العلمية أو تهافت الفرضية المقحمة، مما يلقي بظلال سالبة على مكانة الآيات وهيبتها في نفوس المتلقين، وهو ما يستدعي ضبط البوصلة المنهجية حيال هذا الشأن.
مقصد الهداية وسياقات المعرفة الكونية
يتمثل الأصل الحاكم في استحضار حقيقة جوهرية غائبة عن أذهان المتحمسين؛ فالقرآن الكريم في غايته التأسيسية كتاب هداية، وتربية، وتشريع، وصناعة للإنسان، وليس موسوعة تخصصية في العلوم الطبيعية كالفلك، والفيزياء، والكيمياء، والجيولوجيا؛ كما نص التنزيل الحكيم بوضوح: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُم مَّوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِّمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ} [يونس: 57].
وإذا ما استعرض الوحي شواهد كونية أو ومضات خلقية، كآية الرتق والفتق، أو قوله سبحانه في تفصيل أطوار الجنين: {ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ ۚ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ} [المؤمنون: 14]؛ فإن استحضار تلك الحقائق لم يأتِ لتدوين مادة علمية مجردة، بل جاءت لخدمة مسار الهداية والتفكر، وربط العبد بآلاء خالقه وعظمته؛ وهو ما يقطعه التعقيب القرآني الخاتم لتلك الآيات بقوله: {أَفَلَا يُؤْمِنُونَ}، و{فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ}.
كما أن قوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَىٰ لِلْمُسْلِمِينَ} [النحل: 89]، لا يحتمل في موازين التفسير الرصين ادعاء إحاطة القرآن بكافة التفاصيل الكيميائية والبيولوجية والفيزيائية؛ ويوضح العلامة السيد محمد حسين الطباطبائي في تفسير الميزان هذا المعنى مؤكداً أن الظاهر من إرادة “كل شيء” هو كل ما يرجع إلى أمر الهداية وما يحتاج إليه الناس في استقامتهم، من المعارف الحقيقية المتصلة بالمبدأ والمعاد، ومكارم الأخلاق، والشرائع الإلهية، والسنن التاريخية، والمواعظ، فالقرآن تبيان شامل لهذه الأصول دون غيرها.
آفة الاستعجال وتسطيح الدلالة اللغوية
تتجلى المعضلة الثانية في التسرع المحموم بتداول وترويج ما يسمى “إعجازاً” أو تدقيقاً لغوياً قبل التثبت من صحة النقل وتناسقه المعرفي؛ ولعل ما شاع بين الناس في بعض المنشورات المتداولة يمثل نموذجاً صارخاً لهذا التهافت، حيث روج البعض دعوى تحظر الترحم على الميت بعبارة “اللهم اجعل مثواه الجنة”، زاعمين أن لفظ “المثوى” لم يقترن في القرآن إلا بالنار، كما في قوله تعالى: {وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد: 12]، داعين إلى استبدالها بلفظ “المأوى” بحجة اختصاصه بالجنة في قوله سبحانه: {عِندَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَىٰ} [النجم: 15].
ولو كلّف مروجو هذه الادعاءات أنفسهم أدنى فحص لآيات الذكر الحكيم، لأدركوا بطلان زعمهم وفساد بنائهم؛ فالقرآن الكريم استخدم لفظ “المأوى” مقترناً بعذاب السعير في قوله تعالى: {أُولَٰئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا} [النساء: 121]، كما استعمل لفظ “المثوى” في سياق مطلق يشمل المؤمنين في قوله سبحانه: {وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مُتَقَلَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ} [محمد: 19]. إن هذا النمط من السطحية في التعامل مع النصوص ينسحب في كثير من الأحيان على المسائل العلمية المعاصرة، حيث تُبنى نظريات كاملة على تفسيرات مجتزأة لا تصمد أمام التحقيق اللغوي والموضوعي.
التعسف التأويلي ومصادرة السياق والمجاز
تكمن إحدى كبريات المشكلات في الإسقاط المتعسف للحقائق العلمية الصحيحة على آيات لم تكن في وارد الحديث عنها أبداً؛ وشاهد ذلك تعامل البعض مع قوله تعالى في سورة الرعد: {أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا} [الرعد: 41]؛ حيث سارع بعض الباحثين إثر الدراسات الجيولوجية التي بينت انحسار اليابسة أمام ارتفاع منسوب البحار، أو انضغاط القشرة الأرضية عند القطبين، إلى الجزم بأن الآية الكريمة تشير حصراً إلى هذه الظواهر المناخية والفيزيائية.
غير أن مراجعة السياق القرآني المتكامل وتدبر نظائر الآية يكشفان عن مراد مغاير كلياً؛ إذ يقول التنزيل الحكيم في سورة الأنبياء: {بَلْ مَتَّعْنَا هَٰؤُلَاءِ وَآبَاءَهُمْ حَتَّىٰ طَالَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ ۗ أَفَلَا يَرَوْنَ أَنَّا نَأْتِي الْأَرْضَ نَنقُصُهَا مِنْ أَطْرَافِهَا ۚ أَفَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الأنبياء: 44]، مما يوضح أن النقص هنا يتناول انقراض الأمم واندثار الحضارات الطاغية واحدة تلو الأخرى بهلاك أفرادها وقادتها.
وقد أكد العلامة الطباطبائي هذا المفهوم مبيناً أن المعنى ينصرف إلى تذكير الغافلين بنقصان الأرض عبر هلاك الأمم وفنائها بمشيئة الله، فما الذي يمنعه سبحانه من إهلاك هؤلاء المكذبين إن أراد بهم بأساً، وأنى لهم الغلبة أمام سنن التاريخ؟
وينبع هذا الخلل من إغفال الطابع الأدبي الرفيع للغة القرآن وما تشتمل عليه من مجاز، وبلاغة، واستعارة، مما يجعل تقييد الألفاظ بالمعاني الحسية المجردة جناية على المعنى القرآني؛ ويضاف إلى ذلك ما يقع فيه البعض من جهل باللسان العربي، كمن احتج ببطلان كروية الأرض مستنداً إلى قوله تعالى: {وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَٰلِكَ دَحَاهَا} [النازعات: 30]، ظناً منه أن “الدحو” يعني البسط الهندسي المسطح، في حين أن الدحو في لسان العرب إنما هو تمهيد الأرض وبسط أرجائها لتكون صالحة لمعاش الإنسان وعمرانه، ولا يحمل أدنى دلالة تنفي كروية الكوكب.
خطورة تقديس الظنيات وصيانة المحكم
إن ما ذكره القرآن الكريم من معارف كونية وإشارات بيولوجية كان إعجازاً وهداية لقوم يتفكرون، إلا أن هذا الإقرار لا يسوغ التساهل في تحميل النصوص الإلهية فرضيات ونظريات قيد التجريب؛ فالعلوم الطبيعية والتجريبية صرح بشري تراكمي قائم على الشك، والملاحظة، والتبدل، والمراجعة المستمرة.
وإن الزج بالآيات القرآنية المحكمة في مضمار النظريات العلمية المتغيرة يمثل مخاطرة جسيمة تنال من قداسة الوحي ومصداقيته؛ إذ إن تبدل القناعات العلمية وسقوط فرضية ما سيجر بالضرورة سهام الشك نحو النص الديني الذي رُبط بها قسراً.
وفضلاً عن ذلك، فإن هذا المسلك يعطل العقل العلمي ذاته؛ لأن إضفاء الهالة القدسية على مقولة علمية يسلبها قابليتها الفطرية للنقد والتطوير، ويحول الآيات إلى مجرد وسيلة تبريرية لإثبات قناعات مسبقة، فيدور المسلمون في دوامة التبرير المفتعل.
ومن هنا، فإن المنهج الرصين يفرض التزام التريث والأناة؛ وأقصى ما يجوز طرحه في هذا الميدان هو إبقاء الأمر في دائرة الاحتمال العقلي والتأويل الممكن، بعد استيفاء شرطين حاسمين: ثبوت المعطى العلمي بدرجة من الاستقرار والقطعية، وامتلاك النص القرآني بقواعد لغته وسياق هدايته القابلية التامة لحمل ذلك المعنى دون تكلف أو اعتساف.
