تختصر آيتان كريمتان في كتاب الله العزيز فلسفة الإسلام المتوازنة في ضبط حركة الإنسان؛ إذ تقيمان جسراً متيناً يربط بين الدنيا والآخرة، ويوازن بدقة بين متطلبات الفرد وحاجات الاجتماع، معتنياً بجمال المظهر وطهارة الجوهر، وحق الجسد وغذاء الروح.

تتجلى الركيزة الأولى في سورة الأعراف حيث يصدع التنزيل الحكيم: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ۝ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ ۝ قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 31-33].

وتكتمل هذه المنظومة في سورة القصص ببيان القصد الوجودي من النعم: {وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ ۖ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا ۖ وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ ۖ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ ۖ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ} [القصص: 77].

ولقد شهد العهد النبوي الشريف وما تلاه محاولات فردية جنحت نحو التشدد والتفريط في حاجات الجسد المادية بدعوى الانقطاع الروحي المحض؛ غير أن حكمة البيان النبوي الحازم ورسوخ التشريع القرآني قطعا دابر الغلو؛ حيث أعلن الإسلام براءته من مسالك الحرمان الذاتي، مبيناً أن الرهبانية بدعة ابتدعها الأقدمون وما كُتبت عليهم: {وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا} [الحديد: 27].

ومن هنا، لا يقع المسلم الواعي المعتصم بهذا الميزان في أسر الصراع المفتعل بين متطلبات الجسد وأشواق الروح، إلا أن هذا التوازن الفطري يشهد اختلالاً مريعاً في الواقع المعاصر تحت وطأة أنماط الاستهلاك وثقافة الاستعراض.

انفجار الصورة وتشييء الكائن البشري

تكشف الإحصاءات الحديثة عن ملمح صادم لهذا الانحراف؛ ففي عام 2025م، تشير التقديرات إلى أن سكان الأرض -البالغ عددهم قرابة ثمانية مليارات ومئتي مليون نسمة- التقطوا نحو ثمانين مليار صورة ذاتية المعروفة بـ “السيلفي”.

وليس الشأن هنا محصوراً في دلالة الأرقام الضخمة، بل في التحول النفسي والأنثروبولوجي الذي أصاب نظرة الإنسان إلى ذاته؛ حيث لم يعد الفرد يعيش تجربته الإنسانية بعفوية، بل أضحى يعرض نفسه بصورة متواصلة على مدار اليوم كمنتج معروض في واجهة افتراضية بانتظار التقييم الخارجي ونيل الإشادة العابرة.

وقد شرّح الكاتب الصحفي البريطاني ويل ستور في كتابه القيّم المعنون بـ “السيلفي: كيف أصبح الغرب مهووساً بذاته؟” -والمترجم عربياً بعنوان “كيف أصبحنا مهووسين بأنفسنا إلى هذا الحد؟”- جذور هذه الظاهرة في الفكر الغربي؛ موضحاً أن طبيعة الحياة في اليونان القديمة صاغت نمطاً بشرياً يقوم على المكافحة الفردية واستغلال الفرص، ثم جاء أرسطو ليقرر أن المهارة والجمال الخارجي لا يكفيان ما لم يُدعما بصلاح الجوهر الداخلي، فاستقرت “الذات” الفردية مركزاً للعالم.

ثم حدث الانقلاب العنيف إبان العصور الوسطى المسيحية؛ حيث ساد مسلك التشدد في نكران الذات وقمع الرغبات، وهي المفارقة التي أبرزها المفكر علي عزت بيغوفيتش في كتابه “الإسلام بين الشرق والغرب” حين قارن بين طهارة المسلم واعتنائه بالنظافة واستعمال الماء كجزء من عبادته، وبين المفهوم الكنسي القديم الذي جعل من إهمال الجسد علامة على الورع والتقوى؛ حتى لخّص ستور تلك المرحلة بأن الساعي للكمال كان عليه أن يخوض حرباً ضروساً لا تهدأ مع روحه.

ومع عصر النهضة والانقلاب على سلطة الكنيسة، ارتد البندول إلى النقيض المتطرف؛ فبُعثت الفردانية من جديد، وتعاظمت العناية بالـ “أنا” لتصل في أيامنا هذه إلى ما أسماه ستور بـ “النزعة الكمالية الاجتماعية”.

مأزق النزعة الكمالية وأوهام التقدير الرقمي

لم يعد تحقيق الكمال اليوم مسألة رضا باطني ذاتي، بل ارتهن كلياً بإرضاء الجماهير الافتراضية؛ وحين يعجز المرء عن مجاراة المعايير الخيالية التي يتوهم أن المجتمع الرقمي يفرضها عليه، يسقط في هاوية الانهيار النفسي.

وتحولت الهوية الإنسانية عبر منصات التواصل إلى خوارزميات قابلة للقياس الكمي الصارم: بعدد الإعجابات، وحجم المتابعين، وتدفق التعليقات؛ حتى غدت قيمة الإنسان رقماً يتحدث بالنيابة عنه.

وبات المطلوب من الفرد المعاصر أن يجسد حزمة من الصفات المستحيلة في آن واحد: أن يكون منفتحاً، نحيفاً، فائق الجمال، فردانياً، متفائلاً، دؤوباً، وحاملاً دهاء ريادة الأعمال؛ فتحول الوجود البشري برمته إلى حملة تسويقية مستمرة لا تنتهي.

ويوثق ستور هذا البؤس بحالة واقعية لفتاة تحتفظ في هاتفها بمساحة هائلة من صور السيلفي تتجاوز “التيرابايت”، وتقضي ساعات طوالاً تمتد حتى ساعات الفجر الأولى في تنقيح صورها ومطابقتها للمعايير قبل نشرها، تدور في حلقة مفرغة من السؤال القلق: “كيف أبدو؟”؛ وهو الوجه المستحدث لـ “عبادة الذات”.

وقد فرض هذا الهاجس المرضي أثماناً باهظة دفعتها الأجيال الجديدة؛ تمثلت في التمركز المرضي حول الجسد والشكل، وتراجع الأداء الفكري والمعرفي، مع قفزات مخيفة في معدلات اضطرابات الأكل ونوبات الاكتئاب والعزلة.

سبل الخلاص واستعادة التوازن الفطري

يقدم الكاتب نصيحة جوهرية لمواجهة هذا الاستلاب الرقمي؛ تدعو إلى وضع الهاتف جانباً، والانسحاب الواعي من ضجيج العالم الافتراضي، والعمل على بناء صلات واقعية عميقة مع أشخاص يقبلون الإنسان بصفاته الواقعية بلا رتوش، مع الانخراط في مشاريع حقيقية ذات جدوى يمارس فيها الفرد تأثيراً نافعاً وملموساً، متقبلاً نقصه ومحدوديته البشرية كقدر لا مفر منه.

إن تحليل ظاهرة السيلفي والهوس بالصورة يتجاوز كونه رصداً لخلل سلوكي عابر؛ إنه يكشف عن أزمة وجودية وفلسفية عميقة تضرب تصورات الإنسان حول غاية خلقه، ومآل مسيره، وحدود مسؤولياته في الحياة.

وحين يستعيد الإنسان هداية القرآن في الجمع بين زينة الحياة الدارجة وعمارة الدار الآخرة دون فساد أو إسراف، يتحرر من وثنية التقييم الافتراضي، ويعود إلى سكينة الفطرة التي كرمها الخالق بعيداً عن وهم الاستعراض.

الشيخ علي حسن

View all posts