تزخر سورة النساء بمنظومة تشريعية وتوجيهية متكاملة تضبط شبكة العلاقات الإنسانية في شتى تمظهراتها؛ راسمة حدود العدالة والحقوق بدقة تحمي كرامة الإنسان وتصون أمن المجتمع.
ويتجلى هذا التدبير التشريعي في معالجة سبعة محاور تأسيسية تنتظم شؤون الفرد والجماعة:
ففي المحور الأول، تحمي السورة حقوق المستضعفين من خلال رعاية أموال اليتامى وصيانتها من الطمع والاستبدال الجائر، كما في قوله تعالى: {وَآتُوا الْيَتَامَىٰ أَمْوَالَهُمْ ۖ وَلَا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ ۖ وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَىٰ أَمْوَالِكُمْ ۚ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا} [النساء: 2].
ويختص المحور الثاني بضبط الرابطة الزوجية وآثارها من مهور، وتوارث، وحلول لفض النزاعات، وإرساء القوامة بوصفها مسؤولية رعاية وإنفاق لا تسلطاً واستعلاء: {الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ} [النساء: 34].
أما المحور الثالث فيقرر العدالة المالية في المواريث بتقرير حقوق النساء المستقلة إلى جانب الرجال: {لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ ۚ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} [النساء: 7].
ويحكم المحور الرابع البنية الأسرية ببيان المحرمات من النساء منعاً لاختلاط الأنساب وصيانة للطهارة الداخلية: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ…} [النساء: 23].
ويؤسس المحور الخامس لقواعد المعاملات المالية وحرمة التعدي على الملكيات الخاصة إلا عبر مسالك الرضا التجاري: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ} [النساء: 29].
ويفرض المحور السادس قداسة النفس الإنسانية وغلظة عقوبة العدوان عليها: {وَلَا تَقْتُلُوا أَنفُسَكُمْ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا} [النساء: 29]، مبيناً شناعة القتل العمد وضوابط القتل الخطأ: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً} [النساء: 92].
ويتوج المحور السابع هذه المنظومة بالحث على الإحسان الشامل الذي يربط بين عبادة الله وحسن معاشرة الخلق، من الوالدين والأقربين واليتامى والمساكين والجار ذي القربى والجار الجنب والصاحب بالجنب وابن السبيل، كما قررت الآية الكريمة في ختام هذا النسق القيمي.
وحدة الأصل وفلسفة الاستهلال التأسيسي
حين يستقرئ المتدبر هذه الأحكام المفصلة، ينجلي له بوضوح سر افتتاح السورة الكريمة بنداء جامع يتجاوز الأطر الخاصة ليخاطب المشترك البشري العام: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ۚ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1].
إن هذا الاستهلال البديع يوجه رسالة حاسمة لكل متعامل مع الآخر في مواطن الاحتكاك والتنازع: تذكروا أنكم تلتقون جميعاً في جذر وجودي واحد، وتنتسبون لأب وأم واحدة؛ مما يقيم رادعين ذاتيين يكبحان جماح العدوان: رادع التقوى الدينية التي تستحضر رقابة الخالق وتمنع التظالم، ورادع الوجدان الإنساني المشترك الذي يعضد التقوى ويسد مسدها عند فتور الرقابة الروحية، ليكون مانعاً فطرياً من الاستطالة والبغي.
رد الاعتبار لإنسانية المرأة الكاملة
تتأكد في هذا النص التأسيسي حقيقة شمول المرأة لعين المرتبة الإنسانية التي خُلق منها الرجل دون أدنى تمايز في أصل التكوين؛ وتكتسب هذه الحقيقة القرآنية وزناً تاريخياً استثنائياً إذا ما قورنت بظروف عصر التنزيل وما سبقه من تصورات حضارية.
فقد عاشت البشرية حقباً كانت تسلب فيها المرأة صفتها الآدمية، وتعدها رجساً وشراً مطلقاً، أو تختزلها في مرتبة دونية بوصفها متاعاً يُملك ويُورث كالمقتنيات، وتُحرم من حق التملك والإرث والاستقلال؛ فجاء القرآن الكريم ليقرر أصالتها الكاملة، ويجعلها مع الرجل فرعين متكافئين لجذع واحد.
تهافت التناقض المفتعل بين الإسلامي والإنساني
تثبت هذه الرؤية الشاملة أن الإسلام في صميمه دين الإنسانية الحق، وأن الإنسان هو الغاية المحورية التي تدور في فلكها التشريعات والأخلاق الإسلامية؛ وبذلك يسقط التوجس غير المبرر لدى بعض التيارات الإسلامية التي تتحفظ على وصف “إنسانية العمل” وتصر على حصره في لفظ “إسلامية العمل”.
إن استحضار البعد الإنساني يمثل تناغماً أصيلاً مع روح القرآن الكريم وخطابه العالمي، دون أن ينطوي ذلك على تفريط في عقيدة الإخلاص لله أو انتقاص من الاعتزاز بالهوية الإسلامية؛ فالإسلام والإنسانية يلتقيان في صيانة الفطرة وحفظ الحقوق.
إن عناية الإسلام بالإنسان لم تأتِ لتضخيم الذات البشرية وادعاء الألوهية، أو لدفعها نحو الاستغناء والتمرد على خالقها، بل استهدفت إرساءه في موقعه الطبيعي المتزن، وتبصيره ببدايته ومصيره، ومسؤولياته وواجباته تجاه ربه وتجاه بني جنسه؛ ليتحرك في الأرض بوعي يجمع بين عمارة الحياة وصيانة الكرامة الآدمية، عادلاً لا يجور، وعاملاً لخير البشرية جمعاء.
