روى الشيخ الصدوق في كتاب (عيون أخبار الرضا) بسنده عن أبي حيون مولى الإمام الرضا (ع) أنه قال: “مَن رَدّ متشابه القرآن إلى مُحكمه هُدي إلى صراط مستقيم، ثم قال [ع]: إنّ في أخبارِنا متشابهاً كمتشابه القرآن، ومُحكَماً كمُحكَم القرآن، فردّوا متشابهها إلى محكمها، ولا تتّبعوا متشابهها دون محكمها فتضلّوا”. يؤصل هذا التوجيه الرضوي البليغ لقاعدة معرفية ومنهجية بالغة الدقة في التعاطي مع المصادر التشريعية، واضعاً حداً فاصلاً بين الفهم السطحي العقيم وبين الاستنباط الرصين المستند إلى محكمات الوحي.

وقد بيّن التنزيل الحكيم اشتماله على نمطين من الآيات، فمنها: {آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ}، ومنها: {وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ}؛ والوقوف على أسباب وجود هذا التشابه في الخطاب القرآني يكشف عن أسرار بيانية ومعرفية حكيمة، تتجلى في ثلاثة بواعث أساسية.

بواعث التشابه في الخطاب القرآني

ينبثق الباعث الأول من طبيعة اللغة ومقتضيات البلاغة والبيان؛ فالأسلوب الأدبي الرفيع يستدعي توظيف المجاز والاستعارة للتعبير عن المعاني العميقة الكامنة خلف الألفاظ الظاهرة؛ كقوله تعالى في سورة النحل: {أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّرَاتٍ فِي جَوِّ السَّمَاءِ مَا يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا اللَّهُ ۗ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} [النحل: 79].

فالجمود على الدلالة الحسية الظاهرة قد يوهم السطحيين بأن للباري سبحانه جارحة مادية تبسط قبضتها لإمساك الطيور في الهواء، وهو معنى متشابه مردود؛ ولهذا وصفت الآيات المحكمات بأنها “أم الكتاب” لكونها المرجع الثابت والميزان الضابط للفهم، ومن تلك المحكمات الصارمة قوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11]، مما يقطع دابر التجسيم ويوجه الذهن إلى قدرة الله التكوينية ونظامه البديع.

أما الباعث الثاني فيتصل بمحدودية الإدراك البشري وقصور قدرته على التصور الشامل؛ إذ تتنزل آيات الوحي لتقريب حقائق الغيب التي تعجز الحواس عن الإحاطة بها، كصفات العرش والكرسي، وطبيعة العوالم الملائكية، ومجريات القيامة ونعيم الجنان وعذاب النار.

وكذلك حين تتحدث الآيات عن الاستواء على العرش، أو نعت الذات بالسميع والبصير، أو وصف التدبير الإلهي بأنه {خَيْرُ الْمَاكِرِينَ}؛ فكل هذه التعبيرات سيقت لتقريب المفاهيم إلى العقول المحدودة، ولا تعني مطابقتها للخيال البشري القاصر؛ ومثَل ذلك لو طُلب من جماعة تصور كائنات غيبية كالجن، لصاغ كل فرد خيالاً حسياً متبايناً لا يمت للحقيقة بصلة، ومن هنا كان الرجوع إلى القواعد الكلية والمحكمات العقلية والشرعية عاصماً من الزلل والتيه.

ويتجسد الباعث الثالث في مقتضيات السياق وأسباب النزول؛ حيث قد يقتضي المقام الإيجاز وتركيز البيان على زاوية محددة لمعالجة واقعة خاصة، فإذا عُزلت الآية عن أخواتها ترسخ فهم قاصر ومنقوص.

وشاهد ذلك في التشريع قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ} [المائدة: 3]، فلو اقتصر المكلف على هذا الإطلاق لتوهم تحريم كل دم مطلقاً، ولتعذر أكل الذبائح لعلوق الدم في اللحم والأوردة، ولكن بضميمة المحكم في قوله سبحانه: {قُل لَّا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَىٰ طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَن يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَّسْفُوحًا} [الأنعام: 145]، اتضح أن الحكم يختص بالدم الجاري المسفوح حال التذكية دون البواقي الطاهرة في اللحم.

خطر السطحية وتفكيك متشابه الحديث

كما ينطبق ميزان الإحكام والتشابه على كتاب الله، فإنه يسري على المأثور عن النبي (ص) وعترته الطاهرة؛ إذ حذر الإمام الرضا (ع) من الاندفاع والأخذ بظواهر الروايات قبل فحصها وردها إلى المحكم من السنة والقرآن.

ويقدم المحدث الكليني في (الكافي) نموذجاً تطبيقياً لهذا الانحراف؛ حيث يروي محمد بن مارد قائلاً: قلت لأبي عبد الله الصادق (ع): حديث روي لنا أنك قلت: “إذا عرفت فاعمل ما شئت”؟ -أي إذا عرفت مقام أهل البيت فافعل ما تشاء-، فقال (ع): “قد قلت ذلك”. فقال السائل مستفسراً بسذاجة وسطحية: وإن زنوا أو سرقوا أو شربوا الخمر؟!

فأظهر الإمام شديد الألم والاسترجاع لهذا التحريف الخطير الذي ينسف أصول التكليف: “إنا لله وإنا إليه راجعون! والله ما أنصفونا أن نكون أُخذنا بالعمل ووُضع عنهم! إنما قلت: إذا عرفت فاعمل ما شئت مِن قليل الخير وكثيره، فإنه يُقبَل منك”. وهكذا انقلب المعنى الشريف المشروط بصحة العقيدة وقبول صالح الأعمال إلى إباحية وانحلال بسبب اجتزاء اللفظ المتشابه وعزله عن محكمات الشريعة في وجوب الطاعات واجتناب الموبقات.

التحدي النقدي وضرورة الفحص المنهجي

أوصى المصطفى (ص) بالاعتصام بكتاب الله وعترته الهادية، لكونهما المصدرين النصيين المعصومين لمعرفة الدين، بموازاة العقل بوصفه أداة التحليل والتدبر والتمييز؛ وإذا كان المتشابه القرآني يستوجب الرجوع إلى أمهات الآيات المحكمة، فإن الروايات الحديثية تواجه تحدياً نقدياً مركباً لا يطال النص القرآني المحفوظ من الزيادة والنقصان.

فالتراث الحديثي تعرض لآفات شتى عبر القرون؛ من دسِّ الوضاعين، والتحريف، والنقل بالمعنى، وحذف القرائن الحالية واللفظية، والخطأ في السماع، والتقطيع المخل، أو صدور النص لظرف ظرفي أو تقية دون أن ينقل الراوي ملابساته.

وتفرض هذه العقبات المتراكمة التزام الحذر والورع العلمي قبل تبني أي خبر أو الفتيا به، والتمسك بالوصية الرضوية الجامعة: “إنّ في أخبارِنا متشابهاً كمتشابه القرآن، ومُحكَماً كمُحكَم القرآن، فرُدّوا مُتشابَهِها إلى مُحكَمِها، ولا تتّبعوا مُتشابَهِها دون مُحكمها فتَضلّوا”؛ صيانةً للدين من أهواء الانحراف، وحفظاً لمنظومة الشريعة من دعاوى التسطيح والتشويه.

الشيخ علي حسن

View all posts