ارتبط الشيعة في الصدر الإسلامي الأول بأئمة أهل البيت (ع) ارتباطاً وثيقاً لم ينحصر في مدارات التعليم الفقهي والتوجيه الوعظي المجرد، بل تعداه إلى حضور فاعل ورعاية مستمرة لواقع الأمة الإسلامية وتطلعاتها بحسب ما أتاحته الظروف السياسية والاجتماعية آنذاك.
ولما اتسعت رقعة الحواضر وتباعدت الأقطار، أرشد الأئمة (ع) قواعدهم الشعبية إلى مراجعة صفوة أصحابهم من الفقهاء والعلماء المؤتمنين؛ لينهضوا بمسؤوليات الرعاية والإصلاح؛ فقد وجّه الإمام علي الهادي (ع) صاحبه حماد الرازي قائلاً: “يا حماد، إذا أشكل عليك شيء من أمر دينك بناحيتك فسل عنه عبد العظيم بن عبد الله الحسني، وأقرئه مني السلام”، كما حدد المعصوم مسلك التحاكم وفض النزاعات بتوجيهه الصريح: “ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا، وعرف أحكامنا، فليرضوا به حكماً”.
ومن هذا الأصل المنهجي، توارث فقهاء المذهب هذا الدور القيادي الشامل، وبرزت عبر التاريخ شخصيات علمائية حملت على عاتقها هموم مجتمعاتها وأوطانها، ممتدة بعطائها خارج أسوار المدارس الدينية إلى فضاء الخدمة العامة والإصلاح المدني والدفاع عن حياض الأوطان.
الحضور التأسيسي للعلامة القزويني في الكويت
جسّد الفقيه المحقق السيد محمد مهدي القزويني هذا النموذج القيادي بأبهى صوره في تاريخ الكويت الحديث، وذلك عقب استقراره في البلاد قادماً من الحوزات العلمية عام 1908م.
وقد جمع العلامة القزويني بين التفوق العلمي الباهر -حيث صنف ما يقارب سبعين مؤلفاً في مختلف الحقول الإسلامية- وبين الوجاهة الاجتماعية والشخصية القيادية المؤثرة؛ إذ لم يختزل رسالته الدينية في محراب الصلاة ومجالس الوعظ، بل انطلق من إيمانه العميق بأن الواجب الأخلاقي والشرعي يفرض عليه تسخير وزنه ومكانته لخدمة الصالح العام ورعاية المصالح العليا للبلاد، وهو ما انعكس في بنائه لعلاقة وطيدة ومميزة مع حاكم الكويت آنذاك الشيخ سالم المبارك الصباح، قائمة على النصح والتعاون وحفظ استقرار الوطن.
شواهد الفداء والدفاع عن الأرض
تجلت هذه الفاعلية الوطنية في محطات مصيرية شهدتها الكويت، وفي مقدمتها معركة الجهراء عام 1920م وما سبقها من استعدادات لمواجهة العدوان؛ حيث وثقت المصادر التاريخية زيارة حاكم البلاد الشيخ سالم المبارك للسيد القزويني في الحسينية الخزعلية للتشاور والتدارس قبيل اندلاع المعركة، فكان من مشورته الصائبة الإسراع ببناء السور الثالث لحماية العاصمة.
ولم تقتصر مساهمته على الرأي فحسب، بل نزل بنفسه إلى الميدان مشاركاً في حمل اللبنات، ومحفزاً عزائم الأهالي لاستكمال البناء بأقصى سرعة وأعلى جاهزية، فضلاً عن مشاركته الشخصية في مهام الحراسة الميدانية لحفظ ثغور الوطن، وهو الدور الوطني المجيد الذي تلاقى فيه مع علماء ومراجع آخرين تركوا بصماتهم التاريخية في الدفاع عن الكويت وصيانة سيادتها، كالميرزا علي الإحقاقي الذي كان له دور مشهود في معركة الجهراء، والسيد محمد باقر المهري في المراحل اللاحقة.
وحدة المصير وثبات الموقف إبان الغزو الغاشم
إن التحام أبناء المذهب بوطنهم ليس موقفاً طارئاً ولا ردة فعل ظرفية، بل هو عقيدة ثابتة عبرت عن نفسها في أدق المنعطفات التاريخية.
ويشهد على ذلك الموقف المبدئي لطلبة العلوم الدينية الكويتيين في حوزة قم المقدسة إبان وقوع الغزو الصدامي الغاشم عام 1990م؛ حيث تداعوا فور وقوع الفاجعة لتدارس واجبهم الشرعي والوطني في دحر العدوان ونصرة الشرعية، وبادروا بالتواصل الرسمي مع القنصلية الكويتية في طهران معلنين جهوزيتهم التامة لنيل شرف الالتحاق بصفوف المقاومة والدفاع عن الكويت وفق ما ترتئيه القيادة السياسية، مع طلب لقاء عاجل بالأمير الراحل الشيخ صباح الأحمد الصباح -وكان وزيراً للخارجية آنذاك وهو في زيارة دبلوماسية خاطفة لطهران- لتسليمه هذا العهد بالانخراط في الذود عن تراب الوطن، فرغم قصر الزيارة التي لم تتجاوز ساعتين وتعذر اللقاء، قوبلت هذه المبادرة ببالغ التقدير والاعتزاز من قبل القنصل الكويتي، كشاهد حي يجسد الامتداد الطبيعي لروح الفداء لدى هذا المكون.
تماسك النسيج الوطني وقطع دابر الفتنة
إن المكون الشيعي في دولة الكويت أثبت عبر مسيرته التاريخية الممتدة عمق انتمائه وتجذره في تراب هذه الأرض، مبرهناً على أن الهوية المذهبية لم تكن يوماً حائلاً دون الانخراط في معارك البناء والدفاع والتضحية بالغالي والنفيس، بل هي رافد يغذي قيم الوفاء وصيانة العهد.
وهذا المكون يقف اليوم بذات الصلابة واليقظة، مدركاً لحساسية التحولات الإقليمية والمخاطر المحدقة، ومؤكداً أن وحدة الصف وتماسك الجبهة الداخلية هما الصخرة التي تتحطم عليها كل المخططات الرامية إلى تمزيق النسيج الكويتي المتلاحم.
ويفرض هذا الوعي على جميع الشركاء وأطياف المجتمع استشعار ثقل المسؤولية الوطنية، والترفع عن المناكفات المذهبية، وقطع الطريق على كل متربص يسعى لإيقاظ الفتن بين أبناء الوطن الواحد، ممتثلين للتحذير الإلهي الصارم: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ ۚ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا} [الإسراء: 53]. اللهم احفظ الكويت وأهلها، واجعل هذا البلد آمناً مطمئناً وسائر بلاد المسلمين.

