جاء في قسم الحِكَم من نهج البلاغة عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) قوله البليغ: “الْعِلْمُ وِرَاثَةٌ كَرِيمَةٌ، وَالْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ، وَالْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ”. يفتح هذا النص العلوي الجامع آفاقاً رحبة للنظر في معايير القيمة الإنسانية، موازناً بين ما هو مادي عابر وما هو معنوي باقٍ، ليؤسس لمنهج متكامل في بناء الشخصية الواعية والمهذبة، جامعاً بين كرامة المعرفة، وجمال السلوك، ونقاء العقل.
ففي المألوف البشري، ينحصر مفهوم الميراث في انتقال الصفات الجينية والبيولوجية أو حيازة العقارات والأموال؛ غير أن هذا الإرث المادي محفوف بالمخاطر والتقلبات، ويحتمل النفع والضرر على حد سواء؛ فقد يرث الإنسان علة جينية مستعصية تنغص عيشه، أو ينال تركة تجر عليه الخصومات العائلية والنزاعات القضائية، ليجد نفسه غارقاً في الأزمات بدلاً من أن يهنأ بما ورث.
فرادة الميراث العلمي في الميزان العلوي
في مقابل ذلك الاضطراب المادي، يرتقي أمير المؤمنين (ع) بمفهوم الوراثة إلى رحاب العلم والمعرفة، كاشفاً عن سمات استثنائية تجعل من العلم أكرم ما يرثه الإنسان:
تتجلى أولى هذه الخصال في شمولية أثره الإيجابي؛ فالإرث العلمي يفيض ببركته ومنافعه على الوارث ذاته وعلى محيطه المجتمعي بأسره، محققاً البناء والإصلاح.
وتبرز الميزة الثانية في سعة منابعه وكسرها للقيود؛ فبينما ينحصر الميراث الطبيعي والمادي في إطار الوالدين والنسب الضيق، فإن العلم يؤخذ ويورث من أي أفق؛ من القريب أو البعيد، وممن يشترك مع الطالب في اللغة والعرق والمعتقد أو يباينه فيها، متجاوزاً كافة الحواجز المادية.
وتتمثل الميزة الثالثة في قابليته الذاتية للنمو المستمر؛ فالأموال تتناقص بالإنفاق، بينما يزكو العلم بالبذل والمطارحة ولا ينحبس عند سقف ما تركه المعلم الأول، بل ينمو بتراكم الخبرات.
كما يُكسب العلمُ صاحبَه ذكراً حسناً، وثناءً صادقاً، ووجاهة اجتماعية معتبرة ترتكز على الفضل لا على الزخرف الزائل، فضلاً عن المنزلة الأخروية السامية التي ينالها العالم العامل عند الله تعالى، ليتوج ذلك كله بقابلية العلم للاستمرار والتوريث جيلاً بعد جيل دون أن ينقطع أثره بموت صاحبه، فنعمت الوراثة هذه وما أكرمها.
حقيقة الحلل المعنوية ومأزق الاستهلاك
ومن الدرر المستنبطة من هذه الحكمة العلوية قوله (ع): “وَالْآدَابُ حُلَلٌ مُجَدَّدَةٌ”. فمن الطبيعي أن يقصد الإنسان الأسواق ليبتاع ثياباً حسنة يتزين بها في محافله، وهو أمر محمود ومطلوب شرعاً وعرفاً ضمن دائرة التجمل والاعتدال؛ بيد أن الإمام (ع) يلفت الوعي إلى نمط آخر من الزينة والجمال: التزام محاسن الآداب في السلوك والمنطق والتعامل.
والميزة الكبرى لهذه الحلل المعنوية أنها لا تبلى بمرور الأيام، ولا تفقد بريقها ونضارتها في عيون الناس، بل تتجدد وتزداد رونقاً كلما تجسدت في المواقف.
وفي المقابل، نجد أن الزينة المادية سرعان ما تفقد جدتها وتبلى؛ بل إن الممارسات الاستهلاكية لدى بعض الشرائح -كما هو مشهود في اقتناء ملابس الأفراح والمناسبات بأثمان باهظة ثم العزوف عن ارتدائها مرة ثانية بدعوى أن التكرار معيب عرفاً- تعكس فراغاً يُستعاض عنه بالإسراف الشكلي، في حين تبقى حلة الأدب الرفيع صالحة لكل زمان ومكان، وتكسو صاحبها مهابة وجمالاً لا يملكان الزوال.
انحسار الأدب وأزمة التنشئة المعاصرة
المؤسف في واقعنا المعاصر هو رصد تراجع بيّن في عناية فئات من الجيل الناشئ بمنظومة الآداب العامة، حتى غابت في أحيان كثيرة أبسط قواعد اللياقة الإنسانية كإبداء الشكر والتقدير ورد التحية، وصولاً إلى التهاون في احترام الكبار وحفظ المقامات.
وتتضافر عدة عوامل خلف هذا التراجع السلوكي المقلق؛ في مقدمتها انشغال الوالدين عن التوجيه التربوي المباشر، وتراجع دور الأمومة الرعائية لصالح الاعتماد المفرط على العمالة المنزلية والخادمات في تنشئة الأطفال، مما يُفقد النشء القدوة الأخلاقية الحية في سنوات التكوين الأولى.
ويتغذى هذا الانحسار أيضاً من نزوع بعض الشباب إلى التمرد العشوائي على الموروث والقيم المجتمعية، فيخلطون بين التمرد على السلبيات وبين هدم الآداب الأخلاقية الأصيلة.
ويتعاظم الخطر مع الانبهار غير الواعي بأنماط الحياة الغربية الاستهلاكية، والتي يُقلد بعض الشباب مظاهرها السطحية في التعامل الفظ والمظهر غير المنضبط بدعوى التحرر، يرافق ذلك خفوت في فاعلية الخطاب الديني والإعلامي الذي لم يواكب لغة العصر في غرس القيم السلوكية، إلى جانب التأثير الجارف للمنتجات الفنية والرقمية التي تروج للجرأة المذمومة وتستهزئ بالحياء والوقار؛ في حين تظل الآداب حللاً مجددة وجمالاً باقياً في منطق الإنسان وفعله، وحين يدرك المجتمع أن زينة السلوك أبهى من زينة الأجساد، يستقيم ميزان التربية وتستعيد الكلمة الطيبة مكانتها.
مرآة الفكر الصافية ومسارات البصيرة
تكتمل هذه المنظومة الثلاثية بركيزة الوعي العقلي في قوله (ع): “وَالْفِكْرُ مِرْآةٌ صَافِيَةٌ”؛ فالمرآة في عالم الحس تقدم للإنسان صورته الظاهرة، وكلما ازدادت نقاءً وصفاءً، غدت الصورة المعكوسة أكثر دقة وجلاءً. وإذا أراد المرء أن يعرف حقيقة هيئته قبل أن يخرج من منزله، فإنه يستعين حتماً بالمرآة؛ إذ لو افترض جزافاً أنه في أتم الجاهزية وخرج بغير تبصر، لوجد من الواقع ما يصدمه: فهذا يغمزه ساخراً، وذاك ينبهه لموضع الخلل في ثوبه، وثالث يرمقه بإشفاق متسائلاً إن كان به بأس.
وهكذا الشأن في عالم المعنى؛ فعندما يريد الإنسان أن تتضح له حقائق الأمور ويكتشف مسارات النجاة، لا مناص له من إعمال الفكر، فالتفكير، والتحليل، والتمحيص هي الأدوات التي تقود إلى المعرفة الرصينة، أما الانقياد الأعمى وأخذ القضايا على عواهنها بلا تدبر، فيعرض المرء لنفس مواقف الحرج والزلل في معترك الحياة.
إن التفكير هبة إلهية وقوة ذاتية أودعها الباري في النفس الإنسانية؛ لتكون سراجاً للاستدلال على الصواب وتفنيد الخطأ، وميزاناً للتمييز بين الحق والباطل في القضايا النظرية، والأبحاث العلمية، وفي القرارات المصيرية اليومية.
بل إن الفكر يبلغ أسمى غاياته حين يتحول إلى عبادة ترتقي بصلة الإنسان بخالقه، وهو ما صوره القرآن الكريم في نعت أولي الألباب: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} [آل عمران: 190-191].
وتتوج هذه الرؤية بما روي عن الإمام جعفر الصادق (ع) كاشفاً عن سر المقامات العالية لأجلاء الصحابة حين قال: “كان أكثرُ عبادةِ أبي ذر رحمه الله: التفكرُ والاعتبار”؛ ليتكامل العلم الذي يورث الشرف، مع الأدب الذي يكسو البهاء، والفكر الصافي الذي يجلو مرآة البصيرة في مسيرة الإنسان نحو الكمال.
