ادّعى المستشرق الهولندي ذو الأصل الفرنسي رينهارت دوزي المتوفى سنة 1883م أن التشيع وتبنّي فكرة حصر الإمامة في ذرية النبي (ص) ينحدران من خلفية فارسية؛ زاعماً أن العرب بطبيعتهم ما كانوا يلتزمون بالمُلك الوراثي بخلاف الفرس، ولذا عَدّ الانسجام الفكري بين الإيرانيين ومفاهيم الشيعة دليلاً على أن التشيع وليد البيئة الفارسية، وسرعان ما تلقف بعض الكُتّاب هذه المقولة وصاروا يرددونها حتى يومنا هذا دون فحص علمي.
وقد تصدى مستشرقون آخرون لتفنيد هذه الدعوى وتخطئتها؛ وفي طليعتهم إجناس جولدتسيهر المتوفى سنة 1921م الذي أكد بوضوح قائلاً: إن من الخطأ القول بأن التشيع في نشأته ومراحل نموه يمثل الأثر التعديلي الذي أحدثته أفكار الأمم الإيرانية في الإسلام بعد أن اعتنقته أو خضعت لسلطانه عن طريق الفتح والدعاية، وهذا الوهم الشائع مبني على سوء فهم الحوادث التاريخية، فالحركة العلوية نشأت في أرض عربية بحتة.
وتشهد المعطيات والوثائق التاريخية القطعية بصحة ما ذهب إليه جولدتسيهر؛ فالبيئة الحاضنة لولادة التشيع ونشأته كانت عربية خالصة، وكان السواد الأعظم من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) وبنيه ينتمون إلى قبائل الجزيرة العربية، واليمن، والعراق؛ ويبدو أن دوزي قد توهم أن تشيع بلاد فارس في العصور المتأخرة كان ممتداً إلى الصدر الأول للإسلام، فافترض أن المذهب خرج من رحم تلك الثقافة، وهو افتراض ينم عن جهل فاضح بالتاريخ الإسلامي وتطوراته السكانية والمذهبية.
تهافت الدعاوى حول العرف السياسي العربي
يمتد الخلل المعرفي في أطروحة دوزي إلى دعواه بأن العرب لم يعرفوا نظام التوارث في الحكم وأنهم اعتمدوا الانتخاب الشعبي؛ وهي دعوى متهافتة تسقط أمام شواهد التاريخ الجغرافي والسياسي لشبه الجزيرة وما جاورها؛ إذ شهدت البيئة العربية قبيل البعثة النبوية وإبانها قيام ممالك عربية وراثية راسخة، كما في ممالك نجد، وحائل، واليمن، ومملكة الغساسنة في بلاد الشام، والمناذرة في العراق، مما يبطل الزعم بأن التوارث كان مفهوماً غريباً على الوعي السياسي العربي آنذاك.
التفكيك الجوهري بين الإمامة الدينية والولاية السياسية
وقع أصحاب تلك الشبهات في خلط منهجي جسيم بين مفهومين متمايزين: الإمامة الإلهية والمرجعية الدينية من جهة، والحكم التنفيذي والولاية السياسية المسماة بالخلافة من جهة أخرى. فالإمامة رتبة ومقام إلهي يختص بالهداية والبيان وصيانة الرسالة، بينما الخلافة إدارة شأن سياسي وإمرة تنفيذية.
ويتجلى هذا التمايز بوضوح في الموقف النبوي يوم غدير خم؛ حيث استهل النبي (ص) خطابه بتثبيت الإمامة والمرجعية الدينية العامة للأمة من خلال “حديث الثقلين”: “إني تارك فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا بعدي: كتاب الله وعترتي”، ثم عطف على ذلك بإعلان ولايته السياسية والحاكمية على المؤمنين ونقلها إلى علي (ع). فالنبي يظل نبياً مرسلاً وإن لم يُبايع على الحكم أو يقبض على مقاليد الدولة، كما كان شأنه في مكة، وكما كان الأنبياء إبراهيم، وزكريا، ويحيى، وإلياس، وعيسى (ع) أنبياء هداة بغير ممالك سياسية. وفي المقابل، جمع أنبياء آخرون كداود وسليمان وموسى (ع) بين النبوة والحكم بعد استيفاء شروط التمكين.
وكذلك الإمام الشرعي يبقى إماماً وحجة ومرجعاً معصوماً بمعية القرآن، دانت له الرقاب بالبيعة أم جُحد حقه السياسي، وهو ما يؤكد أن حصر الإمامة في العترة لم يكن استنساخاً لأعراف كسرى وقيصر كما توهم دوزي.
الرؤية القرآنية في استمرار الرسالات عبر الذرية المصطفاة
إن جعل المرجعية الروحية والإمامة في ذرية النبي (ص) وعترته ليس دخيلاً على الفكر التوحيدي، بل هو السنّة الإلهية المطردة في القرآن الكريم؛ حيث تحدث التنزيل الحكيم في مواضع كثيرة عن جعل النبوة والكتاب في أصلاب الأنبياء وذرياتهم.
ففي سورة الأنعام، يسرد القرآن الكريم سلسلة ممتدة من الأنبياء من ذرية إبراهيم ونوح: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ ۚ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاءُ ۗ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ ۚ كُلًّا هَدَيْنَا ۚ وَنُوحًا هَدَيْنَا مِن قَبْلُ ۖ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَىٰ وَهَارُونَ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَىٰ وَعِيسَىٰ وَإِلْيَاسَ ۖ كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطًا ۚ وَكُلًّا فَضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ ۖ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الأنعام: 83-87].
وفي سورة مريم، يعقب القرآن على ذكر الرسل بقوله تعالى: {أُولَٰئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا} [مريم: 58].
ويؤكد هذا المعنى في سورة الحديد: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا وَإِبْرَاهِيمَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ} [الحديد: 26]، وفي سورة آل عمران: {إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ} [آل عمران: 33-34]، وفي سورة الصافات عن نوح (ع): {وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ} [الصافات: 77-78].
معايير الاصطفاء الإلهي ونفي التوارث البيولوجي المطلق
توضح النصوص القرآنية أن استقرار المقامات الرسالية في الذرية ليس توارثاً بيولوجياً أعمى، بل هو جزاء دنيوي معلل بالإحسان والامتثال، ومقيد بمعيار العصمة والأهلية الإيمانية الصارمة.
ففي سورة العنكبوت يبين الله تعالى أن استمرار خط النبوة في نسل إبراهيم كان مكافأة لجهاده: {وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ وَآتَيْنَاهُ أَجْرَهُ فِي الدُّنْيَا ۖ وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} [العنكبوت: 27]، وهو ذات الأجر والجزاء المقترن بالإحسان في سياق سورة الأنعام: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.
ويتجلى المعيار الحاكم لهذا الاصطفاء في سورة البقرة عند ابتلاء الخليل (ع): {وَإِذِ ابْتَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ ۖ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا ۖ قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي ۖ قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ} [البقرة: 124]. لقد طلب إبراهيم امتداد هذا المقام الشريف في نسله، فاستجاب الله لدعائه مع وضع شرط قاطع ينفي استحقاق الظالمين له، مؤكداً أن مجرد الانتساب الجيني لا يمنح صاحبه شرف الإمامة؛ إذ {وَمِن ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِّنَفْسِهِ مُبِينٌ} [الصافات: 113]. فالإمامة عهد إلهي خاص يُمنح لصفوة معصومة تحقق الاستقامة المطلقة والعدل الإلهي.
إن ما يعتقده الشيعة من اختصاص ذرية النبي (ص) وعترته بمقام الإمامة وحمل الكتاب لا يعدو كونه تطبيقاً لهذه السنّة الإلهية القرآنية المطردة في بيوتات الأنبياء، وتبرئة تامة للأصل الديني من التأثيرات الفارسية أو الأعراف الملكية الغابرة.
ولعل أبلغ دليل قرآني على فك التلازم بين المقام الديني والمُلك السياسي هو قوله تعالى لبني إسرائيل: {وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا} [البقرة: 247]؛ فلو كان الاصطفاء الروحي مستلزماً للقبض على عرش السلطة حتماً، لكان ذلك النبي هو الأولى بقيادة الجيش والملك من طالوت الذي اختاره الله لحكمهم وإدارتهم دون أن يجعله نبياً.
اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات، واجعل التقوى زادهم، وأفرغ الإيمان والحكمة في قلوبهم، وأوزعهم أن يشكروا نعمتك التي أنعمت عليهم، وأن يوفوا بعهدك الذي عاهدتهم عليه، يا إله الحق وخالق الخلق؛ {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل: 90].
