تواترت النصوص الشريفة عن النبي الأكرم (ص) وأهل بيته الأطهار (ع) في بيان الأثر الوجودي والروحي لأعمال البر؛ حيث قال (ص): “تصدّقوا، وداووا مرضاكم بالصدقة، فإنّ الصدقة تدفع عن الأعراض والأمراض، وهي زيادةٌ في أعمارِكم وحسناتِكم”.
وعزّز الإمام محمد الباقر (ع) هذا البعد التكويني والجزائي بقوله: “الِبرّ والصدقة ينفيان الفقر، ويزيدان في العمر، ويدفعان سبعين ميتةَ سوء”.
كما رسم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) مسلكاً عملياً عند اشتداد الفاقة حين قال: “إذا أملقتُم، فتاجِروا اللهَ بالصدقة”.
وأوضح الإمام جعفر الصادق (ع) عظيم أثرها المعنوي حين قال: “صدقةُ السرّ تُطفئُ غضبَ الربّ”.
وتجلّت مكانة الصدقة في وجدان النبي الأكرم (ص) حين قال: “خُلَّتان لا أُحبُّ أن يشاركَني فيهما أحد: وضوئي، فإنّه من صلاتي، وصدقتي، فإنّها من يدي إلى يد السائل، فإنّها تقع في يد الرحمن”. فالصدقة ليست مجرد بذل مالي عابر، بل هي تواصل مباشر مع فيض الرحمة الإلهية وتفعيل لسنن التغيير والبركة في الكون.
الإرادة التكوينية وسنن الخلق والزمان
يصدع القرآن الكريم ببيان نفاذ المشيئة الإلهية المطلقة في قوله سبحانه: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ} [النحل: 40]. وقد بحث المحققون دلالات الإرادة والمشيئة في النص القرآني، وذهب جمع منهم إلى اتحادهما سياقاً ومؤدى في التعبير عن القصد والفاعلية الإلهية، وتوصلوا باستقراء الآيات والأحاديث إلى تقسيمهما إلى مسارين رئيسيين:
يختص القسم الأول بالمشيئة والإرادة التكوينية؛ وهي الإرادة المتعلقة بأصل الخلق والإيجاد، كإيجاد السماوات والأرض، وخلق العوالم، والملائكة، والجنة، والنار، والموت، والحياة.
ويندرج تحت هذا القسم كل ما يعتري الكون من ظواهر وقوانين؛ من صحو الطقس أو غباره، ونزول المطر، وحركة الأفلاك، والأرض، والقمر، وظواهر الكسوف، وولادة النجوم وموتها، إلى جانب سائر السنن الفيزيائية، والكيميائية، والبيولوجية الحاكمة للمادة.
وترتكز الإرادة التكوينية على حتمية التحقق وامتناع التخلف، غير أن وقوع الشيء التكويني لا يلزم منه الحدوث اللحظي الفوري؛ فالبيان القرآني في قوله {كُن فَيَكُونُ} يقرر حتمية النفاذ وفق التقدير الإلهي، سواء وقع ذلك في التو واللحظة أو استغرق مليارات السنين عبر أطوار كونية متدرجة، كخلق السموات والأرض الذي تطلب حقباً متطاولة حتى استقر على هيئته المشهودة. وسيطال هذا التبدل التكويني نظام الكون في القيامة بحتمية مماثلة: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ ۖ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ} [إبراهيم: 48].
ويتضح هذا الفارق الزمني بوضوح في باب إجابة الدعاء؛ فقوله تعالى: {ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ} [غافر: 60] لا يعني حتمية الاستجابة الفورية العاجلة ولا الاستجابة وفق التقدير القاصر للعبد.
وشاهد ذلك دعاء نبي الله إبراهيم الخليل (ع) حين قال: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} [البقرة: 129]؛ فقد استجاب الله تعالى دعاءه، لكن مقتضى المشيئة التكوينية أجرى الأمر عبر سنن التاريخ وتناسل الأجيال على مدى يقارب ألفين وأربعمئة سنة، حتى حان موعد الحمل المبارك تسعة أشهر، ومرور أربعين سنة من عمر المصطفى (ص) حتى بعثه الله رحمة للعالمين.
الإرادة التشريعية ومناط التكليف الإنساني
أما القسم الثاني فهو المشيئة والإرادة التشريعية؛ وهي المتعلقة بالأوامر والنواهي والفرائض التي وجهها الشارع الحكيم إلى المكلفين.
ومن أمثلتها تشريع الصيام وبيان رخصه في قوله تعالى: {وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة: 185]؛ فإيجاب الصيام إرادة تشريعية، وتشريع الرخص رحمة وتيسيراً إرادة تشريعية أيضاً.
ويفترق هذا القسم عن الإرادة التكوينية في كونه غير حتمي الوقوع في عالم الأعيان؛ لأن تحققه منوط باختيار المكلف وإرادته الحرة؛ فقد يمتثل الإنسان للأمر ويصوم، وقد يتمرد ويعصي.
ولا يعني تخلف الامتثال خروجاً للعبد عن سلطان الله أو غلبة لإرادة المخلوق على إرادة الخالق؛ وذلك لأصلين محكمين: أولهما أن الله سبحانه هو الذي أراد تكويناً أن يجعل الإنسان كائناً مختاراً يملك مشيئته الذاتية، وثانيهما أن العبد لا يقوى على إنفاذ اختياره إلا بالقدرة التي يفيضها الله عليه آناً فآناً، ومشيئة الإنسان محاطة بمشيئة الله وتمكينه: {وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ} [الإنسان: 30].
بطلان الجبر وإلزام المسؤولية الأخلاقية
تنهض المسؤولية الفردية ركناً أصيلاً يترتب عليه الثواب والعقاب، والمدح والذم؛ فلولا وجود الإرادة الحرة لدى الإنسان لبطل التكليف، واستحال الحساب والجزاء على الإيمان والكفر عبثاً وظلماً، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً.
وقد دحض القرآن الكريم ذرائع الجبريين والمشركين الذين حاولوا التملص من جرائمهم بتعليقها على المشيئة الإلهية: {وَقَالُوا لَوْ شَاءَ الرَّحْمَٰنُ مَا عَبَدْنَاهُم ۗ مَّا لَهُم بِذَٰلِكَ مِنْ عِلْمٍ ۖ إِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ} [الزخرف: 20].
ويسري هذا الفهم العقائدي ليصحح المسالك المنحرفة في واقع الحياة المعاش؛ حيث يبطل منطق أولئك الذين يلقون بتبعات فشلهم في بناء مؤسسة الزواج على شماعة “القسمة والنصيب” تبرئةً لعشوائيتهم وسوء اختيارهم لشريك الحياة، كما يُسقط أوهام من يتسبب في الحوادث المرورية المفجعة نتيجة انشغاله بهاتفه النقال أثناء القيادة ثم ينسب تفريطه واستهتاره إلى “القضاء والقدر”. إن القضاء والقدر الإلهي لا يلغي الأسباب ولا يُعفي المفرطين من التبعات، وسعادة الإنسان وشقاؤه في دنياه وآخرته إنما هما ثمرة قراراته وسعيه المسؤول.
