لا شكل مجرداً من دون مضمون داخلي يستند إليه، ولا مضمون فاعلاً في عالم الشهود من دون شكل خارجي يعبر عنه؛ غير أن العلاقة بين الطرفين قد تشهد تناغماً واتساقاً سلباً أو إيجاباً، وقد تفترق لتكشف عن مفارقات عميقة في موازين السلوك والتقييم.
ومن أظهر النصوص القرآنية التي تجسد التناغم الإيجابي التام بين الصورة والجوهر ما جاء في سورة النحل: {وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ} [النحل: 5-6]؛ حيث اجتمعت المنافع المادية والغذائية الممثلة لعمق المضمون مع البهاء البصري الذي يسر الناظرين، ليلتقي بذلك حُسن الظاهر بحسن الباطن في لوحة إلهية بديعة.
وتكرر هذا التكامل في قصة نبي الله يوسف (ع) حين واجه نسوة مصر: {وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ ۖ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَٰذَا بَشَرًا إِنْ هَٰذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ} [يوسف: 31]. ويعلق العلامة الطباطبائي على هذا المشهد موضحاً أنهن لم يصفنه بما يدل على مجرد جمال الوجه واعتدال الصورة المادية فحسب -وإن كان هو المحرك الأولي لدهشتهن- بل خلعن عليه وصف “الملك الكريم”، إشارةً جامعة إلى حُسن صورته وسيرته معاً، وجمال خَلقه وخُلقه، وظاهره وباطنه في آن واحد.
ميزان التقويم الإلهي ومركزية القلب السليم
هل للشكل الخارجي المجرد وزن وقيمة في ميزان التقويم عند الله تعالى؟
يجيب الحديث الشريف بحسم قاطع: “إنَّ الله لا ينظرُ إلى أجسامِكم، ولا إلى صُوَركم، ولكن ينظُرُ إلى قلوبِكم”. فالأشكال، والأنساب، والأعراق، ومظاهر الثياب ليست سوى قشور زائلة؛ والمناط الحقيقي للجزاء هو طهارة الباطن، وإخلاص النوايا، وحسن الظن بالله، وسلامة الصدر من الغل والحسد والنفاق.
ولهذا رُفعت الضراعة الخالدة على لسان إبراهيم الخليل (ع): {وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [الشعراء: 87-89].
غير أن مركزية القلب وطهارته لا تلغي العناية بالمظهر الحسن في الحدود المشروعة؛ فالشريعة السمحة نبذت الرهبانية والتزمت، ودعت إلى التزين والاعتدال: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ} [الأعراف: 31-32].
ولم تضع القيود إلا أمام الانحراف والعدوان: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33].
تلازم الباطن والعمل ومفارقات الصدقة
كما أن سلامة الباطن لا تغني عن التجمل المشروع، فإن المشاعر القلبية لا تكفي دون ترجمتها إلى سلوك وممارسة؛ فالقرآن ربط الفوز باقتران الإيمان بالعمل الصالح: {وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا} [النساء: 124].
وعلى صعيد السلوك، يبرز التمايز الحاد بين ظاهر الأفعال وبواطنها؛ فقد يتوافقان في الحسن أو القبح، وقد يتناقضان.
ويتجلى ذلك في فلسفة الإنفاق والعطاء؛ فالصدقة في ذاتها فعل ظاهري نبيل، لكنها تتحول إلى قبح إذا شيبت بالمن والأذى، أو قُرنت بالرياء الذي يُفرغ العمل من قيمته، كما صوّرته الآية الكريمة: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُم بِالْمَنِّ وَالأَذَىٰ كَالَّذِي يُنفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ۖ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْدًا ۖ لَّا يَقْدِرُونَ عَلَىٰ شَيْءٍ مِّمَّا كَسَبُوا} [البقرة: 264].
وفي المقابل، يرتقي العمل إلى ذروة التمام حين تتطابق الصورة الحسنة مع النية المخلصة: {وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [البقرة: 265].
مقاصد الهجرة ودقة الميزان العلوي
تأكد هذا الأصل الحاكم في التوجيه النبوي الخالد بشأن الهجرة النبوية؛ وهي الحدث التاريخي والتضحية الجسيمة في عهد الرسالة، غير أن قيمتها لم تكن مقيسة بوعثاء السفر وترك الديار فحسب، بل بمكنون القلوب؛ إذ قال (ص): “إنّما الأعمال بالنيات، وإنّما لكل امرئ ما نوى؛ فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله، فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها، أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر إليه”.
ولهذا لا يجوز الحكم على الأفراد استناداً إلى بريق الظاهر فقط، بل يجب النفاذ إلى الغايات والمقاصد.
ويمتد هذا التدقيق حتى في تقييم الأفعال الخاطئة والفاسدة؛ فالجاهل الذي زلت به القدم طلباً للصلاح لا يستوي مع المتعمد للبغي والضلال.
وهو الميزان الدقيق الذي صاغه أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في نهج البلاغة عند بيانه الفارق بين أهل الانحراف: “فليس مَن طلبَ الحقَّ فأخطأه، كمَن طلبَ الباطلَ فأدركه”؛ فكلا الفريقين مأخوذ بجرمه ومحاسب على مخالفته، غير أن مراتب المؤاخذة تتفاوت لتفاوت البواعث والنيات.
وهم الغرور وهيمنة الاستعراض المعاصر
يضع القرآن الكريم حقيقة المظاهر الدنيوية في حجمها الطبيعي العابر محذراً من الانخداع بها: {اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ۖ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا ۖ وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ ۚ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [الحديد: 20].
إن غاية الإنسان في مسيره الأرضي هي طلب مرضاة الله؛ غير أن صحة الفعل المجرد لا تغني عن إخلاص النية، كما أن طهارة السريرة لا تعفي من التزام السلوك القويم، والعناية بالسمت المتزن والمظهر اللائق دون إسراف.
وتتعاظم الخطورة حين تطغى الشكليات الصامتة وتصبح هي المعيار الأوحد في تقييم الشخصيات وإبرام الاختيارات المصيرية؛ وهو المأزق الذي يتورط فيه كثير من الشباب والفتيات اليوم بالانبهار بزخرف المظهر والصور الافتراضية، وإغفال الجوهر الأخلاقي والقيمي الكامن خلفها.
ويرجع أصل هذا الاختلال إلى تراجع موقع القيم الأصيلة في الثقافة المعاصرة، مما أفسح المجال لسيادة ثقافة الصورة والاستعراض السطحي وسيلةً وحيدة لإثبات الذات.
