جاء في الصحيفة السجادية للإمام علي بن الحسين زين العابدين (ع)، في دعائه الموسوم بـ “الرِّضا إِذا نَظَرَ إِلى أَصْحابِ الدُّنْيا”: “الْحَمْدُ لِلَّهِ رِضاً بِحُكْمِ اللَّهِ”. يضع هذا الاستفتاح الروحي الأساس لعلاج أزمة نفسية وإيمانية عميقة تلازم الطبيعة البشرية حين تقع فريسة الموازنات المادية؛ فالإنسان كثيراً ما يستغرق في مقارنة واقعه بأحوال الآخرين، سواء في اتساع الثروة، أو كثرة الذرية، أو مظاهر الجمال والجاه، وغيرها من الأعراض الفانية.

فخ المقارنات وآفاته السلوكية

إن هذه المقارنات الدائمة تورث النفس إنهاكاً مزمناً وقلقاً لا ينقطع، بل تمتد لتتحول إلى مزالق خطيرة؛ فتدفع بصاحبها إلى استشعار الحسد، أو الغرق التام في طلب الدنيا وإيثارها على الدار الآخرة، أو التورط في سبل التكسب الحرام رغبةً في مجاراة الآخرين والتعالي عليهم، بل قد تبلغ الخسة بصاحبها أن يتمنى زوال النعمة عن غيره.

ولهذا جاء التحذير القرآني الصريح حاسماً للنزعة البصرية والنفسية في قوله تعالى: {وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَىٰ مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ ۚ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَىٰ} [طه: 131]؛ مبيناً أن تلك المظاهر ليست سوى زينة عاجلة وابتلاء زائل، وأن العطاء الإلهي الحقيقي يكمن في الرزق الدائم الخالي من التبعات.

العدالة الإلهية وتفكيك عقدة الحرمان

ينطلق النص السجادي لمعالجة هذا الداء من إعلان الرضا التام بمشيئة الله وتدبيره، مقروناً بالحمد والثناء؛ لكون المقارنات الباطلة لا تكتفي بهز الاستقرار النفسي، بل تتعداه لتضرب أصل العقيدة واليقين بعدل الله وحكمته.

ومن هنا يؤصل الإمام (ع) الشهادة الوجدانية الحاسمة: “شَهِدْتُ أَنَّ اللَّهَ قَسَّمَ مَعَايِشَ عِبَادِهِ بِالْعَدْلِ، وَأَخَذَ عَلَى جَمِيعِ خَلْقِهِ بِالْفَضْلِ”. فالأرزاق ليست مقياساً لكرامة العبد أو هوانه عند خالقه، بل هي توزيع حكيم قائم على القسط والرحمة، وما من مخلوق إلا وهو مغمور بفيض الفضل الإلهي من جهات شتى قد تعمى عنها عين المقارنة السطحية.

النعمة كمضمار للاختبار وسمو الدعاء للغير

يكشف الإمام (ع) عن حقيقة ما يراه الناس من نعم دنيوية، مبيناً أنها ليست بالضرورة جزاءً أو إكراماً، بل هي مضمار للفتنة والتمحيص؛ اختبار للمحروم في مدارج الصبر وعفة النفس ونقاء السريرة، واختبار للمُنعَم عليه في الشكر والتواضع وأداء الحقوق: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلاَ تَفْتِنِّي بِمَا أَعْطَيْتَهُمْ، وَلاَ تَفْتِنْهُمْ بِمَا مَنَعْتَنِي، فَأَحْسُدَ خَلْقَكَ، وَأَغْمِطَ حُكْمَكَ”.

وتتجلى في هذا المقطع ذروة النبل الإيماني والتسامي الأخلاقي؛ فالإنسان لا يدعو لنفسه بالسلامة من الحسد والتبرم من القضاء فحسب، بل يتجاوز أفق الذات الضيق ليدعو لأصحاب تلك النعم بأن يقيهم الله فتنة الاستدراج والغرور، وبذلك يستل من قلبه كل غل أو غيرة تجاه الآخرين.

الطمأنينة القلبية وثمرة التسليم

يختم الإمام هذا البناء التزكوي بسؤال الراحة والسكينة الداخلية؛ فما أكثر الذين تحترق نفوسهم في هذه الحياة حسرة على ما فاتهم، ولا دواء لهذا الاحتراق إلا بالتسليم الواعي لحكمة القضاء: “وَطَيِّبْ بِقَضَائِكَ نَفْسِي، وَوَسِّعْ بِمَوَاقِعِ حُكْمِكَ صَدْرِي، وَهَبْ لِيَ الثِّقَةَ لِأُقِرَّ مَعَهَا بِأَنَّ قَضَاءَكَ لَمْ يَجْرِ إِلَّا بِالْخِيَرَةِ”.

إن انشراح الصدر بمواقع الأقدار والثقة بحسن اختيار الله هما مفتاح السلام النفسي الحقيقي؛ وبهما يوقن العبد أن كل ما جرى له هو عين المصلحة والخير لمصيره، لتستقر النفس في مرفأ السكون ويفيض عليها الرضا برب العالمين.

الشيخ علي حسن

View all posts