تحدث القرآن الكريم عن الظلم والتحذير من عواقبه الوخيمة في مناسبات ومواضع شتى؛ ففي سورة البقرة وحدها تكرر الحديث عن الظلم والظالمين في اثنتين وعشرين آية.

وقد رسم التنزيل الحكيم الموقف الإلهي الحاسم والرافض لهذه الآفة بصور قطعية لا تحتمل التأويل، فجاء في محكم الآيات: {وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 57]، و{وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} [آل عمران: 86]، وأعلن الجزاء الصارم بقوله: {فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَن لَّعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [الأعراف: 44]، وقضى بحتمية العقاب في قوله: {إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} [إبراهيم: 22]، ثم توّج الموقف بالطرد الأبدي: {فَبُعْدًا لِّلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} [المؤمنون: 41].

والظلم قد يصدر عن أي إنسان؛ سواء في حق خالقه بالشرك والتمرد، أو بحق نفسه بالمعاصي وإيرادها المهالك، أو بحق سائر الخلق بالاعتداء وسلب الحقوق، ولا سيما أن في التكوين البشري استعداداً كامناً للانحراف نبه إليه القرآن الكريم: {إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} [إبراهيم: 34]. غير أن صدور زلة لا يوجب بالضرورة دخول المرء في الزمرة الملعونة من الظالمين، كما لا يبرئه قطعاً من التلبس بها؛ فالسمات الأخلاقية نسبية في مراتبها ومظاهرها، مما يجعل امتلاك معيار تشخيصي دقيق ضرورة ملحة لمحاسبة الذات.

المعيار العلوي وتشخيص الشخصية الظالمة

قدّم أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ميزاناً حاسماً لكشف حقيقة هذه الآفة حين قال: “لِلظَّالِمِ مِنَ الرِّجَالِ ثَلَاثُ عَلَامَاتٍ: يَظْلِمُ مَنْ فَوْقَهُ بِالْمَعْصِيَةِ، وَمَنْ دُونَهُ بِالْغَلَبَةِ، وَيُظَاهِرُ الْقَوْمَ الظَّلَمَةَ”.

إن هذا التوصيف الدقيق يكشف أن الظلم عند هؤلاء ليس نزوة عابرة أو حالة طارئة أفرزتها ظروف استثنائية، بل هو سجية متجذرة في البنية النفسية، تتبدى في كل موقف بحسب موازين القوة والضعف:

فعندما يكون الشخص في المرتبة الأدنى، يتجلى ظلمه في نقض العهود والتمرد على التزاماته الواجبة؛ كالموظف الذي يتقاضى حقوقه المالية كاملة غير منقوصة، لكنه يتعمد التقاعس عن أداء مهامه الوظيفية وإهدار أوقات العمل، فهو بذلك ظالم لمن هو أعلى منه مرتبة ومسؤولية. وتلك هي أيضاً حقيقة تمرد العبد في علاقته برب العزة حين يأتيه الأمر الشرعي فيصر على العصيان والاستكبار.

وعندما يرتقي الشخص نفسه إلى المرتبة الأعلى وتكون له الغلبة، ينقلب إلى ممارسة القهر والاستطالة؛ فيوظف نفوذه وسطوته في إلحاق الأذى المادي والمعنوي بالمرؤوسين والضعفاء، مستبيحاً حقوقهم ومستضعفاً جانبهم.

أما المظهر الثالث فيبرز حين يقع الظلم من طرف ثالث، فتجد هذه الشخصية تسارع تلقائياً إلى مناصرة الجائر وإعانته على بغيه. وتتعدد صور هذه المظاهرة؛ فقد تكون بالفعل المباشر لتمكين الجور، أو بالكلمة والدفاع الباطل كما يفعل بعض المحامين حين يتجردون من التقوى والشرف المهني، فيتصدون للدفاع عن ظالم يعلمون يقيناً أنه مبطل ومغتصب للحقوق، متتبعين الثغرات القانونية لترسيخ الجريمة وشرعنتها. ومصداق ذلك أيضاً ما يقترفه بعض الإعلاميين والناشطين في الفضاء الرقمي ممن يقلبون الحق باطلاً ويزينون القبيح لاستدرار التعاطف مع المستبدين. والدرك الأسفل من ذلك كله أن يناصر المرء ظالماً في قضية لا تعود عليه بأي نفع شخصي؛ وهو ما يبرهن على خسة الطبع وتطابق الأرواح، فالطيور على أشباهها تقع.

وزر التبرير وجريمة التعاطف مع الطغاة

حذر الإمام جعفر الصادق (ع) من مغبة شرعنة البغي وتبريره بقوله فيما رواه عبد الله بن سنان: “مَنْ عَذَرَ ظَالِماً بِظُلْمِهِ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْهِ مَنْ يَظْلِمُهُ، وَإِنْ دَعَا لَمْ يُسْتَجَبْ لَهُ، وَلَمْ يُؤْجِرْهُ اللَّهُ عَلَى ظُلَامَتِهِ”.

ويستدعي هذا التحذير الصارم التوقف باستغراب أمام ظاهرة ترويج البعض حتى يومنا هذا لرموز الديكتاتورية الموغلة في الوحشية، كالترحم على صدام وتبرير جرائمه المهولة التي فتكت بمئات الآلاف من أبناء شعبه بدعوى أن المجتمعات لا تساس إلا بالقهر والبطش، أو تسويغ اعتدائه الغاشم على جيرانه بأنه كان صاحب “طموح ومشروع قومي”. إن مثل هذا الاصطفاف مع طاغوت ارتكب أبشع فظائع العصر يضع أصحابه في دائرة الشراكة الأخلاقية في تلك الدماء والجرائم، ويدخلهم حكماً في العلامة الثالثة من علامات الظالمين.

الموقف التفاعلي وفقه النصرة في الأدعية السجادية

يرفض المنهج الإسلامي الأصيل السلبية والحياد تجاه الظلم والمظلومين؛ وتتجلى هذه الذروة الأخلاقية في أدعية الصحيفة السجادية للإمام زين العابدين (ع). ففي الدعاء الثامن والثلاثين، يقدم الإمام استغفاراً تأسيسياً يعلم الأمة واجب التدخل الإيجابي: “اللَّهُمَّ إِنِّي أَعْتَذِرُ إِلَيْكَ مِنْ مَظْلُومٍ ظُلِمَ بِحَضْرَتِي فَلَمْ أَنْصُرْهُ”؛ فالإثم لا يقتصر على مباشرة الجور، بل يشمل خذلان المستضعف والسكوت عن نصرته مع القدرة.

ويضبط الإمام في دعائه الرابع عشر التوازن الروحي الواجب على المؤمن: “اللَّهُمَّ فَكَمَا كَرَّهْتَ إِلَيَّ أَنْ أُظْلَمَ، فَقِنِي مِنْ أَنْ أَظْلِمَ”، مؤكداً في الدعاء العشرين: “اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَلَا أُظْلَمَنَّ وَأَنْتَ مُطِيقٌ لِلدَّفْعِ عَنِّي، وَلَا أَظْلِمَنَّ وَأَنْتَ الْقَادِرُ عَلَى الْقَبْضِ مِنِّي”. فلا ينبغي للمؤمن أن يقصر رجاءه على الحماية من بغي الناس، بل يجب أن يلح في طلب العصمة من أن يصدر منه بغي على أحد.

العدالة الميدانية واستنقاذ الحق من غير تعتعة

تترجم السيرة العلوية هذه المبادئ إلى واقع تنفيذي حازم؛ فقد رُوي أن سعيد بن قيس الهمداني رأى أمير المؤمنين (ع) يوماً في وقت الظهيرة والقيظ متفيئاً جداراً في الكوفة، فقال متعجباً: يا أمير المؤمنين، في هذه الساعة؟! فأجابه الإمام: “مَا خَرَجْتُ إِلَّا لِأُعِينَ مَظْلُوماً أَوْ أُغِيثَ مَلْهُوفاً”.

وبينما هما كذلك، أقبلت امرأة وجلة يخلع الخوف قلبها، فاستجارت به قائلة: يا أمير المؤمنين، ظلمني زوجي وتعدى عليّ وحلف ليضربني، فاذهب معي إليه. فطأطأ الإمام رأسه ثم رفعه وهو يستحضر مسؤوليته ووصية النبي (ص): “حَتَّى يُؤْخَذَ لِلْمَظْلُومِ حَقُّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ”، مصداقاً للحديث النبوي: “لا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يَأْخُذُ الضَّعِيفُ فِيهَا حَقَّهُ غَيْرَ مُتَعْتَعٍ” أي بلا خوف أو تلعثم.

وانطلق الإمام معها حتى بلغا دارها، فسلم فخرج شاب يرتدي ثياباً ملونة، فبادره الإمام بالنصح: “اتَّقِ اللَّهَ، فَقَدْ أَخَفْتَ زَوْجَتَكَ”، فقابله الشاب بوقاحة متبجحاً: “وَمَا أَنْتَ وَذَاكَ؟ وَاللَّهِ لَأُحْرِقَنَّهَا بِالنَّارِ لِكَلَامِكَ!”. وكان الإمام إذا خرج يحمل درته بيده وسيفه في غمده تحت إبطه، فلما رأى هذا الاستكبار والتمادي، جرّد سيفه في وجهه رادعاً وقال: “آمُرُكَ بِالْمَعْرُوفِ وَأَنْهَاكَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتَرُدُّ الْمَعْرُوفَ؟! تُبْ وَإِلَّا قَتَلْتُكَ”.

وفي تلك اللحظة تدافع أهل السكك يتساءلون عن أمير المؤمنين ويسلمون عليه بالإمرة، فبُهت الشاب وسقط في يده خاضعاً حين أدرك أنه يقف أمام رأس الدولة وخليفة المسلمين، وتراجع عن طغيانه منكسراً: “يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، اعْفُ عَنِّي عَفَا اللَّهُ عَنْكَ، وَاللَّهِ لَأَكُونَنَّ أَرْضاً تَطَؤُنِي!”. فأمر الإمام الزوجة بدخول بيتها، وانكفأ راجعاً وهو يرتل: {لَّا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ}، حامداً الله على إحقاق الحق وجبر الضعيف.

إن الموقف الأخلاقي والشرعي من البغي صريح لا لبس فيه؛ والآفة الكبرى تكمن في تسويغ الإنسان الظلم لنفسه بالتبريرات الزائفة، أو في إعانة المجتمع للظالم وتشجيعه على الاستكبار، حتى تستحكم النزعة العدوانية فتوصد دونها أبواب النصيحة. ومن أوجب الواجبات أن يتفقد كل فرد موازين سلوكه وفق هذه المعايير الكاشفة، ليتدارك أمره بالتوبة ورد المظالم قبل فوات الأوان، وقبل أن تدهم الروح غمرات الموت: {وَلَوْ تَرَىٰ إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنفُسَكُمُ ۖ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ} [الأنعام: 93].

الشيخ علي حسن

View all posts