{إِذْ جَاؤُوكُم مِّن فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا ۝ هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالاً شَدِيدًا} [الأحزاب: 10-11].

في السنة الخامسة للهجرة النبوية الشريفة، واجه المسلمون واحدة من أعتى وأشرس المواجهات العسكرية في تاريخهم المبكر؛ حيث بلغت ذروة الصدام في شهر شوال، بينما بدأت إرهاصاتها واستعداداتها في شهر رمضان المعظم بحفر الخندق تأهباً ومدافعة. ولم تكن تلك الشدة محصورة في بعدها النفسي الضاغط فحسب، بل اقترنت بإجهاد بدني ومجهود حربي استثنائي أجهد الجبهة الإسلامية بأسرها؛ إذ تصف السيدة أم سلمة ذلك المشهد بقولها: “قد شهدتُ معه مشاهد فيها قتال وخوف: المريسيع، وخيبر، وكنا بالحديبية، وفي الفتح، وحنين، لم يكن من ذلك شيء أتعب لرسول الله [ص] ولا أخوف عندنا من الخندق، وذلك أن المسلمين كانوا في مثل الحَرَجة”؛ أي كالشجرة المتشابكة الأغصان لتشتت القوى وحراسة الثغور من كافة الجهات، مضيفة: “وأن قريظة لا نأمنها على الذراري، والمدينة تُحرس حتى الصباح، يُسمع تكبير المسلمين فيها حتى يُصبحوا خوفاً”. وتتأكد تلك اليقظة الشاقة في كلمة محمد بن مسلمة: “كان ليلنا بالخندق نهاراً”.

عوامل الشدة وتألب التحالف القرشي

تضافرت عوامل عسكرية وميدانية بالغة التعقيد فرضت ذلك الزلزال الشديد على مجتمع المدينة؛ كان في مقدمتها الحشد غير المسبوق للأحزاب وتشكيل تحالف عريض جمع قريشاً، وسُليماً، وأشجع، وأسداً، وفزارة، ومُرة، في جيش ناهز عشرة آلاف مقاتل، حتى نعت التنزيل رعبهم الباقي في النفوس بقوله: {يَحْسَبُونَ الْأَحْزَابَ لَمْ يَذْهَبُوا} [الأحزاب: 20].

وبمجرد وصول الأنباء بعزم الأحزاب على استئصال شأفة الإسلام، تسارع العمل لحفر الخندق بمشورة سلمان الفارسي على قدم وساق، تحت وطأة الصيام وضيق العيش، مما ضاعف المشقة وأضفى على الميدان طابع التحدي الوجودي.

طعنات الغدر وخذلان النفاق

تعاظمت وطأة المحنة ببروز الطابور الخامس وتكشف حقيقة المنافقين داخل الجبهة الداخلية؛ ففي اللحظة التي دهم فيها الغزاة أرجاء المدينة، انبرى هؤلاء للتثبيط ونشر الإرجاف والانهزامية، وهو ما وثقه القرآن الكريم في قوله: {وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا ۝ وَإِذْ قَالَت طَّائِفَةٌ مِّنْهُمْ يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا ۚ وَيَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِّنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ ۖ إِن يُرِيدُونَ إِلَّا فِرَارًا ۝ وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا} [الأحزاب: 12-14].

رسوخ الصفوة ومصداقية الثبات الإيماني

في المقابل المشهود، واجهت الفئة المؤمنة الخالصة هذا الطوفان بثبات أسطوري ورسوخ عقائدي خلدته الآيات: {وَلَمَّا رَأَى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ۚ وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا ۝ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ ۖ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ ۖ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا} [الأحزاب: 22-23].

وتكشف المقارنة التحليلية بين المجموعتين عن تباين جذري في ثلاثة مسارات رئيسية:

على مستوى المنطلق الفكري والتصور القلبي، سقط أهل النفاق في مستنقع الشكوك وسوء الظن بالله: {وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا}، في حين ارتقى المؤمنون في مدارج اليقين والرضا: {وَمَا زَادَهُمْ إِلَّا إِيمَانًا وَتَسْلِيمًا}.

وعلى مستوى الخطاب والبيان المنطوق، أطلق المنافقون دعاوى التيئيس والتكذيب بالوعد: {مَّا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا}، بينما هتف المؤمنون بيقين التسليم: {هَٰذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ}.

وعلى مستوى الأداء والموقف العملي، بادر المتخاذلون إلى الهروب والتحريض على الانسحاب: {يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا}، مع الاستعداد الفوري لبيع الوطن والردة عند أدنى فتنة: {وَلَوْ دُخِلَتْ عَلَيْهِم مِّنْ أَقْطَارِهَا ثُمَّ سُئِلُوا الْفِتْنَةَ لَآتَوْهَا وَمَا تَلَبَّثُوا بِهَا إِلَّا يَسِيرًا}. بينما جسد المؤمنون الصدق العملي باسترخاص الأرواح والثبات في الخندق دون نكوص أو تراجع: {صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَىٰ نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا}. فلم تؤثر خيانة المنافقين في عزائمهم، بل استنهضت مكامن الصبر لديهم.

سنن التمحيص وتتويج النصر الإلهي

لقد وعى المؤمنون يوم الأحزاب الدرس القرآني القاضي بحتمية الابتلاء؛ فأدركوا أن اصطفاف جحافل الشرك أمام الخندق ليس علامة هزيمة أو خذلان، بل هو تصديق للناموس الإلهي الحاكم لحركة التاريخ والصراع بين الحق والباطل، كما جاء في محكم التنزيل: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ} [البقرة: 214].

وفي حمأة مثل هذا التمحيص الشديد يتحقق الفرقان وتتمايز الصفوف، فتسقط الأقنعة وتتلاشى العناوين الزائفة لتتساقط النفوس المهزوزة في قارعة الطريق، في حين يثبت الصادقون على ميثاقهم، فتكتب لهم مشيئة الله النصر والتمكين: {وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا ۚ وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ ۚ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا} [الأحزاب: 25].

الشيخ علي حسن

View all posts