{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [البقرة: 183].
حين يُطرح التساؤل العفوي في الأوساط المجتمعية عن ماهية الإنسان المتّقي المتدين، أو بالاصطلاح الدارج عمن “يخاف ربه”، تنصرف الأذهان تلقائياً إلى اختزاله في صور محددة: هو من يُكثر الصلاة، ويؤتي الزكاة، ويواظب على الصيام. والواقع التحليلي يبيّن أن هذه الشعائر والفرائض تمثّل في جانب منها أدواتٍ تربوية وروحية لتحقيق التقوى، وتشكّل في جانب آخر مؤشراً واحداً من مؤشرات احتمال وجودها، لا أنها هي التقوى في ذاتها وجوهرها؛ إذ إن المعيار الحقيقي لتمييز المتّقي يكمن في مراقبة سلوكه العام وممارساته في معترك الحياة.
شمولية التقوى في الميادين الحياتية
إن المتتبع لآيات الذكر الحكيم يدرك بجلاء أن التقوى مفهوم شامل يجب أن يهيمن على سائر مناحي النشاط البشري؛ في السياسة، والاقتصاد، والعلاقات الاجتماعية، ومواقف النزاع والحروب، وليست مجرد حالة شعائرية حبيسة المساجد أو أوقات العبادة المنقطعة.
ففي ساحات الحرب والقتال، حيث تغلي النفوس بنوازع الانتقام وتطغى فورة الغضب، يُلزم القرآن الكريم المؤمنين بالانضباط الصارم لحدود العدالة: {الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَىٰ عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ} [البقرة: 194]. فالتقوى هنا تعني كبح جماح التجاوز ومنع الإسراف في القوة حتى في مواجهة المعتدين.
التقوى في العلاقات الأسرية ومحنة الفراق
تتجلى ذروة الحاجة إلى التقوى في شؤون الطلاق والنزاعات الأسرية، حيث تتأزم العواطف وتتعقد الحقوق؛ إذ يوجّه التنزيل نداءه الحازم: {وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لِّتَعْتَدُوا وَمَن يَفْعَلْ ذَٰلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُم مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 231].
وتكرار استحضار التقوى في آيات الطلاق وتفصيلاته مفهوم بعمق لمن يرصد واقع المحاكم الأسرية المعاصرة؛ حيث تكثر النزاعات الكيدية، وشهادات الزور، والمماطلة، وأكل الأموال بالباطل، وتعليق الزوجات إضراراً بهن أو ابتزازاً لحقوقهن، أو تملص أحد الطرفين من واجباته دون مبرر، وتوظيف حضانة الأطفال كورقة ضغط وانتقام. وفي هذه المساحات المعقدة التي تخفى فيها الحقائق ويتعذر إثباتها قضائياً في كثير من الأحيان، تصبح التقوى ومخافة الله الرادع الوحيد والحصن الأخلاقي الذي يمنع الأنانية والظلم المستتر.
العدالة المالية وأمانة العهود
يمتد سلطان التقوى إلى أسواق المال وميادين التكسب والاستدانة؛ ففي تحريم الاستغلال المالي والتربح المحرم يصدع القرآن: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ} [البقرة: 278].
وفي توثيق المعاملات الآجلة والديون المالية، يربط التشريع بين دقة التوثيق وبين الخشية الإلهية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ إِلَىٰ أَجَلٍ مُّسَمًّى فَاكْتُبُوهُ… وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [البقرة: 282].
كما تتأكد هذه الركيزة في أداء الأمانات والوفاء بالمواثيق؛ حيث ينتقد القرآن الكريم ذرائع من يتنصلون من أداء حقوق الناس تحت مسوغات استعلائية، ويجعل الوفاء مقترناً بالتقوى المستوجبة لمحبة الله: {وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَّا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ بَلَىٰ مَنْ أَوْفَىٰ بِعَهْدِهِ وَاتَّقَىٰ فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} [آل عمران: 75-76].
الميزان النبوي وصدق المعاملة
يتضح من استقراء هذه الآيات أن التقوى الحقيقية التي يدعو إليها الإسلام ليست سمتاً شكلياً ولا مظهراً مجرداً، بل هي رقابة ضمير حية تصحب الإنسان في كل حركة وسكنة، وتنعكس عدلاً وإنصافاً وأمانة في معاملاته اليومية.
أما العبادات الشعائرية، فعلى عظيم قدرها وفرضيتها، تظل سبباً ومساراً يهدف إلى ترسيخ هذا الخلق العملي؛ ولهذا وضع رسول الله (ص) الميزان الفارق لتقييم التدين الحق حين قال: “لا تنظروا إلى كثرة صلاتهم وصومهم وكثرة الحج والمعروف وطنطنتهم بالليل، ولكن انظروا إلى صدق الحديث وأداء الأمانة”.
