كثيراً ما يقع الصراع والتصادم بين العاطفة من جهة، وبين الإيمان والعقل من جهة ثانية؛ وفي الأعم الأغلب تنتصر العاطفة وتفرض سلطانها، فيُعطّل عمل الإيمان والعقل ولو بصورة جزئية أو مؤقتة. ومن هذا المنطلق البشري، يتكرر في القرآن الكريم التنبيه الإلهي الصارم: {وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يُؤْمِنُونَ} [هود: 17]، و{وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ} [المائدة: 103].
وقد يكمن سر هذه الهيمنة في أسبقية العاطفة وتجذرها في التكوين الإنساني منذ نعومة الأظفار؛ إذ تمثل في مرحلة الطفولة المبكرة المحرك الأساس والأقوى للسلوك، ثم تتنامى وتزداد تأججاً في سني البلوغ والمراهقة، لتغدو ركيزة نفسية عميقة في الوجدان. أما العقل، والإدراك التحليلي، والإيمان المكتسب بالدراسة والبحث أو بالاتباع الواعي، فإنما يتبلور في مرحلة لاحقة من النضج الإنساني.
العاطفة مدخلاً تأسيسياً للإيمان
انطلاقاً من هذا الترتيب التكويني، تغدو العاطفة البوابة الكبرى لتحقيق الإيمان الحقيقي؛ والمقصد هنا هو توجيه عاطفة الطفل في مهده نحو الدين، وإقامة أركانها على هدي المبادئ القرآنية والتعاليم الإسلامية، فينشأ محباً للشريعة ومشدوداً إلى قيمها بقلبه، تماماً كما ينشد إليها الباحث المنصف بعقله وبرهانه. فجميع الوسائل التعليمية والأدوات الفكرية تمكث في صعيد، وتبقى العاطفة في صعيد آخر؛ وغالباً ما تعجز الأدوات المعرفية المجردة عن إيتاء ثمارها المرجوة ما لم تسبقها شحنة عاطفية إيجابية ومحبة راسخة تجاه الدين ومظاهره.
التربية المحمدية في الخطبة القاصعة
تتجلى قمة هذا البناء الوجداني في السيرة التربوية لرسول الله (ص) مع أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) في بدايات نشأته، بعدما استأذن النبي عمه أبا طالب ليجعل علياً في حضانته ورعايته؛ ويصف أمير المؤمنين ذلك المشهد التربوي النادر في الخطبة القاصعة بنهج البلاغة قائلاً: “وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ [ص] بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ، وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ؛ وَضَعَنِي فِي حِجْرِهِ وَأَنَا وَلَدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ، وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ، وَيُمِسُّنِي جَسَدَهُ، وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ، وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلْقِمُنِيهِ”.
بهذا التدفق الحاني تشكّل البناء العاطفي بين المصطفى والوصي، فكان أن تشرّب عليٌّ أزكى الأخلاق من الصادق الأمين صاحب السيرة الممدوحة في بطحاء مكة حتى قبل البعثة، ولذا عقّب الإمام مفتخراً: “وَمَا وَجَدَ لِي كَذْبَةً فِي قَوْلٍ، وَلَا خَطْلَةً فِي فِعْلٍ”.
وقد كانت نشأة النبي (ص) في ذاتها إعداداً ربانياً رفيعاً، أفصح عنه الإمام في تتمة خطبته: “وَلَقَدْ قَرَنَ اللَّهُ بِهِ [ص] مِنْ لَدُنْ أَنْ كَانَ فَطِيماً أَعْظَمَ مَلَكٍ مِنْ مَلَائِكَتِهِ، يَسْلُكُ بِهِ طَرِيقَ الْمَكَارِمِ، وَمَحَاسِنَ أَخْلَاقِ الْعَالَمِ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ”. وانعكست هذه العناية الربانية في تربية المصطفى لعلي رعايةً دائمة ولصيقة؛ إذ يقول: “وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ، يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلَاقِهِ عَلَماً، وَيَأْمُرُنِي بِالِاقْتِدَاءِ بِهِ، وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلَا يَرَاهُ غَيْرِي”.
فأينعت هذه العلاقة الأبوية الحميمية أعظم الثمار، حتى غدا علي كنفس رسول الله: “وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلَامِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ [ص] وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا، أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ، وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ”.
تحديات الاستقرار الأسري وجفاف المشاعر
يفرض هذا النموذج الرسالي علينا الاعتناء الفائق بالبناء العاطفي المتزن مع الأبناء إن أردنا غرس بذار التقوى والإيمان؛ توازناً يبتعد عن الإفراط المؤدي إلى الدلال المفسد، وعن التفريط القاسي الذي يمزق وشائج التواصل المطلوب.
غير أن واقع التربية يواجه اليوم تحدياً كبيراً؛ فكيف يفيض الوالدان بالحنان والرعاية على أطفالهما إذا كانت البيوت تفتقر إلى الاتزان النفسي، وتغلي فيها النزاعات والخلافات المستمرة بين الزوجين؟ إن فاقد الشيء لا يعطيه، واستقرار المنظومة القيمية للطفل يظل رهناً بسلامة المناخ الأسري والمودة المتبادلة بين الأبوين.
مخاطر العالم الافتراضي وانكماش الذكاء العاطفي
يتعاظم هذا الخطر في عصرنا الحاضر مع استغراق الأطفال في عوالم الشاشات والأجهزة اللوحية، مما أحدث اختلالاً بيّناً في نموهم الوجداني؛ وقد وثقت دراسة صادرة عن “المكتبة الوطنية للطب” التابعة للحكومة الفيدرالية الأمريكية في يونيو 2023م بعنوان “آثار الإفراط في استخدام الشاشات على نمو الطفل” هذه الآثار السلبية؛ حيث بينت أن فرط التعرض للشاشات في الأعمار المبكرة بين ستة أشهر وثمانية عشر شهراً يرتبط بخلل في التفاعل العاطفي وتصاعد السلوكيات العدوانية، كما يقود طول قضاء الوقت أمامها في سن الرابعة إلى انخفاض ملحوظ في مستوى الفهم العاطفي عند بلوغ سن السادسة، بل إن وجود جهاز في غرفة نوم الطفل يُنبئ بانحدار مستمر في مقاييس الإدراك العاطفي في سن الثامنة.
لقد كانت روح النبوة الطاهرة في محمد (ص) منبعاً لحركة الوصاية والإمامة في علي (ع)، بمبدأ رعائي قائم على تدفق العاطفة الشاملة والحكمة البالغة. ومن هنا فإن السعي لإرساء علاقة وجدانية متزنة مع الناشئة هو الركن الركين في البناء الإيماني الرصيد؛ وهو مسار يستلزم حتماً صلحاً عاطفياً ومودة راسخة بين الزوجين داخل البيت، بموازاة يقظة تامة لكبح جماح الأجهزة الرقمية التي تكاد تسلب الأبناء عواطفهم وتحل محل الأسرة، صيانةً للفطرة الإنسانية من التبلد والضياع.
