يدور هذه الأيام لغط كبير وجدل واسع حول التعديلات المرتقبة على قانون الأحوال الشخصية في دولة الكويت، ومواكبةً لهذا الحراك المجتمعي والقانوني، يجدر بنا تناول المسألة بموضوعية وتجرّد عبر عدة محاور منهجية تسهم في جلاء الصورة وتقديم رؤية متوازنة للجميع.
سريان التعديل والخصوصية المذهبية
تتأرجح الآراء المطروحة حالياً بين قولين حول مدى شمول هذه التغييرات لقانون الأحوال الشخصية الجعفري، ولم يتبيّن بعد أي القولين هو الأدق واقعاً؛ إذ من المحتمل ألا تشمله التعديلات في الوقت الراهن، وقد تلحقه في مرحلة لاحقة. وانطلاقاً من ذلك، تبدو الملاحظات العامة ذات فائدة مشتركة تتجاوز حدود الخصوصية المذهبية، لكونها تمس الفلسفة التشريعية العامة الناظمة لشؤون الأسرة واستقرارها.
فلسفة التعديل وضرورات الواقع المتجدد
يسيطر على الناس توجس دائم ومخاوف مشروعة عند طرح أي تعديل على القوانين النافذة؛ غير أن هذا التوجس ينتفي حين تكون الدوافع والغايات سليمة تبتغي الصالح العام، وتتم صياغة المواد على أيدي أهل الاختصاص والخبرة المشهود لهم بتقديم المصلحة العليا على المصالح الفئوية والشخصية، مع ضمان أعلى درجات الشفافية. فالقانون الوضعي ليس قرآناً منزلاً ليمتنع عن التغيير، بل هو نتاج بشري محدود الإمكانات، تعتريه الثغرات التي لا تظهر إلا عند التطبيق العملي وتستوجب سدّها بما يلائم، أو تنتهي صلاحية بعض مواده التي وُضعت لظروف تاريخية واجتماعية تبدلت اليوم، أو تبرز تبعات سلبية متراكمة تستدعي الإصلاح والتقويم. وعليه، فإن المراجعة الدورية المستندة إلى أسس موضوعية تغدو مطلباً حيوياً يكفل للقانون فاعليته ومواكبته لحاجات المجتمع.
فخ التقييم الذاتي وشمولية النظرة التشريعية
يقع كثير من الناس في خطأ فادح حين يقيمون النصوص القانونية من زواياهم الشخصية الضيقة ومصالحهم الآنية، متغافلين عن سائر أبعاد القانون ومراميه الكلية؛ فالمشرّع لا يزن الأمور بنظرة أحادية. ومثال ذلك أن الرجل بصفته زوجاً قد يرى مادة معينة مجحفة بحقه لأنها تلزمه بنفقات أو حقوق لا توافق رغبته، فيسارع إلى اتهام القانون بالتحيز الأعمى للمرأة، والجهل بالواقع المجتمعي؛ في حين أن الرجل نفسه، وبصفته والداً لزوجة، سيمتدح المادة ذاتها ويرى واضعها منصفاً وحكيماً لأنها كفلت حقوق ابنته وصانت كرامتها. ومن هنا، لا يصح الحكم على التشريعات بهذه الطريقة الانطباعية، ما لم يكن انحياز المشرّع وتحيزه لفئة على حساب أخرى بيّناً لا غبش فيه.
الموازنة بين التكليف الفردي والمآلات المجتمعية
ينطلق المشرّع في صياغة مواده من دراسة الآثار العامة المترتبة على المجتمع ككل، ولا يقف عند حدود النظرة الفردية المجردة، فينتقي من الآراء الفقهية ما يحقق المقاصد العليا للاستقرار. ويتضح ذلك جلياً في مسألة إيقاع الطلقات الثلاث في مجلس واحد؛ فمع أن الفتوى المستقرة عند المذاهب الأربعة تعتبرها ثلاثاً تقع بها البينونة الكبرى فلا تحل له إلا بعد زوج آخر، إلا أن المشرّع في قانون الأحوال الشخصية الكويتي العام تبنّى في المادة التاسعة بعد المئة اعتبارها طلقة واحدة. ولم يكن ذلك غفلة عن التراث الفقهي، بل مراعاة للمآلات وحماية للكيان الأسري من التفكك السريع، معللاً ذلك بأن إلزام الأسر بالثلاث يصادم ما قصده الشارع الحكيم من تفريق الطلقات لفتح باب التروي وإتاحة فرصة المراجعة ولمّ الشمل.
حقيقة الوصية الواجبة وتصحيح المفاهيم المغلوطة
التبس الأمر على بعض المتابعين حول مسألة “الوصية الواجبة”، وظن البعض أن التعديل المقترح سيلغي حق الإنسان في الوصية الشرعية كلياً بعد وفاته. والحقيقة أن النص المعني هو المادة مئتان وسبع وثمانون مكرراً من القانون العام، ومفادها أنه إذا توفي الابن في حياة أبيه وترك ذرية، فإن هؤلاء الأحفاد يستحقون حصة في تركة الجد تعادل نصيب أبيهم المتوفى لو كان حياً -ضمن حدود الثلث وشروط محددة- وتُفرض بحكم القانون كأن الجد قد أوصى بها وجوباً، لئلا يُحرموا بوجود الأعمام. وما يتردد اليوم من نقاش حول احتمالية إلغاء هذا النص أو تعديله لمنع حجب الأحفاد مع وجود الأبناء المباشرين لا يمس أصل تشريع الوصية الاختيارية بشيء؛ فضلاً عن أن هذا المفهوم (الوصية الواجبة) غير موجود أصلاً في قانون الأحوال الشخصية الجعفري حتى يطاله الإلغاء.
إن مراجعة التشريعات الأسرية وتطبيقاتها القضائية تظل ضرورة مستمرة ما دامت تصدر عن رغبة حقيقية في حماية المجتمع وتُدار بخبرة اختصاصية رصينة. ومن الحكمة والنزاهة أن تُعرض مشاريع التعديلات قبل إقرارها في المحافل الفقهية والقانونية المتخصصة لتنال حظها من النقاش وتمحيص المزايا والمآخذ؛ فالتأني في شؤون الأسرة خير بمراتب من الاستعجال غير المحسوب، إذ التشريعات الأسرية لا تُقاس ببراعة ديباجتها فقط، بل بما تزرعه في عمق البيوت من طمأنينة وأمان، والقانون الذي يُسقط الإنسان من قلبه لن يثمر استقراراً مهما حسنت نوايا واضعيه.

