قد تصدر عن الإنسان في حياته صورٌ متعددة من الظلم تجاه الآخرين، قد تكون أحياناً صغيرة لا ينتبه إليها، كما قد تكون كبيرة لا تغيب عن ذاكرته ويستبد به الندم على فعلها. وفي الدار الآخرة، إذا كان الله تبارك وتعالى يتجاوز عن كثير من ذنوب عباده الخاصة بحقوقه وحقه القدس, فإن النصوص الدينية تدل بوضوح على أنه لا يتجاوز عن حقوق الناس ومظالمهم، إلا أن يتجاوز أصحاب الحق بأنفسهم ويعفوا عن ذلك.

وقد بيّن النبي الأعظم (ص) خطورة هذا الأمر حين سأل أصحابه يوماً: “أَتَدْرُونَ ما المُفْلِسُ؟ قالوا: المُفْلِسُ فِينا مَن لا دِرْهَمَ له ولا مَتاعَ، فقالَ: إنَّ المُفْلِسَ مِن أُمَّتي يَأْتي يَومَ القِيامَةِ بصَلاةٍ، وصِيامٍ، وزَكاةٍ، ويَأْتي قدْ شَتَمَ هذا، وقَذَفَ هذا، وأَكَلَ مالَ هذا، وسَفَكَ دَمَ هذا، وضَرَبَ هذا، فيُعْطَى هذا مِن حَسَناتِهِ، وهذا مِن حَسَناتِهِ، فإنْ فَنِيَتْ حَسَناتُهُ قَبْلَ أنْ يُقْضَى ما عليه، أُخِذَ مِن خَطاياهُمْ فَطُرِحَتْ عليه، ثُمَّ طُرِحَ في النَّارِ”.

خطوات تصحيحية لرفع المظالم وتدارك الأخطاء

لكي لا يواجه الإنسان في الآخرة مثل هذا المصير المرعب والمفلس، عليه أن يتّخذ خطوات عملية وتصحيحية جادة في حياته الدنيا، كالتوبة النصوحة، وإرجاع حقوق الآخرين العينية والمادية، والتحلل منهم، وإهداء ثواب الأعمال الصالحة إليهم، وما شابه ذلك من سبل التدارك.

وبالطبع، قد يكون الأنسب والأحكم في بعض الحالات أن لا يُخبِر المظلوم إذا كان لا يعلم بالظلم ولم يبلغ علمه، مخافة أن يؤدي ذلك إلى مفسدة أكبر أو جرح مشاعره. ومثال ذلك ما ورد عن الإمام الصادق (ع) أنه قال: “فإن اغتبت فبلغ المغتاب، فلم يبقَ إلا أن تستحل منه، وإن لم يبلغه ولم يلحقه علم ذلك، فاستغفر الله له”.

اللجوء الإلهي وطلب الإرضاء في الدار الآخرة

وواحدة أيضاً من الخطوات التصحيحية المهمة والنافعة أن يدعو الإنسان ربه سبحانه، ويطلب منه بلجاء وتضرع أن يُرضي المظلوم عنه في الآخرة ليتجاوز عنه، وأن يعوّض الداعي بذلك خيراً وبركة بحيث لا يغدو صِفر اليدين في نهاية المطاف.

ومن نصوص الأدعية العميقة الواردة في هذا المعنى ما جاء في دعاء يوم الإثنين للإمام زين العابدين (ع) حيث قال مناجياً ربه: “وَأَسأَلُكَ فِي مَظالِمِ عِبادِكَ عِنْدِي، فَأَيُّما عَبْدٍ مِنْ عَبِيدِكَ أَوْ أَمَةٍ مِنْ إِمائِكَ كانَتْ لَهُ قِبَلِي مَظْلِمَةٌ ظَلَمْتُها إِيّاهُ فِي نَفْسِهِ، أَوْ فِي عِرْضِهِ، أَوْ فِي مالِهِ، أَوْ فِي أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ، أَوْ غَيْبَةٌ اغْتَبْتُهُ بِها، أَوْ تَحامِلٌ عَلَيْهِ بِمَيْلٍ أَوْ هَوَىً، أَوْ أَنَفَةٍ أَوْ حَمِيَّةٍ أَوْ رِياءٍ أَوْ عَصَبِيَّةٍ، غائِباً كانَ أَوْ شاهِداً، وَحَيّاً كانَ أَوْ مَيِّتاً، فَقَصُرَتْ يَدِي وَضاقَ وُسْعِي عَنْ رَدِّها إِلَيْهِ وَالتَّحَلُّلِ مِنْهُ، فَأَسْأَلُكَ يا مَنْ يَمْلِكُ الحاجاتِ وَهِيَ مُسْتَجِيبَةٌ لِمَشِيَّتِهِ، وَمُسْرِعَةٌ إِلى إِرادَتِهِ، أَنْ تُصَلِّيَ عَلى مُحَمَّدٍ وَآلِ مُحَمَّدٍ، وَأَنْ تُرْضِيَهُ عَنِّي بِما شِئْتَ، وَتَهَبَ لِي مِنْ عِنْدِكَ رَحْمَةً، إِنَّهُ لا تَنْقُصُكَ المَغْفِرَةُ، ولا تَضُرُّكَ المَوْهِبَةُ، يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ”.

الشيخ علي حسن

View all posts