{وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا} [النساء: 36].

بعد الحديث عن الهولوكوست الأفريقي، أُثيرت تساؤلات من بعض الأعزاء حول تشابه ما تحدثت عنه مع ما كان يمارسه المسلمون إلى عهد قريب حول ذات الملف. يأتي هذا أيضاً بالتزامن مع انتشار مقاطع فيديو تتناول مسألة الرق، وموقف الإسلام منها، وإثارات حول بعض المسائل الشرعية الخاصة بها. وهذه الإثارة ليست أمراً جديداً، وقد تكلمت عنها في أكثر من مناسبة، ولكنها تحتاج إلى وقفة متجددة لرفع بعض الشبهات والتذكير بالحقائق التاريخية والتشريعية.

الجذور التاريخية للرق وانحداره الأخلاقي

أول ملاحظة أسجلها هنا هي أن بعض من يتكلم في هذا الموضوع يثير الأمر وكأن الإسلام هو الذي ابتدع نظام العبودية، وأن المجتمعات البشرية لم تكن تعرف ولا تمارس شيئاً من هذا القبيل، وهذا أول خطأ وأول فكرة تحتاج إلى تنبيه وتصحيح. لقد جاءت الرسالة الإسلامية بينما كانت البشرية تمارس العبودية منذ آلاف السنين، وهو نظام كانت تعتمد عليه المجتمعات البشرية وله أبعاد اقتصادية واجتماعية وأمنية.

وقد اعتبر (ويل ديورانت) في موسوعته (قصة الحضارة) أن ظهور نظام الرق كان بمثابة “تقدم أخلاقي عظيم” للبشرية، حيث استعيض عن قتل العدو المحارب بالإبقاء على حياته أسيراً ليصبح يداً عاملة شبه مجانية. إلا أن هذا التقدم الأخلاقي انحدر بمرور الزمن في أكثر من بُعد، ومن ذلك:

  • التوسع في موارد الاستعباد: وعدم الاقتصار على أسرى الحروب، ومنها اختطاف الأحرار كما حصل لزيد بن حارثة وسلمان الفارسي، وتحويل الحر نفسه أو بعض أفراد أسرته إلى عبيد في المقامرات الخاسرة، والسماح ببيع بعض أفراد الأسرة في حالات الفقر الشديد أو لسداد الديون، وفرض العبودية على الجاني كنوع من العقوبة في حالة السرقة أو القتل.
  • استباحة كل فعل بحق المملوك: ومن ذلك أن يُلقى في حلبة المصارعة مع مجموعة من الأسود ليقاتلها وتنهشه بغرض الترفيه!

النقلة النوعية والتشريعات الإسلامية في ملف الرق

فكيف نفهم موقف الإسلام من مسألة الرق؟ ببعثة النبي (ص)، جاء الإسلام بمجموعة من التعاليم التشريعية والأخلاقية التي حققت نقلة نوعية في هذا الملف؛ ويمكن إبراز ذلك في الجوانب التالية:

  • ألغى الإسلام أكثر صور الاسترقاق السابقة، وأبقى على الاسترقاق الناجم عن الحرب مع غير المسلمين فقط، مع وجود البديل المتمثل في العفو أو الفداء.
  • ارتقى بأسلوب التعامل مع الرقيق واعتبر الإحسان إليهم فرعاً للالتزام بالتوحيد، كما في قوله تعالى: {وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا… وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ} [النساء: 36]. وفي عدة أحاديث توصيات راسخة من قبيل: “أرقّاؤكم إخوانكم”، و”أطعِموهم مما تَطعَمون، وألبِسوهم ممّا تَلبِسون”. بل امتد ذلك إلى مستوى التسمية لرفع الدونية؛ فقال النبي (ص): “لا يقُل أحدُكم: هذا عَبدي، وهذه أمَتي، وليقُل فَتاي وفَتاتي”. وسُئل الإمام الرضا (ع) في مملوك يعصي صاحبه: أيحل ضربه أم لا؟ فقال: “لا يحل، إن وافقك فأمسكه، وإلا فخلّ عنه”.
  • أباح زواج الحر بالأمة، وهو ما كان غير ممكن أو معيباً في الجاهلية؛ وعلّل القرآن هذه الإباحة بقوله تعالى: {بَعْضُكُم مِّنْبَعْضٍ} [النساء: 25]، أي أنها إنسانة وكفؤة، وجعل إيمانها مدعاة لاعتبارها فرداً من أفراد المجتمع المؤمن، وأوجب إعطاءها المهر كالحرة: {فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ} [النساء: 25].
  • أمر بتحرير الرقاب وجوباً، تعيينياً أو تخييرياً، ومن صور ذلك كفارة القتل الخطأ: {وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [النساء: 92]. فبعد أن كان القاتل في الجاهلية يتحول إلى عبد أحياناً ليزداد عدد العبيد، أصبح الفكاك من الخطأ سبباً لنقصان عددهم، وهكذا في كفارة الظهار، وحنث اليمين، والإفطار العمدي.
  • شجّع على التحرير استحباباً، ومن ذلك ما جاء في سورة البلد المكية: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۝ فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11-13].
  • وضع تشريعات مساعدة على التحرير من قبيل (المكاتبة)، كما في قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيْرًا وَآتُوهُم مِّن مَّالِ اللَّـهِ الَّذِي آتَاكُمْ} [النور: 33]. وهذا النظام يقتضي التوافق على التحرر من خلال دفع الرقيق ثمن حريتهم، مع مساعدتهم مالياً ليستعينوا بها في الوقوف على أرجلهم معاشياً بعد التحرر.

لماذا لم يلغِ الإسلام الرق نهائياً دفعة واحدة؟

ويبقى السؤال المتكرر: لماذا لم يلغِ الإسلام نظام الرق نهائياً في بداية دعوته؟ وتتضح الإجابة عبر الاعتبارات التالية:

  • لماذا يوجّه هذا السؤال إلى الإسلام تحديداً؟ لماذا لا يوجّه إلى المسيحيين، فقد صارت الإمبراطورية البيزنطية مسيحية منذ القرن الميلادي الرابع وبقيت فيها العبودية بكافة صورها؟ ولماذا لا يوجّه إلى اليهود، فقد كانت العبودية قائمة عندما كانت دولهم قائمة منذ ثلاثة آلاف سنة فما بعد؟ وللماذا لا يوجّه إلى التنويريين الغربيين والدول الغربية التي استمر فيها هذا النظام إلى فترة قريبة؟ لماذا لم يلغوه فوراً إن كانوا بالفعل دعاة لحقوق الإنسان؟
  • على أقل تقدير، فإن السبب المانع هناك هو ذاته السبب المانع في الإسلام، وهو أن البنية الاقتصادية للمجتمع كانت ستفدح وستنهار لو اتُّخذ مثل هذا التدبير دفعة واحدة. وكلنا نتذكر كيف اختل وضع الإدارات والسوق لدينا لما صدر قرار فجائي بمنع تجديد إقامة الوافدين ممن تجاوزوا الستين عاماً؛ فكيف لو صدر قرار شامل لكل العمالة دفعة واحدة؟ تخيل حجم التبعات!

براءة الإسلام من الاستعلاء العرقي ومقارنة منصفة

من غير الإنصاف أبداً تشبيه نظام الرق في الإسلام مع الصورة المأساوية التي قدمتها حول الهولوكوست الأفريقي وأوضاع العبيد في الغرب؛ ويمكن إدراك الفارق من خلال الوجوه الآتية:

  • طالعوا قصة المملوك بدر الدين الجمالي الأرمني الأصل، رئيس وزراء الخليفة الفاطمي المستنصر بالله، وطالعوا سيرة صعود المماليك للحكم في مصر، وكانوا عبيداً من الروم والشركس والترك وغيرهم، فضلاً عن العديد من القادة العسكريين أيام الدول العباسية والفاطمية والعثمانية، إضافة إلى العلماء والكتّاب.
  • لم تكن العبودية في الإسلام مدفوعة بنظرية تفوق عرقي أو اعتقادات بالاختلافات البيولوجية بين البشر، على خلاف العبودية الاستعمارية الغربية التي كانت تعتبر الأفريقي في رتبة متدنية في سلّم الإنسانية، حتى إن أحدهم لو اكتُشف أنه يقرأ أو يكتب لعوقب بشدة.
  • يؤكد بعض الباحثين أن صدور القوانين الخاصة بتحرير العبيد تدريجياً في الغرب لم يكن بدافع إنساني بحت، بل كان دافعاً اقتصادياً في الأساس؛ فبعد النهضة الصناعية وتكدس البضائع، كان لا بد من توسيع الشريحة المستهلكة، فكان الحل في تحرير العبيد وتحويلهم إلى أيدي عاملة قادرة على التملك وتحريك عجلة الاقتصاد الرأسمالي.

الخلاصة الخاتمة

إن استهداف الإسلام تحديداً عند تناول موضوع الرق في التاريخ يؤكد أن طرح المسألة ليس أمراً بريئاً، بل يأتي ضمن سلسلة استهدافات مباشرة لدين الله على مستوى الركائز الإيمانية، والتشريعات، والتاريخ، والثقافة، وليس من منطلق إنساني أو حقوقي. كما أن التشبيه بين خصوصيات الاستعباد في الإسلام وتلك التي شهدتها مرحلة الهولوكوست الأفريقي تشبيه غير منصف على الإطلاق.

بالطبع، لا يعني هذا استحسان فكرة الاستعباد أو التشجيع على عودتها، ولا تبرير السلوكيات الخاطئة الصادرة عن بعض المسلمين في هذا الإطار؛ فقد شرع الإسلام وأوصى بالكثير من صور تحرير العبيد، فضلاً عن الارتقاء بأسلوب التعامل معهم والإحسان إليهم، والتوافق مع تطور النظرة البشرية للمسألة. وحتى إذا استقرت البشرية على رفض العبودية المطلق، ساهم الإسلام في إنجاح ذلك، وأغلق الفقهاء موارد الاستعباد بصورة لا رجعة فيها، لأنها التقت مع واحدة من أسمى مقاصد الرسالة الإسلامية: {فَلَا اقْتَحَمَ الْعَقَبَةَ ۝ وَمَا أَدْرَاكَ مَا الْعَقَبَةُ ۝ فَكُّ رَقَبَةٍ} [البلد: 11-13].

الشيخ علي حسن

View all posts